عام على مسيرات العودة: فرص وتحدّيات

تاريخ الإضافة الإثنين 25 آذار 2019 - 12:28 م    عدد الزيارات 1372    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

انطلقت قبل عام، بالتّزامن مع يوم الأرض في 30/3/2018، مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، كجزء من حراك شعبي رافض لما تتعرّض له القضية الفلسطينية، بكلّ مكوناتها، من محاولات لتصفيتها. الهدف الأول لمسيرات العودة، كما يبيّن اسمها، تسليط الضوء على حقّ العودة والتصدّي لما راج من تصريحات وأفعال تشي بأنّ الولايات المتحدة تتبنى الموقف الإسرائيلي من اللاجئين إذ أعلنت واشنطن، في كانون ثان/يناير 2018، عن تجميد مبلغ 65 مليون دولار من أصل 125 مليون دولار كانت مقررة للأونروا، بانتظار مراجعة التّمويل، وهذه الخطوة كانت من أولى الإشارات الأمريكية إلى استهداف ملفّ اللاجئين، وتبعتها قرارات أخرى أكّدت ذلك وكرّسته. استمرّت المسيرات جمعة بعد أخرى، عينها على صون حقّ العودة، وإعادته إلى دائرة الضوء والاهتمام، من دون أن تنسى القدس والأقصى والحصار والشهداء والأسرى، وكلّ ما يندرج تحت عنوان الحقّ الفلسطيني.

 

فاجأت المسيرات التي يشارك فيها الفلسطينيون من دون كلل، سلطات الاحتلال، واستطاع عدد من الشبّان النفاذ إلى الجانب الآخر من السياج الزائل، ونجح بعضهم في الالتحام مع بعض جنود الاحتلال، وكانت المفارقة أنّ المشاركة لم تقتصر على فئة دون أخرى، فخرج الرجال والنساء والأطفال، والمسنّون، والمقعدون، في مشهد يعجّ بالرسائل والدّلالات. ولعلّ الاحتلال تلقّف هذه الرسائل، وهو يخشى ما يمكن أن تتطوّر إليه المسيرات، ولذلك لجأ إلى القتل، وقنص المشاركين، خوفًا من أن يجتازوا السياج جماعات، وقد استشهد برصاص الاحتلال في مسيرات العودة 273 فلسطينيًا منذ بدء المسيرات إلى اليوم، علاوة على أكثر من 15,234 إصابة. وانتقد تقرير تبنّاه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة استعمال سلطات الاحتلال القوة المميتة ضدّ المتظاهرين منذ بدء مسيرات العودة، ومع ذلك فإنّ الاحتلال ينكر جرائمه، ويتعهّد بالمزيد من القتل، لا سيّما في المسيرات التي ستخرج في الذكرى السنوية الأولى.

 

وزاد من قلق الاحتلال الفعاليات التي رافقت المسيرات، تحديدًا البالونات الحارقة التي انطلقت من غزّة ووصلت إلى المستوطنات القريبة من القطاع، أو ما يعرف بغلاف غزة، ووصلت أيضًا إلى القدس المحتلّة، و"تل أبيب"، وأحرقت آلاف الدونمات في المستوطنات، ما يعني في الحصيلة قلقًا على المستوى الأمني، وخسائر على المستوى الاقتصادي. وهكذا، تحوّلت أطراف غزّة إلى مصدر للقلق بالنسبة إلى الاحتلال بعد الهدوء الذي سيطر عليها منذ الحرب الإسرائيلية على القطاع عام 2014. إضافة إلى البالونات الحارقة، ظهرت ما تسمى وحدات "قص السّلك" و"الكوشوك" و"الإرباك الليلي"، وتنوي الهيئة العليا لمسيرات العودة تكثيف وتيرة هذه الفعاليات مع اقتراب الذّكرى السنوية.

 

نجحت مسيرات العودة في أن تخرج من دائرة التّفاعل الموسمي، الذي يبدأ بحماس وانفعال، ثم لا يلبث أن يذوي ويموت. والتّحدّي هو في استثمار هذه المسيرات والفعاليات المرافقة لها على المستوى السياسي، لكن من دون أن يعني ذلك الرضا بأن تنتهي المسيرات بتحسين ظروف الحياة في غزة تحت حراب الحصار. فالمسيرات أصابت الاحتلال في خاصرته الرخوة، أي أمن المستوطنين، ويزيد من حرجه وقلقه أن تنفجر المسيرات في وجهه وهو مقبل على انتخابات "الكنيست"، في ظلّ التعهّدات التي أطلقتها وحدات مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار في قطاع غزة منذ أيام باستمرار المسيرات وتنفيذ المهام الموكلة إليها لإرباك الاحتلال الذي "لن يذوق مستوطنوه الراحة" على حساب أهل غزّة. وعلى الرّغم من التهديدات التي يطلقها قادة الاحتلال ضدّ القطاع، وكان من آخرها الرسائل التي نقلتها مصر إلى حركة حماس عن سلطات الاحتلال بأنها "لن تسمح بأي تجاوز على الحدود خلال الفترة المقبلة"، إلّا أنّ الاحتلال يدرك أنّ ثمّة إرادة شعبية لن يمكن ضبطها في حال عدم الاستجابة لمطالب الفلسطينيين، ومقاومة لن تسكت في وجه الاعتداءات الإسرائيليّة. ولعلّ الصاروخين اللذين حطّا في "تل أبيب" في 14/3/2019 وأعلنت حركتا "حماس" و"الجهاد" عدم مسؤوليتهما عنهما، حملا رسائل إلى دولة الاحتلال والمسؤولين الإسرائيليين سيكون عليهم أخذها بالاعتبار عند التفكير في سيناريو التصعيد مع غزّة.

 

وفي الوقت الذي يتخوّف الاحتلال من مفاجآت غزة، تبقى المفارقة المؤسفة أنّ الإسرائيليين يستهدفون الفلسطينيين بالقتل والحصار فيما لا تتورّع أنظمة عربية عن المجاهرة بالعلاقات مع دولة الاحتلال، والحديث عن التعامل معها من باب كونها موجودة في المنطقة كأمر واقع، أو السماح برفع علمها ونشيدها تحت عنوان الرياضة والبطولات الدّولية. وهذا المنطق هو أحد أهم العوامل التي تجرّئ الاحتلال على التعنّت في غزة والاستمرار في الحصار والعقوبات، ناهيك عن الاعتداءات على الأقصى، لا سيما مصلى باب الرحمة.

 

ليست مسيرات العودة عملاً فولكلوريًا، أو استعراضيًا، ولا الهدف منها وضع الغزّيين العزّل في مواجهة الجنود المدجّجين بالسلاح والتّعنت ليقتلوا، بل هي لتأكيد التمسّك بالحقوق، والإصرار على انتزاعها من بين براثن الاحتلال، وأعوانه وداعميه؛ وهي صوت شعبي رافض لصفقة القرن، ولتصفية حق العودة، ولإعفاء دولة الاحتلال من جرائمها الممتدة إلى ما قبل عام النكبة، ورفض لأن تكون القدس عاصمة لدولة الاحتلال، والجولان جزءًا من "إسرائيل". وهي إذ تضع أمن الاحتلال في خطر فإنّ إمكانيّة الاستفادة منها سياسيًا ممكنة، بدلاً من التشويش عليها بحراكات ترفع شعارات محقة في ظاهرها فيما هي حقيقة تقوّي الاحتلال، وتدفعه إلى مزيد من التعنّت. إنّ هذه المسيرات هي أنصع تجلّ للإرادة والمقاومة الشعبية، وليس أقلّ من إسنادها من الدّاخل والخارج لتصل إلى أهدافها وتحقّق غاياتها في الطريق إلى التحرير.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

باب الأسباط... حيث الصّلاة مقاومة

التالي

تعدّدت الوجوه والتّطبيع واحد

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

حكايا المطبعين

الجمعة 28 حزيران 2019 - 3:07 م

عمل المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان على تأريخ الأحداث في منطقتنا العربية، فكان يتطرق للموضوعات حينًا وما جرى بها، ويتناول الأحداث أحيانًا أخرى ويربطها بسياقاتها ونتائجها، ومما تناول مؤرخنا ال… تتمة »

براءة درزي

فلسطين مش للبيع!

الأربعاء 26 حزيران 2019 - 2:01 م

يقف مستشار ترمب قبالة المشاركين في ورشة البحرين يشرح لهم ما يتضمنه الجانب الاقتصادي من الخطة الأمريكية للسلام. ويكشف عن المقترحات التي تتضمن استثمار 50 مليار دولار في المنطقة على مدار 10 أعوام، حيث تذ… تتمة »