مدينــة القــدس تاريخ وحضارة

تاريخ الإضافة الخميس 23 تشرين الأول 2008 - 1:01 م    عدد الزيارات 24365    التعليقات 0

        

 ملاحظة: لا تتحمل مؤسسة القدس الدولية أو موقع مدينة القدس المسؤولية عن آراء المعد أو المغالطات والأخطاء الواردة في البحث سواء في المسميات أو المعلومات

 


مدينــة القــدس
تاريخ  وحضارة

 

"" 

 


إعداد
دكتور/عبد القادر نمر محمد
مدرس تاريخ وحضارات مصر والشرق الأدنى القديم


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

 

لا يتمالك المرء نفسه و هو واقف على جبل الزيتون حيث قضى السيد المسيح عليه السلام ليلته الأخيرة. إلا أن ينظر أمامه إلى حيث مسرى سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام, ليربط بين ديانتين سماويتين, يتردد صدى الأيمان بهما في قلوب ملايين من سكان هذا الكوكب.
فإنني – بكل تواضع الباحث – أبحث عن إبرة الحقيقة في خضم أكوام قش الأكاذيب المتراكمة عبر السنوات في تاريخ هذه المدينة التي هي أرض المنشر و فيها المحشر.
إليها تهفو العيون و ترنو القلوب للصلاة بين أعمدة الكنائس و أروقة المساجد التي تتحدث كلها عن عظمة من عبد وروعة المعبود.
و جعلت دليلي في هذا البحث الجهد المتواضع أحجار القدس فوق ترابها المقدس و تحته, التي عاصرت عهودها الزاهرة, و أحداثها الكبرى. و أن علم الآثار لا يحفل بالتفسيرات المقترحة, و أنما يهتم بالدليل و البرهان. و تحدد النصوص كثيراً من الإشارات نحو البناء في القدس, إلا أن هذه المصادر النصية تفتقر إلى التحديد الدقيق الذي يكمن معه الوقوف على حقيقة ذلك.

 

الحفريات الأثرية الأجنبية و نتائجها

 

بالرغم من مرور قرن و نصف تقريباً على أعمال الحفائر الأثرية في مدينة القدس، استهدفت العثور على أدلة تؤكد ما ورد في النصوص التوراتية إلا أنهم لم يعثروا على أي دليل أثري يؤيدها. إن عمليات الكشف الأثري جعلت أحداث التاريخ لمدينة القدس معروفة لنا في كل مراحلها.

 

و قد غير الباحثون فكرتهم السابقة, إلا أن مفكري المنظمات اليهودية السياسية في العصر الحديث, وعلى رأسهم المنظمة الصهيونية من الأشكناز الذين لا ينتمون سلالياً "لبني إسرائيل" هم الذين عملوا على نشر الفكرة القائلة أن "اليهود" و "بني إسرائيل" هم الشيء نفسه. وأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل, دون دليل علمي أو أثري يؤيده. قامت أعداد غير محدودة من البعثات بالتحقيق في مشاكل الآثار في القدس, و لكن معظم النتائج ليست حاسمة.

 

أنشئ صندوق استكشاف فلسطين Palestine Exploration Fund  عام 1865م.  وقد أرسل ضابطين لأجراء المسح الأول و هما الكابتن تشارلز ولسون Captain Charles Wilson  و الملازم أندرسون Anderson و قامت هذه  البعثة برسم الخرائط الدقيقة لفلسطين ثم القدس و الخليل. و إجراء مسح رائع – حسب ما ورد في تقرير"التقدم"The Statement of Progress  في اجتماع الصندوق يوم 23 يوليو 1866م. واحتلت القدس موقعاً مميزاً للأهداف الموضوعية لأبحاث الصندوق. و يضع المنهج العلمي قائمة أبحاث تبدأ بالحفائر الأثرية, و ستوفر القدس و حدها مجالا كافيا, بحيث يتم تحديد ما هو فوق سطح الأرض بدقة خلال المسح, و عند الانتهاء منه, يتم اكتشاف ما هو تحت السطح.

 

و في عام 1867م وصل الملازم وارين للبدء في التنقيب في المدينة, و هو ما وصفه بدقة في نشرته بعنوان "القدس التي تحت الأرض" تضمنت المشاكل التي أنيط بالملازم وارين حلها بحسب "تقرير التقدم" الصادر عن الصندوق البحث في الأقبية التي تحت منطقة الحرم الشريف, و تحديد صفات الحائط الغربي من الحرم الشريف, و التأكد من الملامح الطبيعية للأرض بين قوس "ايكى هوموEcce Homo " و بوابة القديس ستيفان (الأسباط), و بين بوابة يافا الخليل و باب السلسلة للحرم الشريف, و في المارستان و مستشفى القديس يوحنا جنوب كنيسة القيامة بحثا عن آثار الحائط الثاني الذي ذكره يوسيفوس. و أمام بوابة دمشق (باب العمود) حيث توجد بوابة قديمة, و أقبية الحرم الشريف والشارع الغربي للبوابة الثلاثية. فقد كانت جميعا داخل نطاق القدس القديمة, حيث تركزت حفائر وارين.

 

كان من الطبيعي أن تتضمن التعليمات المقدمة إلى "وارين" تأكيدات خاصة حول البحث الموجه إلى الحرم الشريف, لأن تلك هي المنطقة التي زعموا أن بقايا المعبد فيها, خاصة أن البعض يمتلكون تصورات مسبقة عن النتائج التي يتوجب عليه التوصل إليها (هذه المناطق التي استثناها الفرمان التركي الرسمي للحد من نشاطات وارين و ثبت سلامة الموقف التركي الإسلامي)

 

والتزم ناصيف باشا تماما بمنع وارين من الحفر حول منطقة الحرم الشريف ولذلك كان ملزما بإجراء عمليات حفر الإنفاق خارج أسوار الحرم الشريف. و قام بحفر سلسلة من الأنفاق العمودية في أثناء عمليات التنقيب, ووصف أهداف حفائره بالبحث عن البوابة الذهبية وهى بوابة كبيرة على الطراز الروماني في الحائط الشرقي من الحرم الشريف وخارج البوابة مدافن إسلامية.

 

والنقطة الوحيدة التي أمكن أقامة النفق العمودي خلالها كانت على بعد 143قدما إلى الشرق و على عمق 81 قدما تحت سطح الأرض,وعند قاعدة البوابة تم حفر نفق نحو الحرم الشريف(أفقي) وأصطدم الحفارون بالصخور بشكل فوري، و أتبعوه إلى الأعلى على ارتفاع 68قدما. سجل وارين "أن العمل أصبح خطرا جدا حيث أن الممر يخترق طبقات تحتوى على صخور منهارة و بشكل تبادلي مع طبقات من الحصى و الذي كان يتحرك مثل الماء الجاري".

 

كما تم فحص كامل محيط الحرم الشريف و بشكل دقيق, و تم أنشاء الربط و العلاقة بين الأسوار وسطح الصخور, كما تم إجراء بعض العمليات الاستكشافية في داخل الحرم الشريف, و لكنها واجهت صعوبات المعارضة المحلية.

من الواضح أن جهود وارين الرئيسية وجهت إلى ما يعتقد أنها منطقة الهيكل المزعوم, حسب التعليمات والتصورات المسبقة لبعض الأفراد عن النتائج التي يتوجب عليه التوصل إليها. غير أنه و كمكتشف حقيقي, فقد أدت مكتشفاته إلى التأثير المباشر على باقي حفائر القدس وإظهاره أن الاحتلالات السابقة تمتد إلى جنوب المدينة القديمة الحالية. و بين أعوام1894-1897م كانت الحفريات بقيادة "فردريك بليس" Frederick J.Bliss  الذي أطلق على نفسه أنة "المكتشف التابع للصندوق" و يساعده مهندس معمارى "أي. سي. ديكي" A.C.Dickie ويعرف بليس أهدافه كالتالي "عملنا الرئيس كان متابعة الخطوط التي أخذتها الأسوار الجنوبية للقدس خلال فترات مختلفة.

 

كان مشروع بليس هو متابعة السور المتجه جنوبا من الزاوية الجنوبية الغربية للقدس القديمة و التي تتفق مع سور أوفل الذي أكتشفه وارين إلى الجنوب من الزاوية الجنوبية من الحرم الشريف.
و في الأعوام1909 و1911م  قامت بعثة باركرParker  بأجراء العديد من الاختبارات و حفر الأنفاق في أوفل على الجهة الجنوبية من القدس و هي المقبولة بشكل عام على أنها موقع الاستيطان الرئيسي بحثا عن قبر داود. كانت النتيجة الأساسية هي اكتشاف سلسلة من القنوات المائية مرتبطة بنبع العذراء.

وقام فينسنت "H.Vincent" وهو الأشهر بين سلسلة من علماء الآثار الدومنيكان التابعين للمدرسة التوراتية للآثار في الأراضي المقدسة. ونشر بعض المعلومات المثيرة عن مجموعة من القبور تعود إلى الألف الرابعة قبل الميلاد.

 

و في 1913 – 1914 قام آر- وييل R.weill بإجراء حفريات في تل أوفل الجنوبي, و الذي أتم اكتشاف بقايا من سلاسل معقدة من التحصينات, كانت التفسيرات المقدمة  للنتائج عن هذه البعثات مدينة بالكثير من اهتمامات فينست.
و في عام1923 جددت بعثة صندوق الحفريات في فلسطين همومها على مشاكل تاريخ المدينة, عندما بدأت الحفر على تلة أوفل خارج أسوار مدينة القدس المنشأة في العصور الوسطى و الحديثة. و كانت تحت أدارة البروفسور ماكاليستر "R.A.S.Macalister".
و في عام 1927 تحت أدارة السيد كروفت "J.W.Crowfoot" تم توجيه الاهتمام أساسا إلى استعادة الأدلة المتعلقة بالدفاعات اليبوسية المبكرة تعود إلى العصر البرونزي المبكر (القرن 31-21 ق. م).

 

و مرحلة أخيرة : عندما فرضت بريطانيا في عام 1919م كقوة منتدبة في فلسطين فقد أنشأت دائرة الآثار, و في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين فإن ضباط الدائرة و بخاصة "هامياتون"R.W.Hamitton" " و جونز C.N.Johns كانا نشيطين في البحث عن تفسير لمشكلة القدس.
كان موقع عمل "جونز" في القلعة الحالية بالقرب من  بوابة يافا (باب الخليل) على المرتفع الغربي. إن الأصول التي ترجع إلى فترة هيرودس للبرج القائم حاليا, حيث واضحة تماما من نوعية الأحجار المبنية في المستويات السفلى.

 

و كان موقع عمل "هاميلتون" الرئيسي مقابل السور الشمالي للمنطقة القديمة حاليا, حيث استطاع التعرف على البوابة التي بناها "هادريان" (135 ميلادية) والعائدة إلى المدينة الرومانية (إيليا كابيتولينا) تحت بوابة دمشق الحالية.
و يمكن النظر إلى الحفريات التي قام بها مسؤولو دائرة الآثار البريطانية كنهاية لحقبة بأكثر من معنى. فنتيجة للموقف الذي نتج عن أحداث 1948 - فقد غادر المسؤولون البريطانيون - و أصبحت القدس مدينة حدودية مع قيام الحدود بين الأردن حول السور الشمالي من باب دمشق  (باب العمود) وعلى طول السور الغربي، وتم إغلاق باب يافا (باب الخليل) بالحجارة.
كما امتدت إلى الجنوب من الزاوية الجنوبية الغربية للمدينة القديمة الأرض الحرام و التي وصلت إلى وأدى هنوم.
وفي هذه الظروف بدأت الحفريات البريطانية مجددا برعاية المدرسة البريطانية للآثار في القدس بين أعوام 1961-1967م. بدأ التقرير التفصيلي لنتائج الحفريات التي قامت بها عالمة الآثار البريطانية كاثلين مارى كنيون "Kathleen M.Kenyon" في مجلدها الأثري Digging up Jerusalem في الفترة المذكورة عن أن الحفائر أماطت اللثام عن أن مدينة القدس الكنعانية – اليبوسية الأولى و التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.

 

حيث أقام اليبوسيون حصنهم على القمة الشرقية لتل أوفل (الضهور) و يبلغ معدل ارتفاعه 680مترا عن سطح الأرض, و هو بهذا الارتفاع ينخفض عن ساحة الحرم الشريف بنحو 50 مترا, ويبتعد عنها بنحو 170 متراً و يبلغ طوله الممتد من الشمال إلى الجنوب نحو 400مترا.  و عرضه من الشرق إلى الغرب بنحو 135 مترا أي أن مساحته 00,54 متر مربع.

 

و تحيط به أودية عميقة من جهاته, إلا من جهة الشمال. أي أنه يقع بين ملتقى وادي قدرون من الناحية الشرقية, ووادي التيروبيون (الجبانين) من الناحية الغربية. وتأثير هذا الوادي كان تقسيم الموقع القديم للقدس إلى قسمين, القمة الشرقية و القمة الغربية لتل أوفل.
ثم تنعطف هذه المنطقة نحو الجنوب حيث تلتقي الأودية الثلاثة  (قدرون و التيروبيون و هنوم) عند بئر أيوب. وإن كلا من المخلفات الأثرية و القمم من ناحية الشرق و الغرب للقدس الكنعانية كانتا في موضع الدفاع التام عن طريق الأودية المنحدرة, و في الشمال فقط لم تكن هناك حدود طبيعية. و هذا الموقع الحصين كان السبب الأساسي لاختيار موقع القدس الكنعانية الأولى.

 

يعتقد البعض أن مدينة القدس الأولى كانت على القمة الغربية, و يرجع ذلك أولا إلى عهد يوسيفوس في القرن الأول قبل الميلاد, و يطلق علية جبل صهيون, و هكذا يتعين اعتبار جبل صهيون (القمة الغربية) ويطلق على جبل صهيون, مدينة داود. على أن الدليل الأثري يوضح تماما بأن هناك خطأ مقصوداً وأن القدس الكنعانية في عهد داود تقع على القمة الشرقية. و أن يوسيفوس لم يفصح عن هذا اللبس و الغموض المتعمد في هذه المسألة الأخيرة, ثم توارثها من حذا حذوه و أدعوا في أبحاثهم أن القمة الغربية هي المدينة التي احتلها داود مع أن الدليل الثرى صريح و واضح في أن القدس الكنعانية الأولى كانت تقع على القمة الشرقية.

 

و تضيف "كينون" بلهجة مقتضبة "و يستمع المرء إلى القول بأن الحفريات الحديثة تتجاهل هذه المعلومات أو تعتبرها "دقة قديمة" و أنا آسفة لأن أعرف أن هذه  الأفكار تنتشر بين الأثريين "الإسرائيليين" الذين يقومون بفعل الكثير للبحث عن مشاكل المدن الفلسطينية وتضيف "كنيون" : "وأبقى مقتنعة تماما بأنه بدون الأدلة المرئية و الملحوظة في القطاعات التي تم قياسها للعلاقة بين السطح و الأبنية فإن المرء يبنى تفسيراته على الرمال، و هي رمال متحركة بشكل مخيف".

 

يتضح أن مدينة القدس التاريخية قامت على تل الضهور (أوفل أو الطور) المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من الحرم الشريف و المسجد الأقصى و على مرور العصور هجر هذا الموقع لتقوم القدس على تلال تقع إلى الشمال من الموقع الأول بين بابي الساهرة وحطة, وبين مرتفع ساحة الحرم الشريف في الشرق (جبل موريا) و مرتفع صهيون في الجنوب الغربي وهي المرتفعات التي تقع داخل السور فيما يعرف اليوم بالقدس القديمة داخل الأسوار.

 

يبلغ محيط سور القدس القديمة ميلان و نصف الميل, و طوله من الشمال 3930 قدما  ومن الشرق 2754 قدما, من الجنوب 3245 قدما، و من الغرب 2086 قدما. وأما ارتفاعه فيتراوح بين 38 قدما و 40 قدما و له أربعة و ثلاثون برجا وسبعة أبواب هي:

 

1- باب الخليل "Jaffa Gate " في وسط الجانب الغربي للسور.
2- باب الجديد "The New Gate" في الزاوية الشمالية الغربية من السور.
3- باب الساهرة "Herod Gate " في الشمال الشرقي من السور
4- باب العمود "Damasus Gate " وسط الجانب الشمالي من السور
5- باب ستنا مريم  "الأسباط St . Stepan' s  Gate " في الزاوية الشمالية الشرقية من السور.
6- الباب الذهبي "The Golden Gate " المدخل المباشر إلى الحرم الشريف, يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية.
7- باب المغاربة "Dung Gate " في الجانب الجنوبي الشرقي من السور.
8- باب النبي داود "Zion Gate " في الجانب الجنوبي للسور.
9- الأبواب المغلقة الثلاثة "  Fuldah Gate" في الجانب الشرقي من السور.

 

أطلق على القدس تسميات كثيرة نذكر منها :

 

- أورشليم أو أورسالم : و التسمية مؤلفة من أور "و تعنى بالبابلية" مدينة  "وسالم" هو إله السلام عند الكنعانيين.
- يبوس : سلالة حاكمة من قبيلة يبوس الكنعانية، حكمت القدس في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد.
- هيروسليما : بعد دخول الإسكندر بلاد الشام, أطلق اليونان على القدس هذا الاسم. و منه أخذت الأمم الأوروبية "جيروسليم" "Jerusalem "
- إيليا كابتيولينا : أطلقه الإمبراطور الروماني هادريان (79–128م)على القدس, واستمرت هذه التسمية إلى أن حررها العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي.
- أوريشلم : أسم عرف به العرب القدس في جاهليتهم .
و هكذا يتبين لنا من دراستنا السابقة للآثار عن القدس الشريف أنها مدينة موجودة منذ أكثر من ألفي عام قبل ظهور اليهود على مسرح الأحداث في الشرق الأدنى القديم. وأن بناتها كانوا من العرب الكنعانيين, بنوها ليعبدوا إله السلام. كما نستنتج أيضا, أن لا اليهود القدماء الذين أصبحوا من القبائل البائدة, و لا يهود إفراز الهجمة الاستعمارية الأوروبية على بلادنا وضعوا لبنة واحدة في بناء قدسنا الشريف, وأن وجود اليهود في فلسطين, كان وجودا عابرا, شأنه شأن كل الهجمات الغربية على وطننا العربي في القديم و الحديث. وتضيف الدكتورة "كنيون" فتقول في بعض الكلام عن حفرياتها في القدس (1961–1967) "لا أثر لأية أبنية يمكن أن يقال أنها بقية مما سمي مدينة داود". وتضيف أيضا "إن الأدلة الأثرية والأدبية التي توفرت لدينا إلى الآن تشير إلى أن داود استولى على المدينة اليبوسية ثم أتخذها عاصمة له, و لكنه لم يضف إليها شيئا".

 

الآثار الإسلامية في مدينة القدس :

 

تنتشر الأماكن الإسلامية المقدسة في أنحاء مدينة القدس التي تعد من أكرم المقدسات الإسلامية, كرمها القرآن الكريم في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير). و تحدث عن القدس نبينا ورسولنا محمد صلى الله و عليه وسلم. وفي بيت المقدس أسري بالرسول الكريم و منه عرج إلى السماء. و كانت الصلاة الركن الثاني في الإسلام أعظم المنح الإلهية في الإسراء والمعراج.
و تشمل الأماكن المقدسة الإسلامية في مدينة القدس عدد كبير من المساجد التاريخية والأضرحة و أهمها :

 

1. الحرم الشريف :
و يطلق اسم الحرم الشريف على المسجد الأقصى ومسجد الصخرة وما حولهما من مساحات و منشآت حتى الأسوار, و تبلغ مساحته 141 دونما, و تقوم رقعه الحرم على جبل "موريا". و منذ القرن الخامس الميلادي بقى مكان الحرم الشريف ساحة مهملة مهجورة إلى أن جاء الخليفة عمر بن الخطاب فأمر بتنظيف الصخرة و إظهارها و أمر ببناء مسجد في مكان الحرم يتسع لثلاثة آلاف من المصلين.
و قد عاد إلى هذا المكان رونقه و أهميته حينما بنيت قبة الصخرة و المسجد الأقصى فصار الناس يزورونه من كافة الأقطار.
وللحرم عشرة أبواب مفتوحة, وأربعة مغلقة (أنظر أبواب الحرم الشريف المرفقة). و فيه عدة ممرات أنشأها الملوك و الولاة, و فيه ثمانية آبار في صحن الصخرة, وسبعة عشر في فناء الأقصى, ويجتمع الناس للوضوء حول حوض يسمونه "الكامن" أمام المسجد الأقصى, كما أن للحرم أربع مآذن عالية هي:

 

1- مئذنة باب المغاربة, أو (المنارة الفخرية).
2 – مئذنة باب السلسلة, أو (منارة المحكمة).
3 – مئذنة باب الغوانمة, أو (منارة السرايا).
4- مئذنة باب الأسباط, أو (منارة إسرائيل).
و هناك في الطرفين الأخيرين من أطراف الحرم, من الشمال و الغرب أروقة محكمة البناء. معظمها (لاسيما الغربية) من بناء المماليك, و بعضها (لاسيما الشمالية) من بناء الأيوبيين.

 

2. مسجد الصخرة :
يرجع اهتمام المسلمين بالصخرة إلى أنها المكان الذي قدم إبراهيم الخليل ولده إسماعيل عليهما السلام ذبيحا عليها, و كذلك علاقتها بقصة الإسراء والمعراج.
وتقع الصخرة نفسها تحت قبة المسجد مباشرة و طولها من الشمال إلى الجنوب حوالي 17 مترا و نصف و عرضها من الشرق إلى الغرب 13 مترا و نصف و ارتفاعها يتراوح بين متر ومترين وقد بنى مسجد الصخرة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان, ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين, و شرع البناؤون في البناء سنة 66هـ–685م وفرغوا منه سنة 72هـ– 691م. و في عام 1099م حول الصليبيون المسجد إلى كنيسة, و بنوا عليه مذبحا, و لكن صلاح الدين الأيوبي أزال هذه المعالم, و زين القبة وستر الجدران بالرخام كما أهتم بعمارة المسجد ملوك بني أيوب والمماليك والعثمانيون  ويتجلى في مسجد الصخرة جمال الهندسة العربية و الذوق العربي, و قد أجمع المؤرخون على أنه من أجمل الأبنية على وجه البسيطة, كما وصفه البعض بأنه من أجمل الآثار التي خلدها التاريخ.
قال غوستاف لوبون : "لم تكن قيمة هذا المسجد بما يثيره من ذكريات فقط, بل أنه من أهم المباني العجيبة التي شيدها الإنسان.. أنه أعظم بناء يستوقف النظر.. إن جماله و روعته مما لا يصل إليه خيال الإنسان"

 

3. المسجد الأقصى :
يقع في الجهة الجنوبية من رقعة الحرم الشريف، وعلى بعد خمسمائة متر تقريبا من مسجد الصخرة إلى الجنوب. (و كان هذا الاسم : (المسجد الأقصى) يطلق فيما مضى على الحرم القدسي كله). والذي بناه هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سنة 74ه هجري– 693م و أنه تم في زمن ابنه الوليد (86 هجري- 705م). و يبلغ طوله 88 م وعرضه 35م و يقوم على 53 عمودا من الرخام, 49 سارية مربعة الشكل.
و لما احتل الصليبيون القدس عام 1099م, جعلوا قسما منه كنيسة, و اتخذوا القسم الآخر مسكنا  لفرسان المعبد (الداوية) ومستودعا لذخائرهم, و لكن صلاح الدين الأيوبي استرد القدس منهم و أمر بإصلاح المسجد و جدد محاربه و كسا قبته بالفسيفساء, و أتى بالمنبر الخشبي ووضعه فيه.
و في داخل الأقصى جامع مستطيل يسمى جامع عمر وإيوان كبير يسمونه (مقام عزيز) وإيوان صغير جميل فيه (محراب زكريا). وأمام المسجد من الشمال رواق كبير أنشأه الملك عيسى من ملوك الأيوبيين عام 1217م, وهو مؤلف من سبع قناطر مقصورة كل واحدة منها تقابل بابا من أبواب المسجد.

 

4. جدار البراق :

 

هو حائط كبير مبنى من الحجارة الضخمة, يبلغ طوله حوالي156 قدما وارتفاعه 65 قدما, يقدسه المسلمون نظرا لعلاقته الوثيقة بقصة إسراء الرسول محمد صلى الله عليه و سلم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس, إذ تذكر الروايات أن الرسول الكريم أوقف براقه ليلة الإسراء هناك.
و يؤلف هذا المكان اليوم جزءاً من الجدار الغربي للحرم القدسي, و أقيم عنده مسجد صغير لصلاة النافلة.
و لاشك في أن أطماع الصهاينة في السيطرة على الأماكن المقدسة في القدس قديم والعمل على تهويد المدينة المقدسة.
5. الجامع العمري :
و هو الجامع الذي أقيم في المكان الذي صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما حضرته الصلاة و هو في كنيسة القيامة و طالب منه البطريرك أن يصلي في الكنيسة, فأبى لئلا يتنازع المسلمون مع المسيحيين حيث صلى عمر.
فخرج ورمى بحجر و صلى عند مرمى الحجر. فأقيم في ذلك المكان المسجد العمري الذي أصبح أحد المزارات الإسلامية المهمة في القدس.

 

أبواب الحرم القدسي :

 

للحرم القدسي عشرة أبواب كبيرة مفتوحة, و أربعة مغلقة. أما الأبواب المفتوحة
فهي:

 

1- باب الأسباط :
يقع شمالي الحرم, وفي أقصاه من الشرق. وهو قديم العهد, وإن كان مكتوبا على هذا الباب من ناحيته الشرقية من الداخل: "أمر بإنشاء هذا الباب مولانا السلطان سليمان بن سليم خلد الله ملكه بتاريخ سنة خمس وأربعين و تسعمائة هجرية" – 1538م.
ومن ناحية أخرى نقرأ هذه الكلمات مكتوبة باللغة التركية:
"مرحوم جنت مكان سلطان سليم حضرتلرينك تربتجيسى مرحوم الحاج حسن آغا", القيم على تربة ساكن الجنان المرحوم السلطان سليمان, هو الذي عمر باب الأسباط هذا, و قد عمره حسبة لله و طلبا لمرضاته.

 

2- باب حطة :
يقع شمالي الحرم بين باب الأسباط وباب شرف الأنبياء. و يعتبر من أقدم أبواب الحرم الشريف. لا نعرف في أي تاريخ أنشئ, وإن كنا نعرف أن عمارته جددت في زمن الملك المعظم شرف الدين عيسى, و كان ذلك سنة 617 هـ–1220م. يدلنا على ذلك كتابة منقوشة على الباب تقول: "جدد هذا الباب في أيام دولة السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. و ذلك في رجب من سنة سبع عشر وستمائة".

 

3- باب شرف الأنبياء :
و يقع شمالي الحرم بين باب حطة و باب الغوانمة. و يسميه المقدسيون (باب العتم)  قال مجير الدين لعله هو الباب الذي دخل منه عمر بن الخطاب يوم الفتح. و في زمن المماليك كانوا يسمونه :(باب الدويدارية) نسبة إلى المدرسة القائمة إلى جانبه وكانت تسمى المدرسة الدويدارية. وسماه المجلس الإسلامي الأعلى (باب الملك فيصل) نسبة إلى الملك فيصل بن الحسين ملك سوريا (1920) وملك العراق بعدئذ, عندما زار هذا الملك القدس و مر من هذا الباب (1930) في طريقه إلى الحرم الشريف.

 

4- باب الغوانمة :
يقع شمالي الحرم الشريف عند الزاوية الشمالية الغربية من زوايا الحرم. و يسمونه اليوم خطأ (باب الغوارنة) و الحقيقة (باب الغوانمة). سمي كذلك لأنه يؤدي إلى حارة بنى غانم. و كان يعرف قديما بباب الخليل. و قال المقدسي أنه كان في القرن الرابع للهجرة يدعى: (باب الوليد).
5- باب الناظر :
يقع غربي الحرم الشريف من الشمال. و يسمونه أيضا (باب علاء الدين البصير) ومن أسمائه أيضا (باب الحبس) لأن الخارج منه يرى السجن الذي كان على عهد الأتراك العثمانيين.  ذكره مجير الدين في الصفحة 383 من كتابه (الأنس الجليل) فقال عنه أنه باب قديم. جددت عمارته في زمن الملك المعظم عيسى (600 -1203م).إن جميع ما في داخل هذا الباب من أقبية و مبان وقفة الأمير علاء الدين آيد وغدا الركن للفقراء القادمين لزيارة القدس. في زمن الملك الظاهر بيبرس سنة 666 – 1267م.

 

6- باب الحديد :
يقع غربي الحرم الشريف و في الوسط بين باب الناظر و باب القطانين. إنه باب قديم جدد بناؤه أرغون الكاملي من رجال الملك الكامل شعبان – كان نائب الملك بالشام. و قد توفى سنة 758- 1356م. و يسمونه أيضا باب أرغون نسبة إلى مجدده أرغون (كلمة تركية أصلها فارسي و معناها الحديد).

 

7- باب القطانين :
يقع غربي الحرم الشريف باتجاه قبة الصخرة , بين الباب الحديد و باب المتوضأ جدد عمارته الأمير تنكز الناصري 737 – 1336م. وكان هذا على عهد الملك الناصر محمد بن قلاون. ذكره مجير الدين في كتابه (الأنس الجليل).

 

8- باب المتوضأ :
يقع على قيد بضع خطوات من باب القطانين إلى الجنوب, و يسمونه باب المطهرة. ذلك لأنه تقوم على مقربة منه المراحيض العامة التي يلجأ إليها المصلون من أجل طهارتهم و وضوئهم قبل الصلاة. ذكره مجير الدين فقال إنه قديم. و قد جدد عمارته علاء الدين آيد و غدا البصير, عندما عمر المتوضأ (666 – 1267 م )

 

9- باب السلسلة :
يقع غربي الحرم الشريف تجاه الدرج المؤدى إلى فناء الصخرة عند قبة النحوية. هناك في الحقيقة بابان : الجنوبي منهما مفتوح, و هو هذا الذي نسميه باب السلسلة. و الشمالي مغلق و يسمونه باب السكينة أو الباب المغلق و باب السحرة.
كان باب السلسلة قديما يعرف بباب داود عليه السلام, ذلك لأن الناس كانوا يخرجون منه إلى الشارع الكبير الذي يعرف بشارع داود.

 

10-باب المغاربة :
يقع  غربي الحرم الشريف إلى الجنوب. سمي كذلك لأنه مجاور لجامع المغاربة. و ينتهي إلى الحارة المعروفة بهذا الاسم أيضا. وكانوا يسمونه قديما باب النبي و باب البراق. هذه هي الأبواب المغلقة بابان متجاوران كبيران مغلقان في السور الشرقي للحرم : أحدهما يدعى (باب الرحمة) و الثاني (باب التوبة) و مما قاله مجير الدين أن باب ألرحمه هذا هو المذكور في القرآن الكريم عند قوله تعالى : (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و  ظاهره من قبله العذاب).

 

أطلق المسيحيون على هذين البابين الملاصقين (الباب الذهبي) هم يعتقدون أن السيد المسيح كان يدخل المدينة من تلك الناحية. و قد دخل منه في أحد الشعانين . كما إن الملك هرقل دخل المدينة من هذه الناحية, عندما أسترد القدس من الفرس.
و كذلك الباب الكائن بالسور الشرقي (باب البراق) أو (باب الجنائز) و من الناحية القبلية بابان مسدودان بين باب السلسلة و باب المغاربة.

 

الحفريات "الإسرائيلية" في مدينة القدس :

 

يبدو أن حفائر المدرسة البريطانية للآثار في مدينة القدس لم تعجب "إسرائيل" و لم تنسجم مع وجهة نظرها الخاصة, فما أن احتلت القوات "الإسرائيلية" المدينة المقدسة بتاريخ 7 يونيو 1967 حتى بدأت بطمس الحضارة العربية الإسلامية عن طريق الهدم والتدمير ومصادرة الأملاك والعقارات العربية, والقيام بأعمال الحفر والتنقيب للوصول لأهداف سياسية تخدم مأربهم و لإضفاء الصبغة اليهودية على القدس الشريف. وقد كشف عن هذه الأهداف و المآرب البروفسور بنجامين مازار الأستاذ في الجامعة العبرية عندما صرح علانية بأن الحفائر عند "حائط المبكى" (البراق) تهدف الكشف عن الطبقات الدنيا للهيكل الذي بناه الملك سليمان, و تأكيدا لأقواله نقلت جريدة "يديعوت" "الإسرائيلية" الصادرة بتاريخ 28 أكتوبر 1970 تصريحا لوزير الأديان قال فيه (إن وزارة الأديان "الإسرائيلية" تسعى إلى الوصول بعمليات الحفر التي تجريها للكشف الكامل عن "حائط المبكى" الذي يهدف إلى أعادة هذه الدرة الثمينة إلى سابق عهدها, وما أعمال الحفريات التي نلجأ إليها إلا عمليات مقدسة تهدف الكشف عن الحائط  وإزالة المباني الملاصقة له رغم كل العراقيل التي تقف في الطريق).

 

و قبل ذكر سلسلة الحفائر "الإسرائيلية" في مدينة القدس, يجب الإشارة إلى أن مثل هذه الحفائر تشكل خرقا فاضحا للمواثيق والأنظمة الدولية التي تتعلق بالمحافظة على الآثار في المناطق التي تقع تحت الاحتلال, كميثاق جنيف الدولي الرابع الصادر بتاريخ 12 أغسطس 1949, و توصيات المؤتمر الدولي المنعقد في لاهاي سنة 1945 لحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة, كما و تخالف التوصيات التي أقرها المؤتمر العام لعلماء الآثار في دورته التاسعة التي انعقدت في نيودلهي بتاريخ 5 ديسمبر 1956, و تضرب بعرض الحائط قرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة, التي دعت "إسرائيل" ضم أي جزء من الأراضي العربية المحتلة أو إحداث أي تغيير في طبيعة الأرض. و فوق هذا كله فإن مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بالحرم الشريف, و العديد من الأبنية التي تقوم عليها هي وقف إسلامي تعود للمسلمين وحدهم.
و فيما يلي سرد لأعمال الحفر و التنقيب التي تقوم  بها سلطات الاحتلال في مدينة القدس ضاربة بعرض الحائط كل الأعراف و المواثيق الدولية.

 

1 - الحفائر بجانب السور الجنوبي و الجنوبي الغربي للحرم الشريف :
تقوم بهذه الحفريات الجامعة العبرية تحت أشراف بنجامين مازار و مساعده مئير بن دوف, و بتمويل من الجامعة العبرية و جمعية الكشف "الإسرائيلية".
بدأت هذه الحفريات بتاريخ 28/2/1968 و ذكر مازار حينها بأن طول منطقة الحفريات سيبلغ 70م بعرض 10م, وأن مدة العمل ستستغرق ست سنوات. وذكرت جريدة "يديعوت" في عددها الصادر بتاريخ 5/1/1971 أن هذه الحفريات وصلت قرب الزاوية الجنوبية الغربية للحرم إلى عمق 35م.
وعندما خابت آمال المشرفين على هذه الحفريات في الكشف عن أي دليل يثبت وجود هيكلهم المزعوم, بدئوا محاولة الدخول إلى داخل الحرم عن طريق حفر أنفاق جانبية أحدها أسفل البوابة الثلاثية و آخر أسفل فتحة بالسور بارتفاع 3م و عمق 20م.
إن آخر تقرير لهذه الحفريات كان قد نشر سنة 1975, و زعم المشرفون على هذه الحفريات بأنه تم اكتشاف قطع مكتوبة من سفر أشعيا و أخرى عليها مخلوقات مجنحة (الكاروبيم), و طشت كان يتوضأ به الكاهن, بالإضافة إلى قطعة حجرية كتب عليها بالعبرية كلمة (قربان).
و لكن هذه المكتشفات تتضاءل أهميتها بالمقارنة مع اكتشاف مجموعة من الأبنية و القصور الأموية, فقد أتضح منذ ابتداء الحفر بجوار الزاوية الجنوبية الغربية لسور الحرم الشريف بأن المكشوفة التي تقع بين جدار الأقصى الجنوبي و السور العثماني كانت تضم بناية ضخمة مساحتها حوالى5,7 دونم. و باتساع رقعة الحفر كشفت بنايات أخرى لا تقل في اتساعها و أهميتها عن البناية الأولى, و كان يفصل ما بين هذه الأبنية و الحرم الشريف شارع مبلط عرضه30,4م.
يبدو من المخططات الأولية التي نشرت لهذه الأبنية بأنها  كانت تتألف من ساحة متوسطة مكشوفة يحيط بها من جميع الجهات أروقة مسقوفة مع مجموعة من القاعات والغرف حسب المخطط  المألوف في الأبنية الأموية, والذي تشاهده في خربة المفجر, و قصر المنية و قصر الحيرة الشرقي. هذه المكتشفات الهامة – بالإضافة إلى بناء قبة الصخرة و المسجد الأقصى المبارك – تؤكد بأن حركة العمران في القدس كانت قد نمت و ازدهرت في العصر الأموي.
نتيجة لهذه المكتشفات الهامة فإن هناك بعض الأسئلة التي تطرح نفسها, فمثلا ماذا كانت وظيفة هذه الأبنية و المنشآت المختلفة؟  ومتى بالضبط تم بناؤها, وما هي أوجه الشبه والخلاف بينها وبين الأبنية الأموية الأخرى المعروفة في الأردن وسوريا؟ من المحتمل أن أحد هذه الأبنية كان بمثابة "دار الأمارة" التي كانت تبنى عادة خلف المسجد أو بالقرب منه كما الحال في الكوفة و الفسطاط و القيروان, أو أنها كانت القصر الذي شيده الوليد بن عبد الملك بالقرب من المسجد الأقصى و أغلب الظن أن هذه الأبنية كان قد فرغ من بنائها أثناء خلافة الوليد, ومما يرجح هذا الاحتمال هو اكتشاف كتابة بالخط الكوفي تتألف من تسعة سطور و تحمل التاريخ 82هـ (701م). و يبدو أن هذه البنية كانت قد تهدمت بفعل الزلزال المريع الذي أصاب فلسطين سنة746 م.
إن اكتشاف هذه المنشآت و الأبنية الأموية – و التي لم تنشر إلى الآن بشكل واف ومفصل تعتبر في غاية الأهمية لما تلقيه من أضواء على العمارة الإسلامية في العصر الأموي و تحتم أعادة النظر في تاريخ بعض المعالم الملاصقة لسور الحرم و التي قال عنها "وارن" أنها من بناء القرن السادس الميلادي بينما هي تعود إلى العصر الأموي.

 

2- الحفريات المجاورة للسور الغربي للحرم الشريف:

 

تقوم بهذه الحفريات وزارة الأديان "الإسرائيلية" دون مساعدة من الجهات العلمية المتخصصة. و قد قامت المشرفة على هذه الحفريات بوضع خطة لهدم المباني التاريخية القريبة من السور للكشف عن سور الحرم الغربي, و لكن إزاء الاحتجاجات المتتالية عمدت إلى حفر نفق عميق تحت هذه المباني مما أدى إلى تصدعها. و قد بلغ طول هذا النفق 230م ممتدا من باب السلسلة إلى باب الناظر ومارا بأربعة مساجد ملاصقة لجدار الحرم و عدد من الأبنية التاريخية.
هذا وقد ذكرت جريدة "معاريف" في عددها الصادر بتاريخ 14/12/1971 أن هذه الحفريات تجري دون وقاية هندسية, الأمر الذي تسبب في تصدع جزء من "حائط المبكى" و هدد بانهيارها. و في العدد الصادر بتاريخ 28/2/1972 نقلت نفس الجريدة تصريحا لوزير الأديان قال فيه, بأن حكومته قد وافقت على مخطط الحفر للكشف عن "حائط المبكى" على طول امتداده, وأنها رصدت مبلغ مليون ليرة "إسرائيلية" في ميزانيتها لهذه السنة و أن وزارته تبعا لذلك ستستمر بالعمل للكشف عن هذا الحائط كاملا و يأمل أن تنتهي وزارته من هذا العمل خلال سنة واحدة. شرعت وزارة الأديان القيام بحفريات أخرى قرب الطرف الشمالي من حائط البراق, وتناولت هذه الحفريات الدهاليز والأقبية الموجودة أسفل المحكمة الشرعية الإسلامية مما نتج عنه تهديد أساسات المبنى و تصدع أبنية أخرى مجاورة.
نتيجة لهذه الحفريات هدمت العديد من الأبنية و المنشآت الإسلامية من بينها مسجد البراق الملاصق لـ"حائط المبكى" في حي المغاربة. و زاوية أبو السعود التي تقع داخل الحرم الشريف تحت مئذنة باب الغوانمة, الزاوية الفخرية, المكتبة الخالدية, المدرسة الجوهرية, رباط الكرد, زاوية أبو مدين الغوث, كما باتت العديد من المنشآت مهددة بالتصدع منها حي باب السلسلة, حي باب الناظر, ضريح الملك حسين, جامعة المدرسة العثمانية, جامع الخليلي, زاوية ومئذنة قايتباي, وسوق القطانين – أقدم أسواق القدس العربية.

 

3 – حفريات قلعة القدس :

 

جرت هذه الحفريات بتمويل من دائرة المتاحف و الجامعة العبرية خلال سنتي 1968, 1969 تحت إشراف كل من اميران وايتان.

 

4 – حفريات الحي اليهودي :

 

بدأت هذه الحفريات سنة 1969 تحت إشراف هيئة إعادة أعمار الحي اليهودي بالتعاون مع معهد الآثار بالجامعة العبرية و دائرة الآثار و المتاحف "الإسرائيلية" وجمعية الكشف "الإسرائيلية", والهدف من هذه الحفريات ليس البحث العلمي, بل إجلاء السكان العرب ليحل محلهم مهاجرون جدد تحت ستار البحث و التنقيب العلمي.

 

5- الحفريات الأثرية في الجانب الشرقي من الحرم الشريف :

 

موقع ملاصق لباب السيدة مريم العذراء (باب الأسباط) وقرب مدخل مقبرة باب الرحمة الإسلامية. و قد أوردت خبر هذه الحفريات جريدة معاريف "الإسرائيلية"
في عددها الصادر بتاريخ 27/11/1974.

 

6- الحفريات في حي الأرمن :
قامت "السلطات الإسرائيلية" بالحفر في حديقة الأرمن جنوبي قلعة القدس, و في ساحة دير الأرمن و ذلك في سنتي 1971, 1972.

 

7 – حفر مجموعة من القبور الرومانية و البيزنطية على  جبل المكبر

 

(سكوبس) :
نقلت جريدة "الفجر" المقدسية و الصادرة بتاريخ 5/7/1979 عن جريدة دافار "الإسرائيلية" قولها أن الحفريات في المنطقة الواقعة جنوب السور الجنوبي للقدس القديمة قد استؤنفت, و نسبت دافار إلى المشرف على هذه الحفريات قوله : أن بعثته ستحاول خلال هذا الموسم التسلل إلى داخل نفق محفور بالصخر قرب نبع جيحون, وأنه يأمل أن تتمكن بعثته من حل سر بقايا مبنى اكتشف بالقرب من باب النبي داود.

 

 نشرت الجيروزاليم بوست في عددها الصادر بتاريخ 29 / 8/ 1979 مقال عن الحفريات التي أجراها "بيغال شيلوح" و فيه ورد على لسان شيلوح قوله : إن من أهداف تنقيباته التي ستستمر لعدة سنوات هو الكشف عن بقايا مدينة داود و سليمان و التي لم يظهر منها إلى الآن أي أثر.
إن نظرة فاحصة على الحفريات الأثرية "الإسرائيلية" واختيار مواقعها, توضح بأن المخطط "الإسرائيلي" يرمي إلى الاستيلاء و طمس الأبنية و العقارات الإسلامية الدينية والحضارية والسكنية المحيطة بالحرم القدسي الشريف, كمرحلة أولى للاستيلاء على الحرم نفسه.
و هذا فعلا ما أشار إليه رئيس الحاخامين اسحق نسيم في نداء وجهة نظر إلى وزير العدل "الإسرائيلي" و نشرته جريدة هاآرتس في عددها بتاريخ 27/2/1972 و جاء فيه: (ما نريده هو تنظيف المنطقة (أي منطقة الحرم الشريف) من جميع المباني القديمة التي ألصقت بقصد و إصرار و بقرار و موافقة القضاة و رؤساء الدين الإسلامي المتعاقبين, إلى الحجارة المتبقية من هيكلنا بغية تحقيره و إخفائه).

 

ولكن ما هي حقيقة النفق : أدى الاعتقاد السائد لرجال الآثار و المؤرخين اليهود بأن أسوار الحرم القدسي الشريف هي جدران هيكل اليهود المدمر إلى قيامهم بعدد لا يحصى من الخروقات لحرمات المسلمين, كان أولها هدم حارة إسلامية قديمة استقرت في الجهة الجنوبية الغربية من الحرم القدسي الشريف قطنتها جاليات إسلامية جاءت من المغرب العربي على مر العصور لتجاور الحرم القدسي ألا و هي "حارة المغاربة" كان ذلك بعد حرب حزيران 1967 مباشرة بزعم توسيع الساحة الملاصقة لحائط البراق (المبكى) و قد تمت عملية ترحيل السكان و هدم الحي الإسلامي التاريخي بعد أن انتهت المعارك مباشرة حيث كان العالم العربي و الإسلامي مصعوقا بالهزيمة التي لحقت به في تلك الحرب.
لم تكن سياسة هدم المعالم الإسلامية بحثا عن جدران الهيكل المزعوم ممكنة بعد ذلك. فما حدث في حارة المغاربة و الزاوية الفخرية, أصبح من الصعب تكراره حول أسوار القدس. فاتجه البحث إلى سور الحرم الجنوبي المحاذي للمسجد الأقصى حيث لا يوجد مباني إسلامية حديثة, و هناك أطلقت "إسرائيل" أيدي رجال آثارها في البحث و التنقيب متجاهلة أصوات الاحتجاج و الصرخات التي كانت تطلق من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس و الحكومات العربية و الإسلامية في العالم مهددة بهذه الحفريات أسس المسجد الأقصى. و قد عثرت خلال البحث عن الكثير من الآثار الإسلامية ومن بينها بقايا قصر أموي, لكنها قامت بالتعتيم على هذه المكتشفات لتستمر في النغمة المعهودة "بقايا الهيكل" حتى أن رجال الآثار "الإسرائيليين" زعموا أن حجارة القصر الأموي هي حجارة الهيكل التي أعاد الأمويون استخدامها لبناء قصرهم عليه, وأوقفوا مشروعا كان قد طرح بإبراز معلم إسلامي تم الكشف عنه أثناء التنقيب.

 

الحائط الغربي للحرم :  بعد الانتهاء تقريبا من أعمال الحفر في الجهة الجنوبية, اتجهت أنظار رجال الآثار "الإسرائيليين" في مطلع الثمانينيات نحو الحائط الغربي للحرم الشريف, و لكي أكون أكثر دقة شمالي الحائط الغربي, لكن الصروح الإسلامية التي بنيت على مر العصور و من بينها المدارس الإسلامية التي خرجت علماء و مشاهير في الدراسات الإسلامية في القرون الوسطى وقفت حائلا بينهم وبين هدفهم هذا, فقد كانت متاخمة للحائط و كان هدمها يعني  نشوب أزمة سياسية بين "إسرائيل" و العالم الإسلامي, خاصة وأن سياسة الانفراج كانت تلوح بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر و "إسرائيل", كان على رجال الآثار "الإسرائيليين" الساعين إلى التأكيد على أن كل ما يتعلق بالحرم القدسي هو من بقايا هيكلهم أن يبحثوا عن حيلة تخرجهم من هذا المأزق الصعب, و لم تخنهم الحيلة فإذا كانت أعمال الهدم و التنقيب مستحيلة فوق سطح الأرض فهناك ما يمكن عمله تحت سطح الأرض بسرية, و رؤية  و دون ضجة إعلامية أو إثارة للمشاعر, فكل ما يدور هناك يتم في الخفاء و المخرج من ساحة حائط المبكي حيث لا يوجد للمسلمين سلطة و لا سيطرة و لا قدرة على مراقبة ما يجري.

 

قررت وزارة الأديان "الإسرائيلية" الكشف عن سور الحرم القدسي الشريف الغربي و البالغ طوله 488 مترا, وعليه بدأت في حفر نفق ضيق ومنخفض 1×2 مترا وقد تمت أعمال الحفر تحت مبان إسلامية بنيت في القرون الوسطى حيث اخترق النفق أساسات هذه المباني. و لم تكن المناطق التي تم حفر النفق من خلالها معروفة من قبل, حيث كشف النفق عن أساسات السور الغربي التي كانت مبنية على النمط الروماني.
يقول المؤرخون "الإسرائيليون" أن شارعا رومانيا كان يمتد من الجهة الجنوبية بمحاذاة الحرم نحو شمال الحائط, و قد تم دمج جزء من هذا الشارع الروماني بالنفق الذي يتجه شمالا بصورة تصاعدية حيث يبدأ مدخله بالهبوط ببعض الدرجات باتجاه الشارع الروماني إلى أن يصل في مرحلة أخرى إلى الصخور التي بني عليها سور الحرم الشريف, وفي نقطة معينة تنتهي كافة الحفريات القديمة بما فيها أسس المعالم الإسلامية وأجزاء الشارع الروماني. وهناك قام "الإسرائيليون" بإكمال الحفر بالصخر لكي يبلغوا هدفهم وهو نهاية سور الحرم القدسي الشريف الغربي المتجه من الجنوب نحو الشمال. و لم يستغرق حفرهم بالصخر باتجاه الشمال طويلا حيث اعترضتهم قناة مياه قديمة كانت تقوم بنقل مياه الأمطار من مجمع يصب في منطقة باب العمود إلى داخل القدس القديمة.

 

و رغم أن "الإسرائيليين" سارعوا بتسمية هذا الجزء من القناة التي تم اكتشافها باسم قناة أو نفق الحشمونائيم (و هي فئة يهودية دينيا عاشت في منتصف القرن الثاني قبل ميلاد المسيح, و يعتقد المؤرخون اليهود أنهم هم الذين قاموا بنقل المياه إلى الهيكل عن طريق هذه القناة. إلا أنه من  غير المؤكد ما إذا كانت هذه القناة حقا من صنع الحشمونائيم أم من صنع حكام آخرين حكموا القدس خاصة و أن أزمة المياه في القدس و سبل معالجتها قضية عاصرت المدينة منذ أقدم العصور, و سعى كل من حكمها إلى حفر الأنفاق لتزويدها بالمياه لحل هذه المشكلة كما سبق إيضاحه منذ العصر الكنعاني اليبوسي). المرحلة النهائية في النفق هو إذن حفر حديث كذلك كان الهدف منه إيجاد مخرج شمالي للنفق.

 

و لكن ماذا قالت الأوساط العلمية و السياسية عن هذا النفق؟

 

قال شمعون بيريز رئيس وزراء "إسرائيل" السابق في مقابلة مع التلفاز "الإسرائيلي" القناة الثانية بعد أحداث النفق مباشرة :" إن جزءاً لا يستهان من هذا النفق لا توجد له أية قيمة تاريخية لأننا نحن الذين قمنا بحفرة". و السؤال : هل حقا القيمة التاريخية أو الأهمية السياحية كان وراء فتح النفق؟ بالنسبة للقيمة التاريخية فأنها تصب في مصب واحد هو تأكيد (يهودية القدس), رغم أن النفق مر في حضارات عريقة على طول امتداده على مدى 100 متر , العربية و الإسلامية و الرومانية و حتى بعض المواقع التي خلفها الصليبيون.

 

و في النهاية كل ما تم تأكيده يبرز من اسم النفق (نفق الحشمونائيم) وكأنه لم تمر في القدس حضارة سوى تلك التي كانت في الحكم اليهودي القديم الطارئ للمدينة, أما بالنسبة للقيمة السياحية فقد مر في هذا النفق مئات الآلاف من السائحين.
وتبقى قضية واحدة تأكيد السيادة "الإسرائيلية" على مدينة القدس, حيث قال وزير الأمن الداخلي في حينه موشيه شاحل "إن فتح النفق يعني تأكيد سيادتنا على (جبل الهيكل)".

 

في حين ذكرت صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 18 أكتوبر 1996م القول "أكد القادمون من القدس أن السلطات "الإسرائيلية" تستخدم في أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى و الأبنية المجاورة آلات خاصة تطلق اهتزازات صوتية بقصد خلخلة أسس المسجد و تفكيك أركانه المتماسكة بقصد أن يتداعى بناء المسجد من تلقاء نفسه بعد مدة من الزمن طالت أو قصرت, و ذكروا أن هذه العملية الإلية تفسير تصريحات بعض الزعماء "الإسرائيليين" بأن المسجد الأقصى قد يتهدم تلقائيا بفعل زلزال يتعرض له.

 

ما نشرت بتاريخ 17 أغسطس 1972 تقريرا للدكتورة كاثلين كنيون بعنوان (حفر الأنفاق في القدس) فتقول :
"في يونيو ذكر في عدد من الصحف أن السلطات الدينية منهمكة في إقامة أنفاق على طول الحائط الغربي للحرم الشريف في القدس لقد عدت لتوي من القدس و أستطيع إن أؤكد أن التقارير غير مبالغ فيها". و هدف هذه الإنفاق هو تسهيل الدخول على طول الحائط الغربي, و الجزء الجنوبي من هذا السور المجاور لحائط البراق.

الحقوق العربية في مدينة القدس
بانتفاء مزاعم أسانيد السيادة اليهودية
منذ فجر التاريخ كانت مدينة القدس. وكان معها الإيمان والصراع. طمعت فيها كثير من الأمم والشعوب. ومع ذلك تبرز حقيقة أجمع عليها المؤرخون والأثريون، أنها أرض عربية، تقدسها أمة عربية، عاشت فوق قممها، منذ نشأتها الأولى، في نهاية الألف الرابع للميلاد، علي يد القبائل العربية التي وفدت من شبه الجزيرة العربية، والمعروفة بالهجرات الكنعانية. استنادا إلى الحفائر الأثرية في العديد من المواقع الأثرية، التي تم الكشف عنها في مدينة القدس، وغيرها من المدن الفلسطينية، وما أشارت إليه المصادر المصرية، والعراقية القديمة.

 

وعندما أسست بريطانيا صندوق اكتشاف فلسطينPalestine exploration fund  منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، أنيطت به مهمة القيام بأعمال التنقيب الأثرية، والكشف عما حوته تلك البلاد من آثار، تدعم الفهم الأوروبي السائد عن تاريخها. قام الصندوق بسلسلة من الحفائر الأثرية في العديد من المدن الفلسطينية بشكل عام، وبالقدس بشكل خاص، بهدف إثبات شيء واحد، هو صحة تأويل القائمين عليها لما جاء في التوراة. فقد ظلت أسطورة غزو بني "إسرائيل" لمدن فلسطين التاريخية، واستيلائهم عليها، بعد هزيمة ممالك المدن الكنعانية، حقيقة لا تقبل الجدل- استنادا إلى الرواية التوراتية في أسفار يشوع- وكانت مدينة أريحا، من المواقع الأولى التي بدأت فيها أعمال التنقيب الأثري، وهي المدينة التي ذكر"سفر يشوع" (الإصحاح السادس) إن أسوارها سقطت عندما هتف بنو "إسرائيل"، وهم يدورون حولها، واستولوا عليها دون قتال.
وكان هدف الباحثين الحصول على الدليل الأثري، لإثبات صحة ما جاء في سفر يشوع. وأن علم الآثار لا يحفل بالتفسيرات المقترحة، ولا بالمصادر النصية اللاحقة، وإنما يهتم بالدليل والبرهان.

 

ومن نتائج التنقيب الأثري، التي قامت بها عالمة الآثار البريطانية الدكتورة كاثلين كنيون، بين عام 1952، 1958م في مدينة أريحا لم يكن لها أسوار في عصر يشوع، وإن الأسوار الكنعانية لم تتم إعادة بناؤها، بعد أن دمرها أمير طيبة أحمس، بحرب التحرير ضد الهكسوس، حيث كانت مركزا للأمراء الهكسوس في منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد. بل إن المدينة ذاتها كانت مهجورة، لا يسكنها أحد في ذلك الوقت.
وفي هذا الصدد تقول"كنيون" لا شك في حاجتها إلى الآثار للتدليل علي صحة التوراة، ولكن الحاجة تنشأ للمساعدة في إيضاح صحة التوراة، التي لا يمكن بسبب طبيعة مصادرها أن تقرأ كسجل موثوق. وهكذا جاءت نتائج الحفائر الأثرية في كل المواقع الفلسطينية الأخرى، التي تم الكشف عنها حتى الآن، لتؤكد النتيجة نفسها.

 

ومن ضمن المزاعم التي ادعى أولئك الأثريون التوصل اليها أن المسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة المشرفة أقيما على أنقاض هيكل سليمان. كما حدد أولئك الأثريون منطقة تقع جنوب مدينة القدس القديمة داخل الأسوار، وذكروا أنها القسم الأقدم من المدينة، و الذي يجب البحث فيه عن مدينة داود.(سفر صموئيل الثاني 5 ، 8).
وبدأ البحث عن مدينة داود عام 1961م ، وتحت إشراف كنيون التي تحدت كثيرا من المفاهيم التي كانت سائدة. وتشير في معرض الحديث عن حفائرها في القدس "أنه لا أثر لأية أبنية يمكن أن يقال أنها بقية مما سمي مدينة داود".

 

و بلغة كنيون حرفيا "إن الأدلة الأثرية والأدبية التي توافرت لدينا إلى الآن، وتشير إلي أن داود استولى علي المدينة اليبوسية(الكنعانية) ثم اتخذها عاصمة له، ولكنه لم يضف إليها شيئا". وتضيف كنيون بلغة حانية، كأنها اعتذارا عن أن نتائج الحفائر لم تلب شيئا من المطلوب، وهو العثور على آثار من عهد داود وسليمان فتقول "وقد يبدو مخيبا للآمال أن لا تكشف الحفائر عن أي أثر لأبنية من مدينة داود"، ثم تؤكد أيضا بأنه لم يبق أي أثر لأي بناء من عهد سليمان. وتضيف "إن مملكة إسرائيل المتحدة لم تعش أكثر من ثلاثة أرباع القرن. وكانت هذه الفترة الوحيدة التي ظهر فيها اليهود بمظهر القوة السياسية، و قد سجلت مآثر هذه الفترة في التوراة تسجيل عزيز منتصر، أثرت على الفكر والمطامح اليهودية تأثيرا عميقا، ومع ذلك فإن الدليل الأثري على وقائع هذه الفترة هزيل إلى أبعد حدود الهزال".

 

كما قامت الأثرية الهولندية "مارجريت شتاينر" بمتابعة نتائج تنقيبات أبحاث كنيون في شرقي القدس. ونشرت في الدوريات المتخصصة ملخصا لما وصلت إليه من أعمال كان له وقع القنبلة على الأثريين "الإسرائيليين" منهم والغربيين المتعصبين، تقول "إن مدينة داود /اورشليم لم تكن مأهولة في القرن العاشر قبل الميلاد، و إن أقدم آثار عثر عليها تعود إلى نهايات القرن التاسع قبل الميلاد، هذا على أقدم تقدير"، لقد أثارت كتابات مارجريت الكثير من اللغط، إلى حد الهجوم الشخصي. لكن هذا لم يفلح في إجبارها على التراجع، حيث أكدت تمسكها بما وصلت إليه من نتائج، أن ما طرحته ليس رؤيا وإنما حقيقة علمية من غير الممكن التراجع عنها. كما توضح أن كثيرا مما نشر حتى الآن عن تاريخ القدس القديم بحاجة ماسة إلى إعادة نظر كاملة وشاملة.

 

هذا يعني ضرورة اعتبار النصوص الكتابية ذات الصلة نصوصا أدبية أو إعادة النظر في التأويلات السائدة لتلك النصوص، أو كلا الأمرين.
ومع كل هذا نرى اليوم سلطات الاحتلال الصهيوني تبحث عن مكان الهيكل على مرتفعات القدس، ويلحون بخاصة على المرتفع الإسلامي فوق جبل موريا(ساحة الحرم الشريف). ومع ذلك فإن جميع الحفائر الأثرية، بما فيها المدارس اليهودية، لم تعثر له على بقية.
و تذكر دائرة المعارف البريطانية أنه ليس من المؤكد أن الهيكل كان في حرم المسجد الأقصى، خاصة وأن تيطس عندما هدم المدينة سنة(70) ميلادية لم يترك شيئا قائما فيها، وطمس سائر معالمها، فالبحث عنه إذن عبث في عبث، حتى ولو كان مكانه في ساحة الحرم ..... وكان أمر قيصر الصادر لتيطس أن المدينة كلها والهيكل يجب أن يدمروا، خلا الأبراج العليا من السور، والقسم المحيط منه بغربي المدينة، وما عدا ذلك لم يترك منه ومن المدينة ما يشير لمن جاء من بعد إلى المدينة كانت معمورة من قبل إطلاقا. (تم العثور على قطعة نقدية رومانية صكت بمناسبة مرور عام علي تأسيس المدينة الجديدة، كتب عليها اسم المدينة"ايليا كابيتولينا" ورسم عليها المحراث إشارة إلى التقليد الروماني الذي كان يعمل به، والذي يقضي بحراثة المكان الذي سيتم فيه بناء معبد لآلهتهم لتطهيره.

 

وعلى أية حال: سواء أقامت في فلسطين مملكة بني إسرائيل أم لم تقم، وسواء أكانت القدس قائمة ومأهولة في القرن العاشر قبل الميلاد أم لم تكن، فإن هذا كله لا يغير من الحقيقة شيئا... من حقيقة أن الكيان الصهيوني قام على أنقاض حقوق الأمة العربية في فلسطين والقدس، والتي اكتسبها من توطنها في تلك البلاد على مدى أكثر من أربعين قرنا، وجعلتها مركزا للإشعاع الحضاري إلى العالم، بينما لم يقدم الكيان الصهيوني، ومنذ بدايات تواجده في فلسطين، منتصف القرن الماضي، أي إضافة حضارية، وككل ما عرفته المنطقة خلال وجوده هو الموت والدمار والخراب.
أما حائط البراق، والذي يدعي اليهود بأنه جزء من حائط هيرودس (حرد العربي 73-4 ق.م)والذي يسميه اليهود (حائط المبكى) هو جزء من الحائط الغربي الحالي للحرم القدسي. نظرت في موضوعه لجنة دولية عام 1930 م وانتهى تحقيقها بتقرير رفعته إلى عصبة الأمم، والتي جعلته قرارا أوصت بتنفيذه. ونص القرار"للمسلمين وحدهم، تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفا حسب الشرع الإسلامي لجهات البر والخير".

 

هذا القرار التاريخي صريح في إثبات الحق للمسلمين وحدهم ونفي دعوى اليهود نفيا قاطعا.
و لكن... متى كان اليهود ينصاعون لكلمة الحق؟ فالحق عندهم القوة، و تجاهلوا قرار عصبة الأمم استكبروا عليه، كما عصوا قرارات مجلس الأمن و الأمم المتحدة.
من جهة أخرى : فإن العرب المسلمون لم يتسلموا مدينة القدس من بني إسرائيل، وإنما من الروم البيزنطيين الذين امتد نفوذهم في ذلك الوقت إلى سوريا وفلسطين
وأخيرا: نتيجة انتفاء مزاعم وأسانيد السيادة اليهودية على مدينة القدس، يعني بالضرورة ثبوت السادة والحقوق العربية على المدينة، وفقا للواقع التاريخي.

 

وبالتالي لا يترتب على الاحتلال العسكري نقل السيادة، كما أن إجراءات الضم و التهويد للمدينة المقدسة التي قامت بها سلطات الاحتلال تفتقر إلى شرعية عملية الضم، وتتعارض مع أحكام القانون الدولي العام والمواثيق والمعاهدات والقرارات الدولية. بل هي القوة والقهر والاستيطان.
وإذا كان وزر ما وقع من ظلم على أهل فلسطين والقدس والعرب، واقعا على بريطانيا عندما كانت عظمى. فقد شارك في هذا الدور حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أمعنت في تأييد الصهيونية الظالمة، وإمدادها بكل أسباب الظلم والحياة، وأسرفت في ظلم الفلسطينيين، ظلما لم تعرف البشرية مثله في تاريخها الطويل، وانساقت معها دول أخرى في منهجها.

 

والله المستعان على ما يصفون.

 
قائمة المصادر و المراجع

 

أولا : قائمة المصادر و المراجع العربية :
• القران الكريم.
• الكتاب المقدس (العهد القديم-الجديد) دار الكتاب المقدس في العالم العربي.
• أسامة الحلبي :الوضع القانوني لمدينة القدس و مواطنيها العرب  م.ت.ف / القاهرة 1997.
• رشيد سالم الناضوري : تصدير درجة الماجستير للباحث,الإسكندرية 1984.
• روحي الخطيب (أمين القدس) تهويد القدس, عمان,  1982
• سالم الكسواني : المركز القانوني لمدينة القدس, عمان 1977.
• سليم الزعنون : (ديوان شعر) "يا أمة القدس" المؤسسة العربية للدراسات  و النشر, عمان, 1995.
• عارف العارف : تاريخ القدس 1951.
• عارف العارف : تاريخ قبة الصخرة المشرفة و المسجد الأقصى المبارك / القدس1955
• على سعيد بدران : واقع القدس الراهن و البدائل "الإسرائيلية", مكتب الإعلام و العلاقات الخارجية, فتح, القاهرة, 1977 .
• وليد الخالدي : الحق العربي في "حائط المبكى" في القدس, منشورات, مؤسسة الدراسات الفلسطينية, بيروت, 1968.
ثانيا : المصادر و المراجع المعربة :
• الديانة اليهودية و تاريخ اليهود, وطأة3000 عام, ترجمة رضا سليمان, مراجعة مريم بري, الطبعة الثالثة ,بيروت 1997.
• سالوموني شيكول : "أبواب القدس" تحقيق فيكتور سحاب, مركز الأبحاث الفلسطيني, بيروت, (بدون تاريخ).
ثالثا : المصادر و المراجع الاجنبية :
• Albright.W.F: The Archaeology of Palestine, Lebanon, 1977.
• Alkatib .Rawhi :The judiazation of  Jerusalem , Amman , 1979
• Antreassian .A: The Timeless Holy land, 2 nd Jerusalem, 1979.
• APEF1V : Excavations on the hill of ophel , Jerusalem , 1923-5
• McAlester. R.A.S. and Duncan J.g, 1926.
• Kenyon M.K.: Amorites and Cannanites, London, 1960.
• Kenyon M.K.: Archaeology in The Holy land, London, 1979.
• Kenyon M.K: Digging up Jericho, London, 1957.
• Kenyon M.K.: Jerusalem ,excavating 3000 years of history , London , 1967
• Kenyon M.K.: Digging up Jerusalem, Oxford. 1973 , The committee of Palestine
Exploration Fund
رابعا : قائمة النشرات و الدوريات و الصحف و الانترنت و التقارير
تقارير دائرة الآثار الأردنية.-
مجلة الآثار 5-6.-
بيان مجمع البحوث الإسلامية بشأن جريمة حرق المسجد الأقصى المبارك. 24/9/1969-
مجلة القدس الشريف, أمانة القدس, عمان الأردن, إعداد مختلفة.-
وثائق مركز المعلومات البديلة الواردة في نشرات بيت الشرق.-

                                                                            

 * شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الثالثة من المؤتمر والذي تناول المحور التاريخي لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »