القدس العثمانية بين الحملتين

تاريخ الإضافة الخميس 27 تشرين الثاني 2008 - 11:53 ص    عدد الزيارات 22384    التعليقات 0

        


القدس العثمانية بين حملتين

 

أولاً : الزمان

 

نعمت بلاد الشام عامة والقدس ونواحيها خاصة بفترة طويلة من الازدهار والاستقرار بعد أن صارت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وكان عهد السلطان العثماني سليمان القانوني (1520-1566) بمثابة العصر الذهبي لتلك الإمبراطورية فانعكس ذلك على شرق أوربا مروراً بالمشرق العربي وعلى الرغم من التحولات الكثيرة التي طرأت على أوضاع الدولة العثمانية منذ أواخر القرن السادس عشر وخلال القرن الذي يليه فإن سكان المنطقة العربية ظلوا ينعمون بنوع من الاستقرار و بعيداً عن أوربا التي أدت إلى بداية تراجع حدود الدولة بدلاً من استمرار توسعها مع نهاية القرن السابع عشر (معاهدة كارلوفيتز مثلاً سنة 1699م) فإن في منطقة بلاد الشام نخب محلية صارت تؤدي دوراً مهماً في إدارة الولايات حتى أصبحت تتحدى أحياناً السلطة (نشوء حكم الزيادنة  في الجليل) حيث تحدى ظاهر العمر الزيداني في الربع الثالث من القرن الثامن عشر أوامر الدولة وحكامها المجاورين لمعقله وعاصمة حكمه في عكا وعلى جبهات القتال واجهت الإمبراطورية العثمانية تحديات أوسع خلال القرن الثامن عشر نقلتها من موقع الهجوم إلى خندق الدفاع غير الناجح في مواجهة أعدائها فقد تقدمت جيوش روسيا القيصرية من جهة وجيوش الإمبراطورية النمساوية الهنغارية الهابسبورغية من جهة أخرى ودحرت الجيوش العثمانية واحتلت مناطق جديدة  كانت تابعة للعثمانيين وعلى الرغم من أهمية الأحداث وانعكاساتها على أحوال الإمبراطورية عامة بما فيها البلاد العربية فإن تلك الأخطار ظلت بعيدة عنها جغرافياً حتى أواخر القرن الثامن عشر،

 

 وما شغل السلطات العثمانية في المنطقة العربية كان ازدياد نفوذ النخب المحلية وتحديها الإدارة العثمانية سياسياً وعسكرياً إلى درجة الاضطرار إلى إرسال جيوش الدولة لمحاربتها من حين إلى آخر أما أبرز مثال في بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة فكان ائتلاف ظاهر العمر حاكم الجليل مع علي بك حاكم مصر وخروجهما معاً لاحتلال المنطقة من أيدي العثمانيين  كان لتحالف علي بك الكبير مع ظاهر عمر الزيداني وخروج جيوشهما معاً لاحتلال دمشق وبقية نواحي الشام أثر كبير في زعزعة كيان الإدارة العثمانية في هذه المناطق ففي تلك الأيام كانت الدولة العثمانية تواجه تحديات خارجية صعبة للغاية حين قرر هذان الحاكمان عصيان السلطان وأوامره ففي تموز /يوليو1770 هزم الأسطول العثماني أمام الروسي في البحر الأبيض المتوسط وحصلا على تعهد منه بأن يقوم بمساعدتهما إذا اقتضت الضرورة لكن حلم علي بك الكبير كان أن يعيد حكم المماليك في مصر وبلاد الشام فاستعان بظاهر العمر على تحقيق هذا الحلم وكان على استعداد لقبول مساعدة روسيا القيصرية وأسطولها في سبيل ذلك وقد خرجت جيوش علي بك يقوداها محمد بك أبو الذهب في اتجاه بلاد الشام أواخر سنة 1770/ فلم تلق مقاومة تذكر في فلسطين والتقت جيوش حاكم عكا وحلفائه ثم زحفت إلى دمشق واحتلتها في حزيران/يونيو1771. وتفصيلات هذه الحملة ثم خروج أبو الذهب من دمشق وعودته إلى مصر ومحاربته لسيده على بك الكبير وتغلبه عليه الأمر الذي أحرج موقف ظاهر العمر وحلفائه معروفة لا يتسع المجال هنا للخوض فيها وأهمية ذكر هذه الحملة هي للتدليل على ازدياد المخاطر الداخلية على استمرار الحكم العثماني في المنطقة واستقراره.
 وبعد مدة طلبت الدولة العثمانية من محمد بك أبو الذهب أن يخرج بجيشه مرة أخرى إلى المنطقة من أجل القضاء على حكم  ظاهر العمر هذه المرة فوافق أبو الذهب على طلب السلطان وخرج على رأس جيش كبير في نيسان1775، لتنفيذ المهمة التي ألقيت على عاتقه هكذا تحولت مناطق الساحل الفلسطيني مرة أخرى خلال أقل من خمسة أعوام إلى ساحة معارك وعبور قوات عسكرية كبيرة لم تشهد البلاد مثلها منذ مدة طويلة مرض أبو الذهب فجأة قبل وصوله إلى عكا وتوفي في حزيران1775، فنجا ظاهر العمر وحكمه إلى حين  وعادت الجيوش المصرية إلى بلادها لكن الدولة العثمانية كانت مصممة على التخلص من ظاهر العمر فاستمرت قواتها البرية بالتعاون مع الأسطول العثماني في محاصرة عكا حتى سقوطها بعد مقتل حاكمها ظاهر العمر بعد شهرين من موت أبو الذهب وبعد ذلك بمدة وجيزة عينت الدولة أحمد باشا الجزار على ولاية صيدا كلها.

 

 كان القضاء على ظاهر العمر في عكا بداية النهاية السريعة لحكم الزيادنة في الجليل وبداية حكم الجزار الذي  استمر نحو ثلاثة عقود (1775-1804) وعلى الرغم من أن الجزار عين حاكماً على ولاية صيدا رسمياً فإنه حكم حكماًَ شديد المركزية أعاد الاستقرار إلى المنطقة بنسبة كبيرة لكن بثمن باهظ من البطش والظلم دفع ثمنه الأهالي الذين اعتادوا المشاركة والتعاون مع الزيادنة وخصوصاً في منطقة الجليل أما من وجهة نظر الدولة العثمانية فما قام به الجزار من قضاء على الزيادنة وإعادة قبضة الحكم على المنطقة كان دليلاً على أن تحديات النخب المحلية المشاركة في إدارة الولايات لا تهدد مهما عظمت استمرار حكم السلطان أو شرعيته.

 

كان في إمكان العثمانيين إذا أن يتجاوزوا بارتياح مرحلة انتهاء القرن الثاني عشر الهجري وقرب انتهاء القرن الثامن عشر الميلادي لولا خروج نابليون بحملته على مصر سنة 1789، وقد كانت هذه الحملة الأوربية بعكس مثيلاتها في البلقان وعلى الحدود الروسية موجهة إلى قلب العالم العربي الإسلامي لا إلى أطرف الإمبراطورية فمصر وبلاد الشام لم تشهدا غزواً أوربياً منذ أن استولى المماليك على آخر المعاقل الصليبية في القرن الثالث عشر الهجري لذا لم يكن غريباً أن تعيد الحملة الفرنسية إلى أذهان العثمانيين والسكان المحليين ذكرى غزوات الفرنجة وتجدد الصراع معهم بشأن حكم البلاد المقدسة وما حولها فعدا أهمية الحدث نفسه عكست ردات الفعل الأولية على حملة نابليون مدى المفاجأة وعدم توقع مثل هذه الحملة بعد استتباب الحكم الإسلامي في هذه المنطقة أكثر  من خمسة قرون، عبر المؤرخ المصري المعاصر عبد الرحمن الجبرتي عن الهزة العميقة التي أحدثتها هذه الحملة وتداعياتها أصدق تعبير استهل تأريخه لسنة 1213هـ/1798-1799م، بقوله "وهي أولى سني الملاحم العظمية والحوادث الجسمية والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وتراشق الأمور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال وفساد التدبير وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الأسباب وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها صالحون هذه أوصاف ومصطلحات تليق بطوفان أو ببركان لا بغزو عسكري واحتلال أجنبي للبلاد المصرية استمر ثلاثة أعوام".

 

 لقد حركت الحملة الفرنسية مشاعر هذا المؤرخ العالم وهزت أركان إيمانه بشكل جعله يعبر عن عمق الصدمة التي تركتها تلك الحملة ولا سيما في أوساط النخب السياسية والدينية والثقافية وإذا كان الجبرتي عبر عن صدمة النخب المصرية جراء هذا الحدث فإن سجلات المحكمة الشرعية في القدس حفظت عشرات الوثائق التي عبرت عن مشاعر العثمانيين ومواقفهم من الحملة الفرنسية عند وصولها إلى الأراضي المصرية وبعد خروجها من هناك لغزو فلسطين سنة 1799 وإحدى تلك الوثائق رسالة محضر من أهالي مصر إلى أهالي القدس بشأن الحملة الفرنسية يشير فيها علماء القاهرة إلى الأخبار التي وصلتهم من طرف أهالي ثغر الإسكندرية بأن مراكب الفرنسيين وعددها 300 مركب تقريباً أحاطت بتلك المدينة ثم هاجمها الجنود الفرنسيون واحتلوها هذه الأخبار نشرت الرعب والارتجاف بين سكان القاهرة ثم يضيف علماء مصر في محضرهم لأهالي القدس أن عليهم أخذ الحذر والحيطة وخصوصاًُ من الكفرة المقيمين بين أظهركم لأن ضرر الإسكندرية غالبةً كان من المقيمين معهم كما وردت الأخبار بذلك هذه الشائعة عن تعاون غير المسلمين من سكان الإسكندرية مع الغزاة الفرنسيين هي فاتحة فصل جديد من الاتهامات الموجهة إلى أهل الذمة وخصوصاً المسيحين منهم بدعوى تعاونهم مع الغزاة الأوروبيين لبلاد المسلمين على الرغم من عدم خروج الفرنسيين من مصر مباشرة لاحتلال بلاد الشام عامة والأراضي المقدسة خاصة فإن  مشاعر حكام البلاد وأهلها ومخاوفهم أيضاًَ لم تهدأ لعدة أشهر إذ أصبحت ألوية فلسطين الجنوبية القدس ويافا وغزة مناطق حدود مع العدو الفرنسي وأصبحت مدنها ثغوراً يجب تحصينها لمواجهة غزو فرنسي مرتقب وكما اضطربت الأمور في القدس وغيرها من مدن فلسطين عاشت دمشق أيضاً فترة من الكرب واختلال الأحوال منذ صيف سنة 1789، ولمواجهة هذا الخطر الداهم عينت السلطات العثمانية أحمد باشا الجزار في نهاية تلك السنة واليا على الشام إضافة إلى حكمه في عكا وكذلك منح حكم ولاية طرابلس وقيادة الجيوش التي تحارب الفرنسيين هكذا تم توحيد معظم بلاد الشام وألوية فلسطين كلها تحت سلطة أقوى حكام هذه المنطقة وهي مؤشرات قوية إلى اعتقاد العثمانيين أن الحملة الفرنسية قادمة فكلمات الجبرتي التي اقتبسناها سابقاً وخصوصاً توالي المحن واحتلال الزمن تنطبق على أحوال القدس أيضاَ سنة 1213هـ ،1789-1799م. كانت الحملة الفرنسية إذا بأعين معاصرين ذلك الحدث منعطفاً تاريخياً مهما حرك المشاعر والمخاوف أشهراً وأعواماً وترك آثار بعيدة المدى في مصر والمشرق العربي صحيح أن المؤرخين يختلفون في شأن تقويم الآثار بعيدة المدى لهذه الحملة على بلاد الشام بعكس مصر لكن لا خلاف أن حملة نابليون تشكل مفصلاً تاريخياً مهماً بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وكان من أبرز سمات الفترة الجديدة التي بدأت الحملة الفرنسية توسع النفوذ الأوربي في الدولة العثمانية وزيادة التنافس بين تلك الدول الأوربية لتزيد نفوذها في الأراضي المقدسة وللخلاصة فمما لاشك فيه إذاً أن الحملة الفرنسية التي هي بداية لزمان هذا البحث في تاريخ القدس تشكل حداً زمنياً واضحا لمرحلة تاريخية يمكن تميزها بسهولة مما قبلها ومدخلاً حقيقياَ لعهد جديد وخصوصاً فيما يتعلق بدور ونفوذ أوربا في هذه المنطقة العربية أما نهاية زمان هذه الدراسة حملة جيوش محمد علي باشا حاكم مصر على بلاد الشام واحتلالها وحكمها عقداً كاملاً (1831-1840) فإنها تشكل أيضاً مفصلاً تاريخياً لا يقل أهمية في آثاره (المباشر وبعيدة المدى) عن الحملة الفرنسية ومحمد علي باشا هذا كان وصل إلى مصر مع الفرقة الألبانية التي خدم فيها في أعقاب الحملة الفرنسية ثم عين  سنة 1805، حاكماً على مصر ونجح في نقل بلاد النيل من ولاية عادية تدور في فلك الإمبراطورية العثمانية إلى دولة شبه مستقلة مركزية الحكم قطعت شوطاً كبيراًَ في عملية الإصلاح والتحديث خلال القرن التاسع عشر وكان من مظاهر التحديث بناء جيش قوي و معاصر شكل سنداً للسلطان في البداية لكنه وجه ضده فهزم العساكر العثمانية في أكثر من معركة وسيطر على بلاد الشام عشرة أعوام ولم يكن عبد الرحمن الجبرتي معاصراً لهذا الحدث كي يصفه لنا لكن المؤرخين يجمعون على أن حملة محمد علي وحكمه للمنطقة يشكلان كما ذكرنا أعلاه مفصلاً تاريخياً لا يقل أهمية عن الحملة الفرنسية.  شكلت الفرنسية على المنطقة مؤشراً واضحاَ إلى بداية مرحلة جديدة أدت خلال القرن التاسع عشر إلى تقلص حدود الدولة  العثمانية في الدولة العربية نتيجة التفوق الأوربي العسكري والاقتصادي أما احتلال جيوش  محمد علي لبلاد الشام وحكمها عشرة أعوام كاملة فكانا وقد تمثل هذا الخطر في نشوء تحديات داخلية جدية لشرعية حكم السلطان ومحاولات الانسلاخ عن دولته

 

صحيح أن الحكم العثماني عاد إلى بلاد الشام بعد عشرة أعوام لكن هذه السابقة ونشوء حكم محمد علي باشا شبه المستقل كانا دليلاً واضحاً على تدهور أوضاع الدولة العثمانية نتيجة التحديات الداخلية أيضاً إذا في سنة 1831، التي تضع حدود نهاية زمان هذه الدراسة ترسم حداً طبيعياً أيضاً لمرحلة سيحاول هذا البحث الكشف عن معالمها وخصوصاً فيما يتعلق بجمع مدينة القدس وجهاز الإدارة فيها فالزمان الذي نحن بصدده إذا هو فصل من عمر الدولة العثمانية في المنطقة العربية يقارب ثلث قرن يقع في وسط العهد العثماني الطويل الذي امتد أربعة قرون وأكثر (1516-1918)

 

ثانياً : المكان

 

• قد يبدو أولاً لبعض القراء على الأقل أن مكان القدس معروف لا يحتاج إلى وصف أو توضيح صحيح أن موقع القدس الجغرافي وخصوصاً البلدة القديمة ثابت لم يتغير جغرافيا منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى الآن لكن تحديد مكان الدراسة ليس مجرد وصف جغرافي وذكر لمعالم المدينة وما حولها فالمقصود هنا هو وضع القدس في سياق مكان ذلك الزمان وتحديد علاقات هذه المدينة وما حولها ورسم معالمها في الإطار العام للدولة العثمانية والإطار المحلي لألوية فلسطين في ذلك العهد فالمكان وإن كان ثابتاً جغرافياً فهو متحول من ناحية شبكة العلاقات التي تربطه بالأمكنة القريبة منه والبعيدة عنه "فزمكانية" القدس إذا هي مفهوم يقصد به تحديد معالم زمان الدراسة ومكانها قبل الخوض في موضوع البحث الذي سيعالج علاقات الجهاز الإداري العثماني بالمجتمع ودور أبناء النخبة المقدسة في هذا الجهاز احتفظت البلدة القديمة للقدس بمعالم المدينة محور هذه الدراسة كما كانت عليها  في أوائل القرن التاسع عشر فأسوار القدس القائمة حتى الآن تم إعادة بنائها أيام السلطان سليمان القانوني ووضعت بمحيطها وأوبوابها الحدود الرئيسية لهذه المدينة ومعالمها المهمة  ومنذ أواسط القرن السادس عشر حتى أواسط القرن التاسع عشر سكن معظم المقدسين لثلاثة قرون متتالية في حارات المدينة وبيوتها القائمة داخل هذه الأسوار أغلبية أيام السنة وقد شذ عن هذه القاعدة بعض العائلات التي شيدت خارج الأسوار بيوتاً صيفية حصينة قصوراً سكنتها على الأقل خلال أشهر الصيف الحارة كما أن عائلات أخرى عملت في الزراعة وفي تربية المواشي عاشوا خارج الأسوار في منطقة البقعة ووادي الجوز والشيخ جراح وغيرها فبنت العرائش والبيوت الزراعية في كرومها وقد اشتهرت عائلة الوعري بأن أبناءها الذين اشتغلوا في معظمهم بتربية المواشي عاشوا خارج الأسوار في منطقة البقعة ووادي الجوز والشيخ جراح وغيرها معظم أيام السنة عدا ذلك فإن الأغلبية العظمى من سكان القدس الذين تقدر أعدادهم بأكثر من 10ألف نسمة عاشت داخل الأسوار أي ما يعرف بالبلدة القديمة ازدادت كثافة السكان والبيوت خلال القرنيين الماضيين كما أقيمت مبان جديدة كثيرة وهدمت مبان أخرى ومع ذلك لا يصعب حتى اليوم رسم معالم المدينة الرئيسية كما كانت عليه في أوائل القرن التاسع عشر فالداخل إلى البلدة من بوابتها الرئيسية من الجهة الشمالية باب العمود  ينزل في اتجاه وادي الطواحين أو طريق الوادي الذي يقود إلى منطقة الحرم لكنه يصل أيضاً إلى حارة المغاربة في الجهة الجنوبية يقسم طريق الواد المدينة قسمين شرقي يضم منطقة الحرم كلها والحارات الآهلة بأغلبية مسلمة وغربي يضم حارات النصارى والأرمن واليهود أما طريق خان الزيت الذي يتفرع أيضاًَ من حارة باب العمود ومدخلها فإنه يشق المدينة من الشمال إلى الجنوب ليصل إلى أسواق المدينة الرئيسية مثل اللحامين والعطارين والخضار ثم يمتد هذا الطريق إلى باب النبي داود وأما باب الخليل في الجهة الجنوبية الغربية فالداخل منه إلى جوار القلعة يستطيع أن يسير شرقاً كي يصل إلى باب السلسلة المؤدي إلى ساحات الحرم وبالإضافة إلى الأبواب المذكورة تجدر الإشارة إلى باب الأسباط القريب من  منطقة الحرم الشمالية والمؤدي إلى الجهة الشرقية القريبة من المدينة  وما حولها وكذلك إلى باب النبي داود المؤدي إلى منطقة جبل صهيون سكن معظم أهالي القدس من المسلمين الذين شكلوا أكثر قليلاً من  نصف سكان المدينة  في الحارات الشمالية والشرقية القريبة من منطقة الحرم القدسي مثل باب العمود وباب حطة وحارة السعدية وحارة المغاربة أما أغلبية المسيحين فسكنت في حارتي النصارى والأرمن بينما سكن اليهود في المنطقة التي سيمت لاحقاً باسمهم حارة اليهود وعلى الرغم من هذا التقسيم القائم على أساس التجمع حول المباني والمؤسسات الدينية المعروفة والمشهورة لأبناء الديانات الثلاث فإن الفصل السكاني لم يكن قائماً بشكل قاطع بين الأهالي على أساس ديني فقد كان هناك مناطق سكنية مختلطة كما أن المسلمين سكنوا في شتى أنحاء المدينة مع أن أغلبيتهم الساحقة تجمعت في الحارات القريبة من منطقة الحرم أما أبرز المباني والأماكن المقدسة فكانت ومازالت منطقة الحرم القدسي التي تحتوي على قبة الصخرة والمسجد الأقصى وبقية المدارس والأبنية المحيطة بمنطقة الحرم وخصوصاً من الجهتين الشمالية والغربية كما كانت كنيسة القيامة بموقعها القريب من البيمارستان الصلاحي أهم الأماكن المسيحية المقدسة فكان لها دور مهم جداً كما سنرى في حياة المقدسين اليومية وفي سياحة الحجاج والزوار الذين أتوا لزيارتها ولا يتسع المجال هنا لذكر الأماكن المقدسة جميعها لأبناء الديانات الثلاث والموجودة داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها فهي معروفة ومذكورة في مراجع ومصادر كثيرة غنية عن التعريف هذا الكم الهائل من الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود هو سر أهمية هذه المدينة على مر العصور بما في ذلك خلال فترة هذه الدراسة فالقدس  للمسلمين هي أولى القبلتين وثالث الحرمين ومن هنا الاهتمام بإعمارها وحمايتها وهي للمسيحيين واليهود مدينة الأنبياء والأولياء الصالحين الأمر الذي جعلها تشمل أهم المواقع والأماكن المقدسة بالنسبة إليهم وبسبب أهميتها الدينية الفائقة للديانات السماوية الثلاث فقد ارتبطت معيشة وكسب رزق معظم سكانها بالأماكن المقدسة بشكل أو بآخر في أوائل القرن التاسع عشر فعدا دور العبادة احتوت البلدة القديمة عدداً كبيراًً من المدارس الدينية والأديرة والزوايا الصوفية ودور إطعام الفقراء وعلى رأسها مؤسسة التكية العامرة أو خاصكي سلطان أما المباني الأساسية لشؤون الإدارة والحكم فكانت بناية القلعة المجاورة لباب الخليل أهمها على الإطلاق بالإضافة إلى أسوار المدينة وأبوابها ومن المباني الأخرى التي تجدر الإشارة إليها منزل حاكم المدينة أو السرايا المدرسة العمرية فيما بعد القريبة من عمارة خاصكي سلطان وأما بناية المدرسة التنكزية في باب السلسلة فكانت في فترة هذه الدراسة ديواناً ومكاتب للمحكمة الشرعية أهم مؤسسة إدارية في المدينة هذه المباني الثلاثة القلعة والسرايا والمحكمة الشرعية كانت مسكن رموز السلطة العثمانية وممثلتها أمام السكان وكانت البيوت المطلة على مداخل الحرم وساحاته هي المنازل المفضلة لدى أبناء عائلات الأعيان والعلماء فسكن العديد منهم في هذه المناطق.

 

 في أوائل القرن التاسع عشر كانت القدس مدينة حصينة تحميها أسوار منيعة  وأبراج وقلاع ويهتم السلاطين والحكام بها لأهميتها الدينية المتوارثة لكنها كانت في الوقت نفسه مدينة متواضعة من ناحية عدد سكانها نحو 10ألاف قياساً بعواصم كبيرة كحلب 15ألف نسمة ودمشق 100ألف نسمة والقاهرة أكثر من 200ألف نسمة أما بالمقاربة بمدن فلسطين وعواصم ولايات أخرى في  المنطقة وخارجها فكانت القدس مدينة متوسطة مثل طرابلس وعكا وهي كلها عواصم ولايات وعلى غرار القدس هناك مدن تاريخية مهمة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية كأثينا لم يسكنها أكثر من 10آلاف نسمة وأما مدن فلسطين الكبرى الأخرى فكانت بالحجم نفسه تقريباً مثل نابلس وغزة وإن كانت عكا تفوقت على القدس سياسياً منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى حملة محمد علي فإن القدس ظلت متفوقة عليها طوال العهد العثماني بأهميتها الروحية الدينية التي ترجمت أيضاً إلى أهمية إدارية من خلال مكانة قاضي المحكمة الشرعية ومكانه نقيب الأشراف

 

ظلت القدس إذاً في أوائل القرن التاسع عشر على مكانتها الدينية المهمة بالنسبة إلى بناء الديانات السماوية الثلاث بينما كانت عاصمة لواء أو سنجق تابع لولاية الشام وعاصمتها دمشق سياسياً وإدارياً أما حدود اللواء الذي كانت القدس عاصمته فامتدت من قرية سنجل على الطريق بين رام الله ونابلس شمالاً حتى بداية صحراء النقب  ومنحدرات جبال الخليل جنوباً وأما من الشرق فكان نهر الأردن الشريعة حداً طبيعياً واضحاً لهذا اللواء ومن الغرب كانت منحدرات جبال القدس وبداية السهل الساحلي هي الحدود بين لواء القدس وناحيتي اللد والرملة التابعيين لسنجق غزة ويافا وبالإجمال فإن أراضي لواء القدس الآهلة كانت جبلية في معظمها ما عدا المنطقة الصحراوية المحاذية لغور الأردن التي كانت أريحا القرية الوحيدة فيها حينذاك خرجت من القدس أربعة طرق رئيسية ربطت المدينة بأكنافها القريبة وبعواصم وبلدان لها أهمية كبيرة في حياة السكان ومعيشتهم فمن باب العمود خرج الطريق الرئيسي شمالاً إلى نابلس و جنيين ومنها إلى الناصرة وطبرية وإلى دمشق الشام  ومن باب الخليل خرج جنوباً طريق بيت لحم ومنها إلى برك سليمان التي زودت المدينة بمياه الشرب ومنها إلى مدينة الخليل ومن باب الخليل نفسه الذي يسميه  الأجانب باب يافا خرج الطريق الذي يقود إلى الساحل الفلسطيني وميناء يافا بوابة الأراضي المقدسة إلى  العالم الخارجي  وإلى الشرق خرج الطريق من باب الأسباط عن طريق أبو ديس والعيزرية إلى مقام النبي موسى وإلى نهر الأردن أو الشريعة أحد الأماكن المقدسة التي زارها الحجاج والزاور من المسيحيين وكانت هذه الطرق  جميعاً حتى أوائل القرن التاسع عشر ممرات ضيقة للمشاة والفرسان إذ لم تستعمل العربات ووسائل المواصلات الحديثة الأخرى في المنطقة قبل النصف الثاني من ذلك القرن تحصنت القدس بأسوارها وقلعتها وأبراجها وبواباتها التي أغلقت ليلاً فحمتها من الأخطار الخارجية لكن لم تكن المدينة وسكانها في عزلة عن إنتاجهم من المحاصيل الزراعية في أسواقها كما أن الأماكن المقدسة لأبناء الديانات السماوية الثلاث داخل أسوار المدينة وخارجها كانت أساساً متيناً لعلاقات التعاون والمصالح  المشتركة المتعلقة بتقديم الخدمات للحجاج وزوار تلك الأماكن أيام الأعياد والمواسم المتنوعة لذا وعلى الرغم من أن محور مكان هذه الراسة  سيكون مدينة القدس فإن الحديث عن مجتمعها وكذلك عن مؤسسات الإدارة العثمانية  فيها لن يكون منقطعا عن القرى و النواحي  الريفية التي تحيط  بها من الجهات الأربع

 

ثالثاً : السكان

 

 

أشرنا أعلاه  إلى إن أهالي  مدينة القدس نفسها داخل الأسوار كانوا نحو 10 آلاف نسمة لكن المقدسين لم يعيشوا في عزلة عما يجري خارج أسوار مدينتهم وخصوصاً في القرى  والمناطق القريبة من تلك الأسوار فمن الشمال والغرب اتصلت أراضي قرية لفتا بكروم ومزارع أهالي القدس في مناطق الشيخ جراح وجبل المشارف والمصرارة الصرارة حينذاك ومنطقة الميدان المسكوبية والشيء نفسه يقال عن أهالي قرى شعفاط والطور والعيسوية وسلوان القريبة من باب المغاربة وبيت صفافا وغيرها فسجلات المحاكم الشرعية في هذه الفترة تحتفظ بوثائق كثيرة تشير إلى العلاقات الزراعية والتجارية وحتى الاجتماعية بين المقدسين والفلاحين المجاورين فأراضي عدد من هذه القرى هي أوقاف يتولاها  بعض علماء القدس وأعيانها وبعضها الآخر إقطاعيات يجبي ضرائبها أصحاب الزعامات والتجار الذين يسكنون المدينة لكن الجديد الذي تشير إليه بعض الوثائق هو علاقات المصاهرة القليلة بين الفلاحين والمدنيين وشراء أبو غوش داراً  في القدس عرفت باسمهم هذه العلاقات العادية في شتى مجالات الحياة بين المدينة والريف هي التي تفسر أيضاً علاقات التعاون والتعاضد الاجتماعي السياسي أيام الأزمات والثورات فمنذ ثورة نقيب الأشراف في القدس (1703-1705) استعان علماؤها بميليشيات الفلاحين للدفاع عن مدينتهم في وجه عساكر الحكام السلاطين  وتكررت هذه التجربة في أوائل القرن التاسع عشر أيام تمرد سنة 1825، ووصلت إلى أوجها في ثورة أهالي فلسطين سنة 1834ضد حكم محمد علي باشا لقد سمح أهالي القدس خلال تلك الأحداث للمقاتلين من الفلاحين بأن يدخلوا مدينتهم وبأن يعيشوا معهم أياماً وأسابيع من دون خوف من العواقب هذه الحقائق تؤكد أن أسوار المدينة وأبوابها لم تكن عازلاً مانعاً أمام علاقات التعاون اليومية بين سكان المدينة وأهالي الريف المجاورين في الأيام العادية كما في أيام الطوارئ والأزمات. 

 

لم تكن حدود لواء القدس المكان التي تحدثنا عنه سابقاً حدوداًَ بالمعنى الجغرافي والسياسي الحديث لهذه الكلمة فالسنجق هو وحدة إدارية فقط ضمن الإطار الأوسع للإمبراطورية العثمانية المقسمة إلى ولايات وكل ولاية إلى ألوية أو سناجق  وكانت بلاد الشام كلها مقسمة حينذاك إلى أربع ولايات من الشمال إلى الجنوب هي حلب وطرابلس  ودمشق وصيداً أما فلسطين بحدودها الانتدابية المعروفة فكانت مقسمة إلى خمسة ألوية من أوائل العهد العثماني تابعة لولاية الشام ولما أنشئت ولاية صيداً وصارت عكا عاصمة هذه الولاية فعلياً أيام ظاهر عمر الزيداني ثم أيام حلفائه الجزار ومماليكه طرأ بعض التغيرات الإدارية
لم يتأثر لواء القدس وسكانه بهذه التغيرات وظلوا تابعين إدارياً لولاة الشام على الرغم من ازدياد نفوذ حكام عكا في المنطقة خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر 

 

 وبالإضافة إلى القدس ضم لواؤها مدينة أخرى هي الخليل التي قدرت المصادر عدد سكانها بنحو 5-6 آلاف نسمة خلال فترة هذه الدراسة لم يسكن المسيحيون مدينة الخليل في تلك الفترة إذ كان سكانها في أغلبيتهم الساحقة من المسلمين أما اليهود في الخليل فكانوا أقلية صغيرة قدر تعداد عائلاتها بنحو العشرين فقط  وأما بقية أهالي لواء القدس فسكنت القرى الكبيرة منها والصغيرة وقد ذكر روبنسون في بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر أن ناحية جبل الخليل ضمت 24 قرية آهلة وفي بقية نواحي القدس وجدتا 162 قرية آهلة كان أكبرها قرى رام الله والبيرة وبيت لحم وبيت جالا وقدر مجموع سكان تلك القرى في اللواء بنحو 40-50 ألف نسمة فإذا أضفنا إليهم أهالي القدس والخليل يكون مجموع سكان اللواء 60 ألف نسمة إضافة إلى ذلك فإن أطراف لواء جبل القدس وخصوصاً المناطق الشرقية من بيت لحم وغيرها من المناطق  القريبة من غور الأردن سكنها أو تنقل فيها أبناء القبائل البدوية ومنهم التعامرة والسواحرة وغيرهم هؤلاء العربان كانوا جزءاً مهماً وفعالاً في حياة سكان المنطقة اقتصادياً وسياسياً وبالإجمال فإن لواء القدس كان بالإضافة إلى جبل نابلس من أكثر مناطق فلسطين الآهلة في ذلك الزمان وكما ربطت أهالي القدس شبكة من العلاقات الاقتصادية بالفلاحين من القرى المجاورة كان هناك علاقات مشابهة بسكان المدن القريبة كنابلس ويافا والخليل وغيرها وتحتفظ سجلات المحكمة الشرعية بالعديد من الوثائق التي تشير حتى إلى علاقات المصاهرة ولا سيما بين عائلات النخبة في تلك المدن كما إن بعض عائلات الخليل سكن القدس أيضاً أو تنقل في سكنه بين المدينتين

 

إذاً لم يكن أهالي مدينة القدس معزولين عن بقية سكان اللواء أو عن أهالي المدن الفلسطينية المجاورة على الرغم من البعد الجغرافي الذي قاساه الرحالة والمسافرون بالساعات والأيام مشياً على الأقدام أو ركوباً على الخيل والبهائم  
لايكتمل الحديث عن لواء القدس وسكانه من دون تكرار ذكر أهمية الأماكن المقدسة للديانات السماوية الثلاث وحضور الحجاج والزوار كل عام لزيارتها فالقدس أيام الأعياد المسيحية وخصوصاًُ في عيد الفصح  كانت تعج بآلاف الحجاج والزوار من الأرثوذكس والأرمن وغيرهم ولما  كانت زيارة مقام النبي موسى حددت في أسبوع عيد الفصح نفسه فقد كان مئات وأحيانا آلاف المسلمين أيضاً يتجمعون في القدس وينزلون لزيارة موسى الكليم ثم يعودون إليها ويغادرونها مع مغادرة الزوار المسيحيين عدا ذلك كان بعض حجاج المسلمين إلى مدن الحجاز مكة والمدينة يمرون في طريق ذهابهم إلى الحج والعمرة أو في إيابهم من هناك لزيارة الحرمين القدسي والخليل وكان بعض الحجاج والزوار يطيل إقامته بالقدس لأشهر وأعوام يمضيها في العبادة والدرس أو التدريس في الأقصى والمدارس الكثيرة في المدينة هذه الآلاف المضافة إلى السكان الدائمين أيام المواسم والأعياد ألقت على عاتق الدولة العثمانية وإدارتها المركزية والمحلية مهمات تتعلق بالمحافظة على الأماكن المقدسة وتأمين زوارها على مدار أشهر السنة

خلاصة:

 كان سكان القدس ولوائها من مدينتي القدس والخليل وفلاحين يسكنون أكثر من 180قرية والبدو سكن بعضهم أماكن ثابتة مثل التعامرة والسواحرة والبعض الآخر الذي تنقل في المناطق القريبة من الأغوار
وإذا كان أهل الذمة من المسحيين واليهود شكلوا قسما كبيراً من سكان القدس كم ذكرنا فإن الأغلبية الساحقة من سكان اللواء كانت من المسلمين فاليهود لم يسكنوا مناطق الريف فقط وعدا القدس سكنت عشرات العائلات منهم مدينة الخليل أما المسيحيون كانوا جزءاً من مناطق الريف إلى جانب  المسلمين في بعض القرى كما أن قرى أخرى كان سكانها جميعهم أو أغلبيتهم من النصارى  ومن أكبر هذه القرى وأشهرها بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور من جهة  ورام الله والطيبة وبير زيت وغيرها في الجهة الشمالية من اللواء وبغض النظر عن الانتماء الديني فإن اللغة العربية وثقافتها كانت السائدة بين المجتمع أما عدد غير العرب الذين سكنوا لواء القدس في تلك الفترة فكان قليل برز منهم الأرمن واليونانيون بين المسيحيين وبعض الأتراك والعساكر من أصول ألبانية أرناؤوط وأكراد  وغيرهم  ويبقى  البحث في "زمكانية" القدس والتعريف بسكانها في أوائل القرن التاسع عشر ناقصاً إذا لم نضعها   في سياقها التاريخي الأوسع للإمبراطورية العثمانية  وإقليماً ضمن ولايتي الشام وصيدا فحكام دمشق المسؤولون إدارياً عن لواء القدس من جهة  وحكام عكا منذ أيام الجزار (1775-1804) من جهة أخرى كانوا أصحاب النفوذ الأكثر تأثيراً في حياة أهالي القدس وسواء ساد جو من التعاون والود بين حكام عكا ودمشق أو حالات من الصراع والخلافات فقد  كان لموقف هؤلاء وسياساتهم تأثير كبير في سكان لواء القدس كما سنأتي إلى شرح ذلك لاحقاً فلواء القدس كان وحدة إدارية هي جزء لايتجزأ من النظام السياسي الإداري العثماني في بلدان بلاد الشام هذه الحقيقة يجب إلا تغيب عن بال القارئ.

 

رابعاً : في أعقاب الحملة الفرنسية

 

نجح أحمد باشا الجزار الذي حصن عاصمته عكا ودافع عنها بمساعدة الأسطول البريطاني في صد المحاولات المتكررة التي قامت بها العساكر الفرنسية بقيادة نابليون لاحتلال المدينة وانسحبت القوات الفرنسية من أمام أسوار عكا  والساحل الفلسطيني في أواخر أيار1799، ووصلت إلى القاهرة في أواسط  حزيران من السنة نفسها لكن العاصفة التي أثارها الاحتلال الفرنسي لمصر لم تنته بعد هذا الانسحاب وفشل الحملة على فلسطين وبلاد الشام عامة لقد ارتفعت أسهم حاكم عكا عند الدولة والأهالي فكيلت له المدائح ونظم بعض الشعراء قصائد التهنئة والتعظيم لأحمد باشا الجزار وبصفته والياً على صيدا وطرابلس والشام وقائداً لعسكر الجيوش العثمانية في المنطقة طلبت الدولة منه أن يقوم بملاحقة الكلمات المعسولة فقرر الاكتفاء بالدفاع عن حكمه في عكا وكان الصدر الأعظم يوسف ضياء باشا وصل إلى دمشق في أواخر ربيع الأول 1214هـ/أواخر آب  1799 على رأس الجيش العثماني القادم من إسطتنبول لمحاربة الفرنسيين أما الجزار الذي فهم أن تعيينه على الشام انتهى فقدم استقالته التي قبلها الصدر الأعظم وقام بتعيين عبد الله باشا العظم والياً على دمشق مرة أخرى  وبعكس أحمد  باشا الجزار وجد الصدر الأعظم ترحيباًَ كبيراً وتعاوناً من أحد أعيان غزة  محمد آغا أبو المرق  الذي انضم  إلى حاشيته ووضع نفسه ورجاله في تصرف الدولة وقد أعجب يوسف ضياء باشا بنخوة أبو المرق  وكرمه فجعله وكيل خرجه أي مسؤولاً عن الذخيرة والمؤن ثم عينه بعد ذلك متصرفاً على ألوية القدس ويافا وغزة التي كانت تحت حكم الجزار مدة قصيرة قبل ذلك بهذا انتزع الصدر الأعظم هذه المنطقة من نفوذ الجزار وحكمه ووضعها تحت حكم أبو المرق ليكون مركز ثقل سياسي منافساً لحاكم عكا  ولم يكتف يوسف ضياء باشا بهذا التعيين مكافأة لأبو المرق بل قام بترقيته والحصول له على رتبة الباشاوية ليصير نداً ومنافساً للجزار الذي لم يخف عليه مغزى هذه الترقية والتعيين وقد ظل محمد باشا أبو المرق مرافقاً للصدر الأعظم يوسف ضياء باشا في منطقة العريش ودخل معه مصر في أعقاب الاتفاق مع الفرنسيين بشأن انسحابهم من الأراضي المصرية وخلال كل هذه الفترة التي كان أبو المرق  متصرفاً على القدس عين وكيلاً عنه متسلم لإدارة اللواء وبعد أن استعادت الدولة العثمانية حكمها في البلاد المصرية عاد الصدر الأعظم يوسف ضياء باشا إلى إستنبول ماراً بسواحل فلسطين سنة 1802، وأبو المرق برفقته وفي هذه الأثناء عين محمد باشا أبو المرق متصرفاً على ألوية القدس ويافا وغزة مدى الحياة مالكانة وأراد الصدر الأعظم بعد وصوله إلى إستنبول مكافأة أبو المرق وتعزيز مكانته في المنطقة فعينه والياً على الشام لكن الجزار عمل بسرعة لإفشال هذا التعيين فأرسل جيشه لمحاصرة أبو المرق في يافا ومنعه من الخروج إلى دمشق  وكان موسم الحج قد اقترب فعدلت الدولة عن تعيين أبو المرق وأعادت تعيين عبد الله باشا العظم لتسيير قافلة الحج الشامي  في موعدها كما طلب السلطان من والي الشام مساعدة أبو المرق المحاصر في يافا لكن هذا لم يحرك ساكنا بهذا الشأن إذ اتفقت مصالحه مع مصالح الجزار في التخلص من أبو المرق كي يعود لواء القدس جزءاً من ولاية الشام كان أهل القدس يراقبون هذا التنافس  والصراع بين الجزار وأبو المرق بحذر في البداية لكنهم سرعان ما اتخذوا موقفاً  مؤيداً لوالي عكا بعد أن حاصرت جيوشه مدينة يافا على الرغم من الفرمانات السلطانية المتكررة بوقف  هذا الحصار كان أبو المرق بعد عودته من مصر برفقة الصدر الأعظم وحصوله على الباشاوية والتعيين بحاجة إلى الأموال الكثيرة لتغطية مصاريفه ونفقاته المتعددة ففرض ضرائب باهظة على السكان بمن فيهم أهالي القدس أثقلت هذه  الضرائب كاهل السكان وعلى رأسهم علماء القدس وأعيانها الذين لم يعتادوا دفع مثل تلك الأموال لولاة الشام ومتسلميهم لذا رأى هؤلاء في أحمد باشا الجزار حليفاً لهم وقاموا بتقديم الشكاوى والعرائض إلى رجال الدولة العثمانية في إستنبول وتوجه اثنان من علماء القدس إلى عكا علي أفندي عرفة زادة  والسيد عبد السلام أفندي الفتياني وقدما شكوى عرض حال إلى الجزار نفسه وقد بالغ الأهالي في الشكاوى على المتصرف ورجاله فاتهموه باستباحة العرض والمال ووصلت الأمور بحسب قولهم إلى  حد بيع أبناء الأبرار بالدراهم والدينار مثل العبيد بالحراج والمزاد لأجل أداء مارتب على والديهم من المال بغير وجه حق

 

كافأ الجزار علماء القدس وأعيانها على موقفهم هذا بإرسال أقوى مساعديه سليمان باشا إلى القدس ليسعى بتسكين الفتن وبراحة الأهالي ورفاهيتهم من كل الوجوه وقام سليمان باشا الذي وصل إلى القدس فعلاً بمصادرة ضبط أموال محمد باشا أبو المرق في المدينة بحضور الأفندية والأعيان ومعرفة كتخدا المتصرف المذكور بعد ذلك تم ضبط وتسجيل الأسلحة والأمتعة والأشياء التي بداخل سراية القدس وخانته العامرة ولم تؤثر الأوامر السلطانية التي أعلنت في عصيان الجزار فاستمرت عساكره في محاصرة يافا  وبعد هذا الحصار الطويل أضطر أبو المرق إلى الهروب بحراً فوصل إلى قبرص ومنها إلى اللاذقية حتى وصل أخيراً إلى حلب وقد أرخ الجبرتي لتلك الأحداث إضافة إلى وثائق المحكمة الشرعية فروى وصول الأخبار من الجهات الشامية في أوائل آذار 1803، بهروب محمد باشا أبو المرق من يافا بعد حصاره فيها عاماً وأكثر واستيلاء عساكر أحمد باشا الجزار عليها لم تمض مدة طويلة بعد هذا الحدث حتى صفحت الدولة العثمانية على أحمد باشا الجزار الذي وصفته الأوامر السلطانية بأنه أقوى حكام بلاد الشام وكانت الأخبار وصلت سنة 1803عن تقدم الوهابيين من نجد باتجاه مكة والمدينة في الحجاز فارتفعت أسهم الجزار مرة أخرى أمام هذا الخطر الداهم لذا تم الصفح عما فعله بأبو المرق ومنح في العام الأخير من حياته حكم ولايتي طرابلس والشام وسرعسكرية الحجاز إضافة إلى ولاية صيدا ولما كان الجزار حينذاك مريضاً وهرماً فإنه عين نائبه وساعده الأيمن  سليمان باشاً المذكور أعلاه لتسير قافلة الحج الشامي ومحاربة الوهابيين سنة 1218هـ/1803-1804م، أما الجزار نفسه فظل طريح فراش المرض حتى وفاته في نيسان1704، وهكذا اختفى عن الساحة السياسية في بلاد الشام أقوى حكام هذه المنطقة الذي شاعت شهرته بصورة خاصة بعد أن أفشل حملة نابليون أمام أسوار عكا على خلفية وفاة الجزار في عكا من جهة واشتداد تحدي الوهابيين لحكم العثمانيين في أقدس البقاع الإسلامية من جهة أخرى عاد محمد باشا أبو المرق مرة أخرى إلى المنطقة كمتصرف لألوية غزة ويافا والقدس في سنة 1806، وعلى غرار موقفه من الصدر الأعظم أيام الحملة الفرنسية تقدم إلى الدولة العثمانية باقتراح أن يقوم بتجهيز حملة عسكرية على بلاد الحجاز من غزة وطلب من أجل تسهيل مهمته هذه إضافة إلى تعينه حاكماً على المنطقة مساعدة مادية قدرها 7500كيس الكيس يساوي 500 قرش لتغطية بعض نفقات الحملة العسكرية التي وعد بها وقد جاء في الأوامر التي أرسلت إلى أهالي البلاد أن رتبة الوزارة أعيدت إلى أبو المرق وأنه عين أيضاً والياً على الحبشة وجده ومشيخة الحرمين لتسهيل مهمة محاربة الوهابيين  أثارت عودة أبو المرق إلى فلسطين مخاوف علماء القدس وأعيانها ولما كانت هذه المخاوف معروفة لوالي الشام إبراهيم باشا فإنه حاول تهدئة الأهالي وتطمينهم بمراسيم أرسلت إلى المتسلم يحيى بك وأهالي المدينة عامة جاء فيها أن أبو المرق عين فقط والياً على جدة وإيالت حبش وشيخ الحرم النبوي إضافة إلى التزام غزة هاشم ويافا واللد وتوابعها أما بالنسبة إلى القدس فليس في عهدته سوى رسم القهوة لا غير لذا ختم الوالي مرسومه بقوله يجب أن تسكنوا روع الأهالي والفقراء ولا تمكنوهم أن يتوحشوا من هذه الظنون التي لا ثمرة لها أما أبو المرق نفسه الذي حضر إلى غزة وتظاهر بالتحضير للحملة العسكرية فإنه بالغ في التأجيل والتسويف حتى صدرت الأوامر إلى سليمان باشا والي عكا بأن يقوم بإلقاء القبض عليه وإعادة أموال الدولة فلما عرف أبو المرق بهذه الأوامر التجأ إلى يافا وتحصن وراء أسوارها وقد قام بمهمة احتلال يافا في النهاية محمد أغا أبو نبوت أمين جمرك عكا في سنة 1807، وعين بعدها حاكماً على لواء غزة ويافا وقد صار هذا اللواء منذ ذلك الوقت تابعاً لحكم ولاة عكا وظل أبو نبوت هذا حاكما على يافا التي أعاد إعمارها و أقام فيها حكماً مستقراً مدة طويلة (1807-1819) وبهذا تعزز نفوذ حكام عكا في لواء القدس أيضاً لما هو معروف عن أهمية يافا ومينائها في حياة الأراضي المقدسة الاقتصادية والاجتماعية أما أبو المرق الذي فر من يافا ثانية قبل أن تقوم العساكر المحاصرة باحتلالها فهرب عن طريق البحر ووجد ملجأ هذه المرة عند محمد علي باشاً حاكم مصر مدة قصيرة ومنها سافر إلى حلب

 

خامساً : حريق كنيسة القيامة وتمرد الإنكشارية

 

بينما كان السلطان مشغولاً بالوهابيين وتوقف طريق الحج شهدت العاصمة العثمانية في سنتي 1807-1808، أحداثاً مثيرة ارتبطت بمحاولات السلطان سليم الثالث إجراء الإصلاحات وخصوصاً في صفوف جند الإنكشارية وقد صارت إستنبول مسرحا للقتال بين مؤيدي السياسة الجديدة ومعارضي الإصلاح الذين عزلوا السلطان ثم أعدموه لكن مؤيدي سياسته كسبوا في النهاية ونصبوا محمود الثاني سلطاناً جديداً لمتابعة إصلاحات سليم الثالث وكانت التحديات الخارجية للدولة من أعدائها الأوربيين وكذلك من الوهابيين مازالت قائمة في ذلك الحين فطريق الحج كان ما زال مقطوعاً بسبب عدم وجود من يقود حملة  عسكرية على الوهابيين لاسترداد الحجاز من أيديهم في هذه الأثناء تولى يوسف كنج باشا حكم دمشق خلفا لعبد الله باشا العظم وقد أضيف إلى ولايته حكم طرابلس لعل ذلك يسهل عليه مواجهة الوهابيين الذين بدؤوا يزحفون إلى المناطق الجنوبية من شرق الأردن في الوقت نفسه ازداد نفوذ الشيخ طه الكردي شيخ الطريقة النقشبندية في دمشق فتم فرض سياسة دينية متزمتة على المسلمين وأهل الذمة في المدينة

 

هذه الأحداث والصراعات السياسية في إستنبول ودمشق وغيرهما من المناطق المجاورة تركت أثرها المباشر في أحوال الحكم في القدس حينذاك ففي 30أيلول/ 1808 شب حريق في كنيسة القيامة دمر جزءاً كبيراً من القسم الغربي منها وكان الحريق بدأ في المنطقة المخصصة لطائفة الأرمن فاتهم هؤلاء بالمسؤولية عن اشتعاله في أعقاب الحريق نصب رؤساء مختلف الطوائف المسيحية الخيام في ساحة الكنيسة لحراستها من النهب والعديات وتذكر بعض المصادر أن كبار علماء القدس وأعيانها شاركوا بأنفسهم في عملية الحراسة وكان بين هؤلاء مفتي الحنفية حسن أفندي الحسيني  ونقيب الأشراف عمر أفندي الحسيني وغيرهما طلب رؤساء الأرثوذكسية من السلطان أن يسمح لهم بترميم الكنيسة وإعادة بنائها فحصلوا على فرمان يأذن لهم في ذلك في أوائل سنة 1224هـ/1809م، ولما باشر أبناء الطائفة العمل في أيار من السنة نفسها عارضهم رؤساء طائفتي الأرمن والكاثوليك كما أنهم حرضوا بعض المسلمين على منع بناء الكنيسة بالقوة فتوقفت أعمال الترميم وسادت القدس أجواء مشحونة بالتوتر الطائفي وانفلات زمام الأمور من أيدي الحكام وبعد مدة وجيزة تغلب الأرثوذكس على المعارضة المحلية وحاولوا متابعة العمل في الكنيسة لكن رجال الإنكشارية هذه المرة اعترضوا العمال بسلاحهم ومنعوا استمرار العمل في الكنيسة على الرغم من فرمان السلطان وأوامره ولما حاولت الدولة التدخل ثانية وفرض استمرار أعمال الترميم أعلن جنود الإنكشارية الثورة على المتسلم وطردوه من المدينة وسيطروا عليها وعلى قلعتها وبعد أن أوقف جنود الإنكشارية أعمال الترميم بقوة السلاح توجهوا إلى رؤساء الطائفة الأرثوذكسية طالبين منهم التوسط لدى والي الشام من أجل قبول مطالبهم وهي في الأساس

 

1- نقل الحامية العسكرية في القلعة التي أرسلها والي الشام مؤخراً إلى خارج المدينة
2- عزل متسلم اللواء مصطفى أغا الذي طردوه مؤخراً من المدينة وتعيين آخر مكانه

 

كان والي الشام في ذلك الوقت مشغولاً بقمع حركات العصيان والتمرد التي قامت ضده في طرابلس وجبال العلويين فطلب المساعدة من سليمان باشا والي صيداُ في القضاء على حركة الإنكشارية في القدس فأرسل الأخير من جانبه أوامره من عكا إلى علماء المدينة وأعيانها يطالبهم بـردع العوام عن طائفة الروم وتدعوهم  أن يبادروا  بعمار القيامة  الأمر السلطاني  ويشير حاكم عكا في مرسومه إلى مطالب الثوار المذكورة أعلاه بقوله والحال هذا مخالف للرسم والقانون لأن أولي الأمر ما هم مسلم قيادهم بأيدي الرعايا النصارى لكي يعزلوا ويولوا لكن تدخل سليمان باشا ومحاولاته تخجيل أهالي القدس من جهة وتهديدهم من جهة أخرى  بأنه إذا استمر الحال على هذا المنوال فعواقبه غير محمودة لم تجد نفعاً فالعصاة الذين هاجموا دير الروم وكنيسة القيامة وخربوا ونهبوا وأبدوا حركات غير مرضية لم تردعهم كلمات التوبيخ ولا الوعيد يبدو أن حركة العصان هذه التي قادها جنود الإنكشارية في القدس لم تستقطب تأييد أغلبية أهالي المدينة فقام والي الشام وطرابلس يوسف كنج باشا في النهاية بإرسال فرقة عسكرية بقيادة ضابط مغربي سرمغربيان هو الحاج محمد أغا أبو ذريعة لتنفيذ مهمة إخماد العصيان وتبيين من الأوامر والمراسيم الكثيرة المرسلة إلى القدس من دمشق وعكا وإسطنبول إن أسباب التمرد لم تكن أعمال البناء في كنيسة القيامة وإنما وضع عساكر والي الشام الجديدة في القلعة وبخلاف مؤرخ سليمان باشاً العادل يذكر الجبرتي أن يوسف باشا والي الشام وطرابلس هو الذي أرسل فرقة من عسكره عن طريق غور الأردن وهو مسلك وصل إلى القدس قريب المسافة خلاف الطريق المعتاد فدهموا الجماعة المعارضين على حين غفلة وحاصروهم في دير وقتلوهم عن آخرهم وهم نيف وثلاثون نفراً ويتطابق تقرير الجبرتي هذا مع مصادر أخرى أشارت إلى أن محمد أغا أبو ذريعة فاجأ الثوار فألقى القبض على بعضهم وفر آخرون واختبئوا في دير الأرمن ثم استسلم هؤلاء بعد أيام قليلة وقام أبو ذريعة بمحاكمتهم جميعاً بالاتفاق مع المتسلم الذي أعيد إلى منصبه  فنفذ حكم الإعدام الفوري في 38 شخصاً من العصاة لا تشير المصادر المتوفرة إلى صلة مباشرة بين محاولات الإصلاح في إستنبول سنة 1808، وبين قيام تمرد عناصر الإنكشارية في القدس ولكن بعض  الوثائق  يشير إلى  أن ثمة علاقة بين الحدثين  فقد نشب العصيان في القدس بعد أن قام والي الشام بوضع عساكر جديدة في القلعة بدل وجاق الإنكشارية الذي كان مرابطاً فيها فهل كانت الفرقة العسكرية التي وضعها يوسف كنج باشاً في قلعة القدس من جنود النظام الجديد هذا غير واضح لكن يكفي الإنكشارية المحليين أن يكون والي الشام أرسل إلى القدس عساكر إنكشارية من الأغراب ليثير الأمر حفيظتهم وعلى كل الأحوال إلى هذه المنطقة بعد فترة غير قصيرة من القلاقل والمناوشات التي ميزت العقد الأول من القرن التاسع عشر وكان كنج أحمد أغا هذا صهر متسلم يافا وغزة محمد أبو نبوت وهو ما سهل عليه ضبط أمور الحكم في لواء القدس إذ أقام أبو نبوت الذي حكم يافا منذ سنة 1807، علاقات تعاون مع آل أبو غوش وغيرهم من العائلات المتنفذة في المنطقة ما بين يافا والقدس كما أقام علاقات وثيقة بعلماء القدس وأعيانها وكذلك بالعائلات النابلسية القوية وكانت يافا أخذت تنعم بالتدريج بالاستقرار والازدهار منذ وصول أبو نبوات إليها الأمر الذي انعكس إيجاباً على أحوال القدس هذه الفترة وخصوصاً بعد افتتاح كنيسة القيامة لزوار الأراضي المقدسة

سادساً: إعادة السيطرة على مكة والأماكن المقدسة

 كان استمرار تسلط الوهابيين على مدن الحجاز المقدسة وغزوهم المناطق الجنوبية من بلاد الشام من العوامل الأساسية التي دفعت الدولة العثمانية إلى ضم ثلاث ولايات في بلاد الشام ما عدا حلب إلى حكم سليمان باشا العادل وقد أشارت فرمانات التعيين التي أرسلت إلى والي عكا إلى هذه المسألة بالقول إنه عين أيضاً أميراً لقافلة الجردة وذلك من أجل تطهير الحرمين الشريفين من الخارجين على الإسلام ثم تكرر مثل تلك العبارات في مرسوم سلميان باشاً إلى علماء القدس وأعيانها فذكر أن تعيينه من الدولة العلية شمل إمارة الحج الشريف وسرعسكرية الجردة عن واجب هذه السنة المباركة سنة 1225 وعندما جددت الدولة العثمانية تعيينه على الولايات الثلاث في السنة التالية جاء في الأوامر أنه عين أيضاً قائداً لقافلة الجردة باشيوغية الجردة لم تكن الدولة غافلة في ذلك الوقت عن أن محمد علي باشاً كان يجهز جيشه للخروج إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين واستعادة مكة والمدينة من أيديهم لكن هذا لم يقلل أهمية توحيد بلاد الشام الجنوبية تحت سيطرة أقوى حكام هذه المنطقة سليمان باشاً العادل بعد أن وصلت عساكر محمد علي باشا إلى الحجاز سنة 1811 وبدأت بمحاربة الوهابيين ازدادت الآمال بفتح طريق الحج ثانية وفي بلاد الشام عين حاكم جديد على ولاية دمشق وظلت ولايتا صيدا وطرابلس تحت سيطرة سليمان باشا العادل ولما وصلت الأخبار في أوائل سنة 1813من مصر إلى سليمان باشا والي دمشق بأن الجيش المصري بقيادة طوسون ابن محمد علي احتل المدينة المنورة ثم مكة وجدة من أيدي الوهابيين بدأت الاستعدادات لخروج قافلة الحج الشامي من جديد ففي مرسوم من والي دمشق إلى علماء القدس وأعيانها جاء فيه إننا بعد الاتكال على المولى صممنا وعزمنا في هذه السنة على الحج إلى بيت الله الحرام بكافة قوافل الحج لذا فإن والي دمشق عاد فذكر الأهالي بما هو مطلوب منهم لا سيما الشمع الأبيض الكافوري العايد إلى الحجرة الشريفة لأن ذلك فرض عين لايمكن التراخي به وفعلاً تجددت قافلة الحج في السنة  نفسها (1228/1813م) بعد أن أعاد محمد علي سيطرة السلطان على مكة والمدينة وكان والي الشام  سليمان باشا عزل كنج أحمد أغا صهر أبو نبوت وعين مكانه عبد الكريم أغا متسلما ًمن طرفه على لواء القدس ومن الجدير بالإشارة هنا إلى إن عبد الكريم أغا ظل في الحكم مدة طويلة نسبياً (1812-1818) على الرغم من تبديل الحكام والولاة في دمشق في تلك الفترة هكذا حظيت القدس خلال هذه الفترة باستقرار نسبي للحكم والإدارة بلا قلاقل ولا اضطرابات وكان لسليمان باشا العادل وسياسته في المنطقة أثر إيجابي بلا شك إذ إن لواء غزة ويافا ظل طوال تلك الفترة تحت حكم متسلمه محمد أغا أبو نبوت ومن المفيد هنا إن نضيف أن تأثير حكم سليمان باشا الإيجابي في القدس لم ينحصر في قضايا استقرار الأمن فحسب بل تعداه أيضاً إلى الأعمال والإعمار وفي أواخر سنة 1231-1816م، حضر كوسا كيخيا نائب الصدر الأعظم كتخدا لأداء فريضة الحج عن طريق الشام ومنها إلى عكا لزيارة القدس كما جرت عادة بعض الحجاج ولما وصل إلى القدس ودخل قبة الصخرة والمسجد الأقصى هاله مارأى من أحوال هذين المكانيين المقدسين فلما سأل أعيان المدينة وعلماءها عن السبب تشكى هؤلاء من محدودية إيرادات الأوقاف التي لا تكفي للمصاريف الضرورية للمسجد الأقصى وماحوله وكما ذكرنا أعلاه فإن كنيسة القيامة كان تم ترميمها وإعادة بنائها قبل أعوام قليلة بعد الحريق الذي شب فيها فكان ذلك كما يبدو أحد العوامل التي دفعت العلماء إلى مطالبة الدولة بإعمار هذا المكان المقدس للمسلمين ولما عاد كوسا كيخيا إلى العاصمة العثمانية فإنه سعى فعلاً لما وعد علماء القدس به أي تدبير الأموال لأعمال التصليح والإعمار في الأقصى وقد حسن عند السلطان ورجال الدولة أن يقوم سليمان باشا والي عكا بهذه المهمة لما عرف عنه من اقتدار مادي وأعمال خيرية وفعلاً أصدر السلطان الفرمانات والأوامر إلى سليمان باشا بأن يقوم بتعمير محلات عرش الله الأدنى وترميمها ولم يستطع والي عكا رفض طلب السلطان على الرغم من التكلفة الباهظة للمهمة التي ألقيت على عاتقه على حساب خزينته الخاصة لذا أرسل سليمان باشا من طرفه أحد ضباطه المقربين إلى القدس ليكون مسؤولاً عن تنفيذ هذه المهمة ومعه عشرات الصناع وأيضاً المواد الضرورية للبناء والترميم لمباشرة العمل وقد أحضر بعض المواد مثل الأخشاب من جبل لبنان بمساعدة بشير الشهابي وكذلك تم شحن الجسور والألواح وغيرها من ميناء بيروت إلى منياء يافا ثم إلى القدس وقد حضر بعض الصناع المهرة من الشام وإسطنبول وأماكن أخرى بحسب طلب سليمان باشا وهكذا تمت عملية الترميم وإعادة التعمير بعد نحو عامين من التخطيط والتجهيز ثم التنفيذ وسجل محضر أرسله أهالي القدس إلى الدولة العثمانية عرفاناً وامتناناً وقبل الانتهاء من أعمال الترميم والبناء في قبة الصخرة والمسجد الأقصى تقدم خدام مقام النبي داود في القدس بالتماس استرحام لتعمير تربة المقام وترميمها ومرة أخرى وافق سليمان باشا على الطلب وأمر بعمل اللازم وقد امتد العمل في تعمير هذه الأماكن الإسلامية في القدس أكثر من واحد وعشرين شهراُ أما التكلفة على خزينة والي عكا فزادت على أربعة آلاف كيس أي أكثر من مليوني قرش وحتى لو حمل هذا الرقم  بعض المبالغة من مؤرخ سليمان باشا العادل لمصلحته في مدح سيده وولي نعمته فإن مثل هذا العمل الذي قام به حاكم عكا كان بلا شك فريداً من نوعه في ذلك العهد وقد كان هذا العمل الخيري من أواخر أعمال سليمان باشا لأنه توفى بعد أشهر قليلة من إتمام هذه الخيرية سنة 1234هـ/1819م،

 

خلاصة: على الرغم من بعض الاضطراب الذي خيم على المنطقة أيام حكم سليمان باشا العادل(1805-1819) بسبب حركة الوهابيين أو غيرهم فإن سياسته  كانت تميل إلى التهدئة والاستقرار بصورة عامة وقد انعكست هذه السياسة على لواءي نابلس والقدس كما على مناطق أخرى في فلسطين وخارجها إذ زاد نفوذ حاكم عكا في القدس وخصوصاًُ بعد أن أضيف لواء غزة ويافا إلى حكمه فمنحه بتقليد حكام عكا في تعمير المساجد والأسواق وتحصين أسوار يافا وأبراجها وانعكس هذا الاستقرار في يافا أيضاً إيجابياً على أحوال القدس لكون مينائها محطة للحجاج والزوار الأولى في طريقهم إلى زيارة الأماكن المقدسة في مدينة القدس ونواحيها .

 

سابعاً : القدس وعبد الله باشاً

 

لم تغير وفاة سليمان باشا العادل شيئا في موازين القوى المحلية بين الولاة عكا وولاة الشام لقد استلم الحكم في عكا عبد الله باشا ابن علي بك أحد كبار مماليك الجزار والذي كان أعد بالتدريج لشغل هذا المنصب لكن ما قلناه عن بروز محمد علي باشا كأقوى الحكام المحليين في المنطقة أصبح أكثر صحة في العشرينيات من القرن التاسع عشر وانعكس ذلك على القدس أيضاً وكما رأينا سابقاً بالنسبة إلى الوهابيين فإن الدولة العثمانية اضطرت إلى مساعدة محمد علي عندما ثار أهالي اليونان ضد حكم السلطان في بلادهم ففي ربيع سنة 1812، بدأ اليونانيون ثورتهم ضد الحكم العثماني التي كان لها أثر مباشر في علاقات المسلمين بهم في شتى أنحاء الإمبراطورية بما فيها القدس وفي إستنبول نفسها تم إعدام بطريرك الروم الأرثوذكس في أعقاب الحوادث الدموية في اليونان فكان لهذه الأحداث تداعياتها في دمشق وشتى أنحاء بلاد الشام وصلت أخبار الثورة على السلطان في اليونان إلى القدس بسرعة عن طريق زوار الأماكن المقدسة من تلك البلاد ثم أرسلت الأنباء الرسمية من إستنبول ودمشق فازداد التوتر في المدينة وصارت طائفة الروم الأرثوذكس هدفاً للنقمة والتعديات كما أصدر والي الشام أوامر تفرض على أبناء هذه الطائفة ملابس معينة تميزهم من غيرهم وقد استمرت المضايقات والتعديات على أبناء تلك الطائفة عدة أشهر إلى أن وصلت الشكاوى إلى دمشق وإسطنبول فأصدر والي الشام أمراً إلى متسلمه سليمان أفندي وإلى علماء القدس وأعيانها بأن يعملوا يدا واحدة لإعادة الهدوء والاستقرار إلى المدينة بما في ذلك المحافظة على أمن المسيحيين وأملاكهم لكن استمرار أعمال العنف في اليونان حرك التوتر مجدداً في شتى أنحاء الإمبراطورية فأرسلت الأوامر ووصول أخبار أعمال القتل والعنف المتبادلة بين اليونانيين والمسلمين في المورة وغيرها من أنحاء اليونان عكرت أجواء التعايش والتسامح السائدة عادة في القدس لعدة أشهر على خلفية استمرار ثورة اليونانيين ضد حكم السلطان صدرت الأوامر إلى والي صيدا عبد الله باشا بأن يعزز تحصينات القدس ويحميها من أي تعديات محتملة وبناء على الأمر السلطاني المتضمن تفويض محافظة القدس الشريف إلى عهدتنا أرسل عبد الله باشا إلى القدس  عرش الله الأدنى عساكر بقيادة كل من ضابط الفرقة الألبانية في عكا سير أرناؤد بابنا  الحاج محمد أغا نعمان والضابط قاسم أغا من أجل الإقامة بقلعة القدس كما أمرت تلك العساكر بأن تقوم بحراسة أبواب المدينة والقيام بأمر المحافظة والانتباه ليلاً ونهاراً ولا تفصح وثائق المحكمة الشرعية عما جرى ميدانياً هل وصلت  العساكر إلى القدس فعلاً وهل رابطت في القلعة أم لا لكنها تكشف عن حدوث صراع مكشوف بين والي عكا ووالي الشام في تلك الفترة درويش باشا الذي شغل في السابق منصب الصدر الأعظم  وقد انعكس هذا الصراع بتداعياته على جميع أحوال المنطقة بما فيها لواء القدس عندما نشبت الثورة في اليونان ضد الحكم العثماني سنة 1812، كان سليمان أفندي متسلماً على القدس وقد نسب بعض المصادر قسماً من التعديات والمضايقات التي لحقت بالروم الأرثوذكس إلى هذا المتسلم الذي قيل أنه من أصل يهودي ولسبب ما لا توضحه الوثائق المتوفرة عزل هذا المتسلم بعد أشهر من بداية الأحداث في اليونان وعين بدلاً منه الحاج علي أفندي في محرم 1217هـ/نهاية أيلول 1812م، وتجدر الإشارة إلى أن هذا المتسلم عين بعد فترة وجيزة من استلامه الحكم في القدس على لواء يافا وغزة أيضاً وقد مكن هذا التعيين والي الشام درويش باشا من إن يتحكم في منطقة جنوب فلسطين كلها والتي تشكل حلقة الوصول بين مصر وبلاد الشام بما فيها ولاية صيدا فطلب درويش باشا الذي كان حينها يحاول طرد عبد الله باشا من معقله من متسلمه في القدس أن يمسك بزمام الحكم في لواء غزة ويافا بنفسه لكن هذا التعيين لم يستمر طويلا لأن عبد الله باشا نجح في البقاء في عكا فعاد لواء غزة ويافا تابعاً لوالي صيداً كما كان سابقاً
يبدو أن ثورة اليونانيين أثارت قلقاً حقيقياً عند الدولة العثمانية  فيما يتعلق بالقدس والأماكن المقدسة فيها وقد أشار عدد لايستهان به من الفرمانات والأوامر إلى ضرورة أخذ الاحتياطات الضرورية لحماية المدينة من الأخطار الخارجية فبالإضافة إلى العساكر في القلعة  والتشديد على حفظ أبواب المدينة ليل نهار تحدثت إحدى الوثائق عن إرسال 18مدفعاً من عكا لوضعها في القلعة والأبراج كما أرسل مع المدافع 101برميل بارود مع عربات مدافع وكامل طاقمهم وفي الفترة نفسها تقريباً تم الكشف عما هو موجود في مخزن القلعة من سلاح الجبخانة العامرة في قلعة القدس بمعرفة المتسلم ويوسف أغا الجاعوني الجبه جي باشي تبين من الكشف بوضوح وصول المدافع الجديدة 18مدفعاً من عكا إضافة إلى المدافع القديمة أغلبيتها سقطت وبعد ذلك بشهر تقريباً كشف عن أعمال التعمير  والترميم في القلعة والأبراج بحسب أوامر الدولة العثمانية السابقة والتي تبين أنها كلفت مبالغ باهظة بأكثر من 30 ألف قرش كان للصراع الذي نشب بين عبد الله باشا وجيرانه ولاة الشام وحلب تأثير واضح في عدم استقرار أمور الحكم في لواءي نابلس والقدس المجاورين فقد حاول هؤلاء الولاة جذب القوى المحلية المتنفذة كل إلى جانبه خلال فترة ذلك الصراع 1823-1824، لكن الأهم من ذلك هو أن عبد الله باشا المحاصر في عكا بأوامر من الدولة العثمانية والولاة المجاورين لم يجد بداً من التوجه بطلب المساعدة من حاكم مصر القوي محمد علي باشا الذي كانت مكانته ارتفعت عند السلطان بعد نجاحه في إخراج الوهابيين من الحجاز بل محاربتهم في نجد أيضاً كما أن الدولة احتاجت إلى مساعدة والي مصر مجدداً بعد فشل العساكر العثمانية في إخماد الثورة في اليونان فتوجهت إليه من أجل إرسال جيشه في هذه المهمة ولما كان عبد الله باشا في عكا يدرك هذه الأمور فإنه عرض حالة على محمد علي التمس المساعدة بكل ثمن و التوسط لمصلحته عند السلطان وقد تدخل حاكم مصر عند السلطان فعلاً وحصل على العفو في مقابل دفع مبلغ كبير من المال في إستنبول بهذا التدخل المباشر في خلافات ولاة بلاد الشام وصراعاتهم يكون محمد علي باشا خطا خطوات كبيرة إلى جعله أقوى مركز قوة سياسياً وعسكرياً في هذه المنطقة العربية باعتراف السلطان وولاته المحليين في بلاد الشام  في تلك الأثناء كانت الثورة مستمرة في شبه جزيرة المورة وغيرها من الجزر اليونانية وكان محمد علي حاكم مصر قدم منذ سنة 1822 أعداداً من العساكر للمحاربة إلى جانب السلطان في محاولات متكررة لإخماد ثورة اليونانيين وبعد فشل هذه المحاولات لأعوام طلب السلطان منه أن يرسل جيوشه لإخماد الثورة شبه جزيرة المورة وهكذا نزل نجل محمد علي إبراهيم باشا بقيادة الجيش المصري وأسطوله إلى جزيرة كريت سنة 1824، ثم إلى اليونان نفسها ونجح في التغلب على اليونانيين المتمردين في معركة بعد أخرى في سنة 1825. هذا النجاح كان مؤشراً جديداً إلى أن الجيش الحديث الذي أنشأه محمد علي باشا في مصر كان أقوى من جيوش السلطان لكن نجاحه حرك مشاعر بعض الأوربيين ومصالح دولتهم فقرروا التدخل في هذه المسألة لمصلحة اليونانيين إن ثورة اليونان معروفة ومدونة تخرج عن نطاق هذا البحث وما يهمنا من ذكر هذا الموضوع هنا أمران الأول أن استمرار تلك الثورة في العشرينيات من القرن التاسع عشر أوقف إلى حد كبير سيل الزوار والحجاج من تلك البلاد إلى القدس ونواحيها أما الأمر الثاني فيتعلق بطموحات محمد علي باشا التوسعية وكان حاكم مصر ادعى أن السلطان العثماني وعده بحكم بلاد الشام إضافة إلى مصر مكافأة على إرسال جيشه لإخماد ثورة اليونانيين بهذا فإن الدولة العثمانية أبدت استعداداً مشروطاً لأن يحقق حاكم مصر طموحاته في هذه المنطقة وهو ماحصل عليه محمد علي باشا في النهاية بالقوة

 

ثامناً : تمرد وعدم استقرار (1825-1826)

 

عندما انتهت مسألة عبد الله باشا في عكا تفرغ والي الشام الجديد مصطفى باشا وكان والي حلب سابقاً لجباية الضرائب من لواءي نابلس والقدس ولم يكتفي بالضرائب العادية المطلوبة كل عام بل كما يبدو طلب أضعافها لتغطية مصاريف صراعه السياسي والعسكري مع والي صيدا. إذ ادعى والي الشام أن الأموال الإضافية مطلوبة لمصاريف الحج لسنة 1825، وشدد على متسلمه في القدس إسماعيل بك كما على أعيان المدينة وعلمائها جميعاً أن يعملوا يداً واحدة لجمع الأموال المطلوبة لكن الأهالي وعلى الرغم من لهجة الوعيد والتهديد التي تبنتها أوامره المرسلة إلى القدس رفضوا التعاون مع المتسلم ودفع الضرائب الباهظة المطلوبة من أهالي اللواء لذا قام الوالي أولاً بتغيير المتسلم وعين بدلاً منه قدوة الأماجد الأعيان قبوجي كتخداسي بابنا الحاج عثمان أغا  وكان على هذا المتسلم الجديد أن يقوم بما فشل فيه سلفه أي تحصيل الأموال الميرية والمقننات الحجازية بل إن أوامر مصطفى باشا كانت واضحة أيضاَ بضرورة معاقبة من يتأخر في دفع الضرائب والطلوع من حق الأسفاه ومتجاوزين الحدود ومن حسن الحظ أن راهبا قبرصياً من سكان القدس ترك لنا تسجيلاً مفصلاً لأحوال القدس وأحداثها في تلك الأيام المضطربة  فقد أرسل والي الشام مع متسلمه الجديد جنوداً يعتمد عليهم لأداء المهمات الملقاة على عاتقه ذكر أن عددهم كان مئة أنزلهم في قلعة القدس لكن المتسلم الجديد لم ينجح في مهمته لأن الفلاحين طردوا رجاله الذين وصلوا إلى القرى لجباية الأموال المطلوبة منهم فلما علم مصطفى باشا بهذه الأخبار خرج بنفسه على رأس جيش تعداده خمسة آلاف جندي لجباية الضرائب من لواءي القدس ونابلس وعلى الرغم من آلاف العساكر التي رافقت والي الشام والأوامر المشددة بتجهيز الأموال والذخائر المطلوبة قبل وصوله إلى المنطقة فإنه واجه صعوبات وعقبات جمة في جبال جنين ونابلس وبعد أن انتهى مصطفى باشا من جمع الضرائب من جبل نابلس تقدم إلى القدس ووصل قريباً من أسوارها الشمالية حيثي عسكر جنوده هناك وأمام تصميم مصطفى باشا على جباية الضرائب الباهظة والحشود الكبيرة التي حضر بها إلى القدس قرر بعض القوى ولا سيما القريبة من المدينة الخضوع وجمع الأموال المطلوبة منها وكان ضمن هذه القرى سلوان وعين كارم والمالحة والولجة وبيت حنينا وصور باهر وبيت صفافا وغيرها أما العديد من القرى الأخرى وخصوصاً البعيد منها عن القدس فهرب سكانها إلى وجه الوالي أو قرروا المقاومة وكان ضمن من قرر القتال وعدم الاستسلام أو الهروب أهالي بيت لحم وجيرانهم التعامرة ولاجئون فروا ووصلوا إلى هذه المنطقة وأما القرى التي لم تقدم ما هو مطلوب منها من ذخيرة وضرائب فقرر الوالي معاقبتها بشدة ولما وصل جيش الوالي إلى بعض القرى وجدها فارغة من السكان عاث الجنود فساداً في بيوتها ومزروعاتها ولما علم الباشا أن كثيرين من أهالي قرى المنطقة خبئوا أموالهم  وجواهر نسائهم في أديرة مار سابا ومار الياس والمصلية وغيرها فإنه حاصر تلك الأديرة وفتشها حتى وجد بعض ما أودعه الفلاحون فيها
ولما كانت بيت لحم معقلاً لعدد كبير من المتمردين فإن مصطفى باشا توجه مع عساكره إليها قاصداً تدميرها ووجد كثير من الفلاحين المتمردين ملجأ في أديرة المنطقة وخوفاً من نتائج الحرب بين الطرفين على الأديرة والأماكن المقدسة المسيحية توسط رؤساء الطوائف بين الطرفين للصلح فوافق الباشا على أن يدفع هؤلاء العصاة لخزينته مبلغا كبيراً هو 100ألف قرش وبعد انتهاء مسألة بيت لحم صلحاً انسحب الباشا مع عساكره للمراقبة والحراسة أخيراً وبعد ابتزاز مصطفى باشا أموالاً كثيرة من الأهالي وخصوصاً من رؤساء الأديرة غادر منطقة القدس تاركاً متسلمه ومعه نحو مئة جندي مرابطين في القلعة

 

نتيجة قمع الباشا للسكان مسلمين ومسيحيين مدنيين وفلاحين ولعشيرة التعامرة توحد موقف هؤلاء ضد متسلم القدس الذي حاول الاستمرار في جباية الضرائب بعد ابتعاد والي الشام وعودته إلى دمشق للخروج في قافلة الحج رفض الأهالي التعاون مع المتسلم وقام التعامرة مع أهالي بيت لحم بمهاجمة الفرقة العسكرية التي تركها الوالي في البلدة فقتلوا بعض عناصرها وطردوا الآخرين ولما طلب المتسلم مساعدة الوالي مرة أخرى أخبره الأخير أنه سيخرج قريباً مع قافلة الحج فعليه تدبير الأمور بنفسه وخرج المتسلم وجنوده على الاستحكامات في منطقة بيت صفافا وتقدم في اتجاه بيت لحم وبيت جالا في هذه الأثناء دخل عشرات من أهالي القدس ذوي الخبرة العسكرية إلى القلعة فتغلبوا على الحامية الصغيرة 11 شخصاً وسيطروا على القلعة وأبواب البلدة وقرروا منع المتسلم وجنوده من العودة إلى المدينة وعندما علم المتسلم بما جرى في القدس قفل راجعاً إليها في محاولته لمعالجة هذه المسألة بأي شكل من الأشكال لكن أهاليها الذين توحدوا حول رفع راية العصيان ضد المتسلم والباشا الذي يقف من ورائه في دمشق منعوه وجنوده من دخول المدينة ولما رجاهم المتسلم أن يدخل السرايا فقط من أجل أخذ حوائجه وأغراضه لم يجد بين المتمردين من كان مستعداً لقبول رجائه فلم يجد المتسلم مخرجاً من الأزمة التي وقع فيها إلا الوصول إلى الرملة ومنطقة الساحل بإذن آل أبوغوش المتحكمين في طريق القدس ولم يكتف أهالي القدس الذين شقوا عصا الطاعة بعدم السماح للمتسلم بدخول مدينتهم بل ألقوا بجنود القلعة القليلين وحراس السرايا إلى السجن أيضاً ثم لاحق أهالي القدس كل جندي عثماني وحتى المدنيين من أتراك وألبان وغيرهم من الأغراب وطردوهم من المدينة بعد أن سيطر المتمردون في القدس على أنحاء المدينة جميعها عقدوا اجتماعاً  بحضور عدد كبير من العلماء والأعيان واختاروا يوسف أغا الجاعوني الجبه جي باشي وأحمد أغا العسلي دزدار القلع سابقاً ليكونا قائدي هذه الحركة وتصرف أعيان القدس في هذه الفترة تصرف الحكام فقرروا إعفاء الفلاحين من الضرائب المفروضة عليهم كما تم خفض الضرائب والرسوم المطلوبة من الأديرة والكنائس بشكل كبير هكذا نعم أهالي القدس ونواحيها ولو إلى حين بحكم ذاتي وشعور طاغٍ بالحرية والسرور ومما تجدر الإشارة إليه بشأن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين العرب في القدس وبشكل أوضح في القرى المجاورة كبيت لحم ورام الله وغيرهما أن الأهالي عملوا يداً واحدة ضد الحكام الظالمين بل إن المسيحيين في الريف في جبال القدس وغيرها كانوا جزءاً عضوياً من التركيبة الاجتماعية والسياسية فشاركوا في الانقسام إلى قيس ويمن بغض النظر عن الانتماء الطائفي هذه الظاهرة التي لاقت استغراب بعض المراقبين الأوربيين من رحالة وقناصل وغيرهم لم تلق اهتماماً كافياً حتى الآن من الباحثين في تاريخ فلسطين تخوف علماء القدس وأعيانها من ردة فعل الدولة العثمانية على حركة العصيان فقرروا شرح موقفهم وأسباب تمردهم للسلطان ورجال حكومته وكذلك لحاكم مصر محمد علي وعبد لله باشا والي صيدا وقد رد السلطان محمود الثاني بفرمانات دعا فيها الأهالي وزعمائهم إلى إنهاء الفتنة والرجوع عن العصيان أما سياسة العنف والبطش التي اتبعها مصطفى باشا في المنطقة فأدت إلى ازدياد التذمر من حكمه في دمشق أيضاً وخصوصاً من فئة التجار فرفع أهالي دمشق شكوى ضد هذا الباشا إلى الدولة العثمانية  كما شكاه الحجاج الذين تذمروا من قلة المؤن وعدم تأمين حماية القافلة لذا قررت الدولة  العثمانية الاستغناء عن خدماته بعدما عاد مع الحجاج إلى دمشق فعزل عن وظيفته وعين بدلاً منه ولي الدين باشا في أيلول/سبتمبر 1825

 

لم ينجح والي الدين باشا في إعادة الهدوء إلى المنطقة كما فشل في تأمين قافلة الحج التي هوجمت في طريق عودتها من الحجاز أما السلطان محمود الثاني الذي كان مشغولا بإجراء الإصلاح العسكري وبناء  الجيش النظامي الجديد بعد القضاء على الإنكشارية سنة 1826، فإنه توجه إلى عبد الله باشا والي صيدا طالبا منه بلهجة صارمة أن يقوم بإخماد العصيان في القدس ووافق حاكم عكا على تقديم هذه الخدمة للسلطان وأرسل جيشاً سنة قوامه 300من عساكره مع سبعة مدافع وتوقف قائد هذه الحملة وهو نائب الوالي ومساعده الأول الكتخدا أو الكيخيا في الرملة واتصل بآل غوش في قرية العنب لتأمين مرور جيشه من دون معارضة أو مقاومة من جهتهم ووصل جيش عبد الله إلى القدس وفرض حصاراً عليها وأرسل إلى علماء المدينة وأعيانها إن يستسلموا حقنا للدماء في الأراضي المقدسة لكن زعماء  التمرد الذين خافوا من العاقبة رفضوا طلب دخول فرقة من هذا الجيش إلى القلعة والسرايا رمزاًَ للخضوع وانتهاء العصيان ويشير الراهب اليوناني الذي ترك لنا تفصيلات دقيقة عن الأحداث إلى أن أهالي القدس شددوا في درهم على أنهم لن يسمحوا لعساكر أغراب أكانوا أتراكا أم من الألبان بأن يتحكموا فيهم مرة أخرى وكان الكيخيا الذي قاد جيش عبد الله باشا معنياً بإنهاء حركة العصيان بسرعة بحسب أوامر السلطان وكي لا يضطر إلى تمضية مدة طويلة في حصار هذه المدينة في ليالي الشتاء الباردة ولما ظل أهالي القدس على رفضهم الاستسلام أعطيت العساكر المحاصرة الأوامر بأن تقصف المتمردين في القلعة بالمدافع بعد ذلك أحضرت من عكا مدافع أقوى وأكبر وضعت على جبل الزيتون الطور لكن قنابلها لم تصل من هناك إلى داخل البلدة لذا أخذت المدافع تقصف بيوت العلماء والأعيان بدلا من قصف القلعة الحصينة وعندما طال الحصار والقتال وأرهبت القنابل والرصاص النساء والأولاد انقسم الثائرون إلى قسمين واحد أصر على استمرار القتال والمقاومة وآخر طلب التفاوض وإنهاء الاقتتال في النهاية خرج فريق من العلماء ووجوه البلدة إلى الكيخيا وتوصلوا إلى اتفاق  ينهي الاقتتال ويحفظ ماء وجه الطرفين لقد وافق أهالي القدس على وقف التمرد وإعلان خضوعهم للسلطان ومن يعينه حاكماً على المدينة في مقابل العفو العام وعدم معاقبة المشاركين في الثورة أما الضرائب التي كانت عاملاً مهماً في حركة العصيان فتقرر أن تكون وفق النظام القديم والمعتاد من دون زيادات باهظة على الأهالي من المدنيين وألا يتدخلوا في السياسة أو في شؤون الأهالي الأخرى أخيراً أقسم الطرفان وتعهدا بتنفيذ بنود هذا الاتفاق جميعاً وقرؤوا الفاتحة معا قبل أن يعود الفريق المفاوض لإعلام أهالي القدس بشروط المصالحة لم يقبل المسلحون الثائرون في القلعة شروط الصلح بسهولة لكنهم اقتنعوا في النهاية بأنه أفضل الموجود وبعد مهلة ثلاثة أيام قاموا بإخلاء القلعة من أمتعتهم وأغراضهم الخاصة كلها ونقلوها إلى بيوتهم وسلمت المدينة للكيخيا فقد خرج زعيما التمرد  يوسف أغا الجاعوني وأحمد أغا الدزادر وسلماه مفاتيح القلعة تعبيراً عن إنهاء الثورة وفي الحين أرسل الكيخيا ثلاثمائة جندي إلى القلعة ليرابطوا فيها وفقا للاتفاق أما زعيما التمرد المذكوران فأرسلا إلى عكا بطلب من عبد الله باشا كي يبت مصيرهما رسمياً  وقد حافظ والي عكا  على شروط الصلح وفرض عليهما عقوبة رمزية ألا يعودا إلى القدس وتم  نفي أحمد أغا العسلي إلى مدينة نابلس هكذا انتهت حركة التمرد التي بدأت في ربيع سنة 1825، فوصل متسلم إلى  المدينة من جانب والي الشام في 20كانون الأول 1826، وبهذا نفذ عبد الله باشا أوامر السلطان بإنهاء حركة العصيان في القدس وعادت الأمور إلى مجاريها بعد نحو عامين من الثورة وعدم الاستقرار في المنطقة  لقد ظلت عكا منذ أيام أحمد باشا الجزار  أقوى المعاقل السياسية والعسكرية  في بلاد الشام وتكرر بروز هذه الحقيقة المرة تلو الأخرى أيام الأزمات والتحديات الخارجية كما عند نشوب حركات العصيان  والتمرد المحلية في لواءي نابلس والقدس التابعين رسمياً لولاة الشام في مثل هذه الحالات كان السلطان يتوجه إلى ولاة عكا بطلب المساعدة في إعادة الهدوء والسيطرة العثمانية في المناطق المتمردة كما حدث في القدس سنة 1826، وقد كافأت الدولة عبد الله باشا على مساعدته بإضافة ولاية طرابلس إلى حكمه سنة 1827، ولما ازدادت تلميحات محمد علي باشا حاكم مصر إلى أنه سيقوم باحتلال  بلاد الشام بالقوة أضيقت ألوية فلسطين جميعها تحت سيطرة والي عكا مرة أخرى في أوائل القرن التاسع عشر لمواجهة خطر خارجي وحملة عسكرية مرتقبة من البلاد المصرية لكن هذه الخطوة في الوقت نفسه وضعت عبد الله باشا في خط المواجهة المباشر مع محمد علي باشا وطموحاته المعلنة إلى السيطرة على بلاد الشام

 

تاسعاً : في أعقاب التمرد وإلغاء الإنكشارية

 

في 28أيار  1826، أمر السلطان محمود الثاني ببناء جيش على الطراز الحديث ضمن سياسة الإصلاحات العسكرية سماه العساكر المنصورة المحمدية ووردت عساكر الإنكشارية على هذه الخطوة بإعلان الثورة في العاصمة العثمانية لكن السلطان الذي كان احتاط لمثل هذه الحركة  عمل بسرعة وأعطى الأوامر بإخماد العصيان والقضاء على جيش الإنكشارية واهتم بشرح ماجرى في إستنبول وإرسال الفرمانات إلى مختلف الولايات لتعميم أخبار سياسة الإصلاح وبناء جيش النظام الجديد وقد وصل فعلاً إلى القدس فرمانات بهذا الشأن في مجرم 1242هـ/آب  1826م، أي في خضم أحداث الثورة في المدينة ولا يبدو أن ما حدث في إستنبول بالنسبة إلى الإنكشارية كان له انعكاس كبير في بلاد الشام عامة فالوثائق تبين أن عساكر الإنكشارية ظلت موجودة في أنحاء متعددة من المنطقة بما فيها القدس على الرغم مما حدث في إستنبول ففي سنة 1813، مثلا شاركت عساكر من الإنكشارية في تمرد على سليم باشا والي الشام إذ اعتقدت أنه ينوي التخلص منها وتنفيذ سياسة إصلاحات جديدة وفي حلب لا تورد المصادر المتوفرة أي أخبار عن القضاء على الإنكشارية فيها بل أن بعض المصادر يذكر أن عساكر الإنكشارية بقيت هناك حتى أربعينيات القرن التاسع عشر  وكانت أحد الفرقاء المهمين في الصرعات الداخلية بشأن السلطة والقوة.

 

كان إنكشارية بلاد الشام بصورة عامة وبعض المدن الصغيرة كالقدس بصورة خاصة من المحليين يرليان فلم تعبأ الدولة كما يبدو بملاحقتهم والقضاء عليهم وحتى في دمشق نفسها فإن الإنكشارية في أوائل القرن التاسع عشر وكل ما طلبته الدولة بعد أحداث إستنبول سنة 1826، هو إجراء بعض الإصلاح في الولاية لتحسين أحوال الحكم والإدارة في المنطقة وضمن هذه السياسة جاءت أوامر الدولة بضرورة الكشف على أصحاب التيمار والإقطاعات عامة وكانت وظيفة هؤلاء بحسب العادة القديمة المشاركة في حفظ وحماية الحجاج إلى الحجاز كانت تقع على عاتقه واقتصر دور العساكر المحلية في لواءي نابلس والقدس وحماية زوار الأماكن المقدسة من مسلمين ومسيحيين وبما أنه لم يكن مطلوباً من هذه العساكر بمن فيهم الإنكشارية ومعظمهم محليون المشاركة في حروب الدولة ضد روسيا وفي البلقان وغيرهما من الجبهات لم تهتم الدولة بتطبيق الإصلاح العسكري على هذه العساكر مباشرة في أواخر العقد الثالث من القرن التاسع عشر في بداية 1827، عين حاكم جديد على ولاية الشام هو صالح باشا وهو صدر أعظم سابق فوصل إلى هناك ومعه  بعض المختصين العسكريين بشؤون الإصلاح وبإقامة فرق من النظام الجديد لكن على الرغم من الأهداف المتواضعة لسياسة الإصلاح في الشام فقد فشل صالح باشا في مهماته بسبب معارضة السكان من جهة وبسبب كوارث الطبيعة مثل الجراد والقحط وغلاء الأسعار من جهة أخرى ولما كانت  أمور الحجاج والاهتمام بتأمين خروج القافلة إلى  الحجاز وعودتها من هناك بسلام على رأس سلم أولويات الوالي أهملت القضايا الأخرى  وفي محاولة أخرى من الدولة لتعزيز أمور الضبط والربط في دمشق عين في آب 1828، رؤوف باشا والي حلب سابقاً خلفاً لصالح باشا وعلى الرغم من بقائه في منصبه ثلاثة أعوام فإن أمور الحكم والإدارة في الولاية لم تتحسن كثيراً أما في القدس فلم يكن الحال مختلفاً عما هو عليه في الشام أو عن الأحوال الماضية في هذه المدينة وكان متسلم القدس منذ سنة 1827، أباظة إبراهيم أغا الذي لم يتم استبداله عندما تولى صالح باشا الحكم في دمشق وقد ظل هذا المتسلم في منصبه عدة سنوات أعاد فيها بعض الاستقرار إلى اللواء بعد أحداث التمرد (1825-2826) بل أنه عين في وظيفته مدى الحياة مالكانة في خطو فريدة من نوعها بالنسبة إلى لواء القدس في محاولة من  الدولة ضبط أمور المنطقة لكن ما أخذ يقلق العثمانيين باطراد في هذا الوقت كان محاولات محمد علي باشا الحصول على حكم بلاد الشام كلياً بالإضافة إلى مصر بل أن حاكم مصر الذي أبلى جنوده في اليونان أشهراً وأعواماً في محاربة الثوار لم يخفِ نيته الحصول على حكم بلاد الشام بالقوة إذا لم يوافق السلطان على منحه إياها بحسب الاتفاق في مقابل دوره في محاربة اليونانيين على هذه الخلفية يجب أن نفهم الخطوات التي قامت بها الدولة العثمانية في بلاد الشام عامة وفي القدس خاصة في أواخر العقد الثالث من القرن التاسع عشر (1827-1830) كانت الدولة العثمانية كافأت عبد الله باشا على خدماته في إنهاء العصيان في القدس بالإضافة ولاية طرابلس إلى حكمه سنة 1827، فضلاً عن ولاية صيدا  وعلى الرغم من أنه لم يعين على حكم لواءي نابلس والقدس القريبين من عكا فإن نفوذه الفعلي في هذه المناطق كان أمراً معروفا للجميع لذا كانت الدولة تتوجه إلى ولاية عكا من حين إلى آخر لإنجاز مهمات وخدمات في جبال نابلس والقدس تصعب على ولاة الشام حكام المنطقة رسمياً ولما واجه رؤوف باشا والي الشام صعوبات في تحصيل الضرائب من أهالي القدس في سنة 1828، توجهت السلطات العثمانية بطلب إلى عبد الله باشا أن يقوم بجبايتها وإرسالها مباشرة إلى إستنبول أما في السنة التالية فقد عين والي الشام عثمان باشا نائبه في الحكم قائمقام ليرأس الدورة السنوية لجباية الضرائب بنفسه من ألوية جنين ونابلس والقدس واستغل عثمان باشا وجود نائبه في المنطقة لا لجباية ضرائب سنة 1829، فحسب بل لضبط أمور اللواء وتعزيز قبضة الحكم على الأهالي أيضاً ففي الخليل مثلاً تم تعيين متسلم هو محمد أغا لضبط أحوال المدينة المعروفة بعصيانها المستمر أما في القدس نفسها فقد أعيد أحمد أغا الدزدار إلى وظيفته في القلعة على الرغم من مشاركته قبل سنوات قليلة في قيادة تمرد أهالي القدس ثم عين بعد ذلك بفترة وجيزة متسلماً مؤقتاً  ووكيلاً للمتسلم بعد عزل أباظة إبراهيم أغا عن منصبه على الرغم مما ذكر سابقاً عن عدم تشدد السلطان في ملاحقة عساكر الإنكشارية في بلاد الشام فإنه البدء بسياسة تجنيد الأهالي في هذه المنطقة في العساكر المنصورة المحمدية التي أنشئت على أنقاض الإنكشارية في إستنبول لذا أرسلت الأوامر السلطانية إلى رؤوف باشا باختيار الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-20عاماً ليكونوا مقاتلين في هذا الجيش الحديث وكان العدد المطلوب من ولاية الشام ألف مجنداً لكن هذه المهمة التي ألقيت على عاتق رؤوف باشا لم تكن سهلة التنفيذ لأن الأهالي في نابلس والقدس رفضوا تقديم أولادهم لهذه  الخدمة العسكرية بل إن جنود القلعة ثار بعضهم مع الأهالي ضد محاولات متسلم اللواء تجنيد شباب من القدس بحسب أوامر السلطان أمام هذه المعارضة الشديدة لسياسة التجنيد العثمانية تراجعت الدولة عن طلبها واستبدلته بطلب المال أو البدل فكانت حصة لواء القدس 500،17 قرش وبعد حين تبين أن رؤوف باشا والي الشام لم ينجح في مهماته الإدارية أكثر من سابقه صالح باشا ولا سيما فيما يتعلق بحكم لواءي نابلس والقدس وإدارتهما.

 

وفي الفترة 1829-1830،نشب تمرد في جبل نابلس وخصوصاً من آل جرار في قلعة سانور على خلفية سياسة التجنيد المذكورة أعلاه وجباية الضرائب وفروض متنوعة ومرة أخرى اتجهت الأنظار إلى عبد الله باشا لإخماد التمرد في المنطقة في هذه المرحلة وبعد محاولات فاشلة متكررة من جانب ولاة الشام إعادة الاستقرار والهدوء في المنطقة قررت الدولة اتخاذ إجراء راديكالي ويبدو إن خطر هجوم محمد علي صار وشيكاً في تلك الأثناء فتقرر إلحاق سناجق جنين ونابلس والقدس إلى عبد الله باشا وفصلها عن ولاية الشام وقد اعتبر والي عكا هذا التعيين إحسانا سلطانياً في مقابل الخدمات التي قدمها في السنوات السابقة فطلب في مرسومه إلى أهالي القدس إظهار الفرح والسرور وعمل شنك عظيم لكن الأخبار سنة 1830كثرت عن استعدادات حاكم مصر لاحتلال بلاد الشام بعد أن فشل في إقناع السلطان بضمها إلى حكمه في مقابل مساعدته في محاربة ثوار اليونان ضد الدولة العثمانية لذا توجهت أنظار السلطان وولاته في بلاد الشام وعلى رأسهم عبد الله باشا في عكا إلى هذا الخطر وكيفية مواجهة الحملة المرتقبة هذه الحملة  التي قادها إبراهيم باشا ابن محمد علي في أواخر سنة 1831، وضعت حداً ولو موقتا لحكم الدولة العثمانية في بلاد الشام أما بالنسبة إلى عبد الله باشا فكانت ضربة قاضية لحكمه وكذلك لمكانة عكا وولاتها كأقوى مركز سياسي في بلاد الشام

 

عاشراً :الحملة المصرية وموقف أهالي القدس منها

 

بدأ اهتمام محمد علي باشا بضم بلاد الشام إلى حكمه في أعقاب نجاح عساكره في استعادة مكة من الوهابيين سنة 1813، لكن لما قوبلت تلميحاته إلى هذا الشأن بعدم القبول في إستنبول تراجع عن هذه الفكرة مؤقتاً غير أن مساعدة جيوش محمد علي للسلطان في إخماد ثورة اليونانيين في سنة 1824، حركت طموحات حاكم مصر التوسعية مجدداً وأما بعد حادثة تدمير الأسطولين العثماني والمصري في معركة نفارين البحرية سنة 1827، فقد ألح محمد علي ووكلاؤه في العاصمة العثمانية في ضرورة تسليمه حكم بلاد الشام كلها أو بعضها على الأقل وفي الوقت نفسه الذي بذل محمد علي الجهود والأموال في إستنبول للحصول على حكم بلاد الشام من السلطان فإنه أقام شبكة من العلاقات بأبناء النخب المحلية تمهيداً لسيطرته على المنطقة وكما ذكر سابقاً فإن بعض الولاة توجه إليه بطلب المساعدة مثل بشير الشهابي في جبل لبنان ومحمد باشا أبو المرق ويسف كنج باشا والي الشام وحتى عبد الله باشا والي عكا فقام بمساعدة كل واحد بشكل أو بآخر ولما لم تكن طموحات محمد علي إلى حكم المنطقة سراً خفياً وإنما مسألة معروفة وخصوصاً بعد مساعدته الدولة العثمانية في اليونان فقد سادت أجواء من ترقب امتداد حكم والي مصر إلى بلاد الشام.
فعلاً في أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر لذا ازدادت في هذه الفترة  مبادرات اتصال بعض رجال الإدارة والأعيان من هذه المنطقة بوالي مصر لطلب المساعدة وكان محمد علي يستجيب عادة لهذه الطلبات من أجل تعزيز شبكة المتعاونين معه في المستقبل وفي سنة 1826، كان محمد علي وافق على تمويل أعمال إعمار وترميم مقام النبي داود والمقبرة والغرف المجاورة للمقام والمعدة لاستقبال الزوار وقد كانت الواسطة لهذا العمل أبناء عائلة قطنية الذين اشتهروا بتجارة الصابون مع مصر وبعد أتمام العمل في المقام تم تسجيل تكاليف ما تم تنفيذه من أعمال البناء التي بلغت 26ألف قرش ولا تشير الوثائق المتوفرة إلى وجود علاقات خاصة بين عائلة الدجاني المقدسية المسؤولة عن ذلك المقام وبين محمد علي لكن مثل هذا العمل أدى بلا شك إلى زيادة نفوذ والي مصر عند آل الدجاني وكذلك عند الكثيرين من علماء القدس وأعيانها وعلى كل الأحوال فإن هذا العمل الذي قام به محمد علي في القدس يذكر بأعمال مشابهة قام بها سليمان باشا العادل في قبة الصخرة ومقام النبي داود ذلك بعشرة أعوام وعلى خلفية إلحاح محمد علي باشا في أن يمنح حكم بلاد الشام بعد انتهاء مسألة اليونان قامت الدولة العثمانية بتعيين عبد الله باشا والي صيدا حاكماً على ألوية جنين ونابلس والقدس فأصبحت أنحاء فلسطين كلها تحت السيطرة وكما استعان والي عكا سابقاً بمسعود الماضي وابنه عيسى على حكم شمال فلسطين فإنه قرر أيضاً الاستفادة من أبناء عائلة السعيد اليافاوية في حكم مناطق جنوب فلسطين التي صارت خط المواجهة الأول مع والي مصر وكان الشيخ سعيد المصطفى زعيم هذه العائلة اكتسب خبرة بحكم لواء غزة ويافا منذ أواسط العشرينيات من القرن التاسع عشر فنقله عبد الله باشا من يافا وعينه متسلماً على لواء القدس  في سنة 1830 ولما كانت الأخبار عن تجهيزات عساكر محمد علي للخروج إلى غزو بلاد الشام تتوارد إلى المنطقة فإن الأوامر صدرت إلى الشيخ سعيد المصطفى بالتشديد على تذاكر المرور خوفاً من دخول جواسيس والي مصر المنطقة وتغلغلهم فيها.

 

لم تمض مدة طويلة على تعيين سعيد المصطفى حاكماً للواء القدس حتى كثرت الشكاوى ضده فقام عبد الله باشا بعزله عن الحكم وقد جاء في كتاب عزله أنه ارتكب الأطوار المغايرة لرضانا وخالف الشريعة وأهان العلماء واستمع للمفسدين وتعدى على الأشراف وطمع على الرعايا والمخلوقات ويضيف عبد الله باشا في مرسومه إلى أهالي القدس أن الشيخ سعيد المصطفى كان متطمعاً على أموال خزينتنا وداخل عليه مبالغ كلية دنيا لذا استدعى هذا الشيخ إلى عكا حيث ألقى القبض عليه وعين مكانه متسلماً في لواء غزة الأسبق مملوكنا وولدنا محمد شاهين أغا ولم يكتف والي عكا بذلك بل أيضاً بإلقاء القبض على أخ وابن أخ سعيد المصطفى الموجودين في القدس وعلى من يوجد من أهله وأقاربه وبوضع اليد على جميع موجوداته وموجوداتهم من نقود وموجود من وخيل وأسلحة لم يدم طويلاً لأن إبراهيم باشا ابن محمد علي ومعاونيه الذين احتلوا المنطقة بعد حين أطلقوا هؤلاء وعينوهم حكاماً في غزة ويافا فهل كان لهؤلاء علاقات سرية سابقة بوالي مصر هذا السؤال لاتسعفنا المصادر المتوفرة بالمعلومات على الإجابة عنه  وفي ربيع سنة 1830، هربت مجموعة كبيرة من الفلاحين من إقليم الشرقية في مصر ووجدت ملجأ في نواحي جنوب فلسطين واستغل محمد علي باشا لجوء هؤلاء المصريين إلى مناطق حكم عبد الله باشا ليفتعل أزمة بشأن هذا الموضوع وطالب غريمه عبد الله بأن يعيد هؤلاء الفلاحين إلى الأراضي المصرية لكن حاكم عكا رد أن بلاده جزء من دولة السلطان ولذا فمن حق المصريين أن يسكنوها وأن يلجؤوا إليها متى شاؤوا وزاد محمد علي في دعايته ضد عبد الله باشا متهماً إياه بمساعدة أعدائه والتعدي على التجار المصريين وغيرهما من التهم أخيراً صدرت الأوامر العسكرية بالتحرك في 14تشرين الأول1831، وبدأت بذلك الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا التي أصبحت نقطة تحول نوعية في علاقات محمد علي  بالسلطان والدولة العثمانية تقدمت الجيوش المصرية من العريش إلى خان يونس ومنها إلى غزة فاحتلتها من دون مقاومة تذكر في أواخر تشرين الأول1813، وبعد أن دهمت عساكر محمد علي ناحية غزة ثم سارت على طريق الساحل في اتجاه يافا أصدر عبد الله باشا أمراً بيورلدي إلى علماء القدس وأعيانها بشأن حركة مغضوب مولانا السلطان وتعكس ضرورة محاربته

 

حرج موقفه إلى حد كبير فعلى الرغم من تطمين الأهالي إلى أن الفرمانات السلطانية صدرت إلى ولاة الشام وحلب وقائد الأسطول العثماني قبطان باشا أن يخرجوا لمحاربة عسكر محمد علي براً وبحراً فإن والي عكا أخذ يستنجد أيضاً بمشايخ نواحي سنجق القدس ومشايخ جبل نابلس لمواجهة هذا اللعين الخارجي عاصي الله والسلطان وقد ضمت مراسلة عبد الله باشا إلى أهالي القدس دعاية واضحة لإثارة حميتهم في مقاومة عساكر محمد علي باشا فذكر الأهالي بأن هذا الخاسر معلوم حاله بارتكاب المنكرات والفضائح المغايرة نظير معاملته في الأقاليم المصرية ثم يوضح بعد ذلك ما هو مطلوب فيقول وتحافظوا على هذه المدينة المشرفة إذا تخطاها أحد من عساكره قليل أو جليل فتنهضوا بغيرة دينية وحمية إسلامية بدفعه وقتاله وليعلم الجميع أن من قتل منكم فهو شهيد والمغازي سعيد وقتيل الأعداء هالك أما إذا تجرأ أحد على التعاون مع مغضوب السلطان بالجهر أو بالسر فيكون خارجي وارتكب جناية مهلكة

 

وتفصيلات الحملة العسكرية البرية  والبحرية  ومحاصرة عكا ستة أشهر كاملة حتى سقوطها ثم احتلال بقية بلاد الشام سنة 1823، معروفة ومدونة تخرج عن نطاق هذا البحث وما يهمنا هنا من تاريخ القدس تلك الفترة هو رصد وتسجيل موقف الأهالي من هذا الصراع بين محمد علي باشا وبين السلطان وولاته وخصوصاً في تلك الأشهر حين كانت عساكر والي مصر تحاصر عكا فإبراهيم باشا نجل محمد علي أخذ يتصرف كأنه حاكم هذه البلاد من قبل أن تحتل عساكره مدينة عكا فأول مرسوم صدر عنه من معسكره في حيفا سحراي حيفا واحتفظت به سجلات المحكمة الشرعية في القدس يعود إلى تاريخ 15جمادى الثانية 1247هـ/21تشرين الثاني 1831هذه الرسالة مرسوم كلها تطمين وتهدئة للسكان في القدس وموضوعها الأساسي إبقاء شاهين أغا المتسلم الذي عين لحكم اللواء في وظيفته هذا المتسلم وعلى الرغم من كونه أحد رجال عبد الله باشا ومن مقربيه فإنه وصف بأنه صبور ومعروف بالرشد وسداد الرأي فطولب بـ إبطال الباطل وإحقاق الحق المستقيم وأداء الخدمات المرضية وصيانة الأموال الميرية  لكن إبقاء شاهين أغا متسلماً للقدس لم يستمر طويلاً فبعد  بداية حصار عكا بقليل ورد مرسوم جديد من ديوان معسكر إبراهيم باشا هناك بتعيين يحيى بك آلاي بك القدس سابقاً ليكون متسلما بحسب طلب الأهالي يقع ضمن محاولات إبراهيم باشا تطمين السكان وكسب ودهم وتعاونهم في تلك الأيام غلب على مواقف أهالي القدس حالة من الترقب والانتظار حتى تظهر نتائج هذا الصراع بين جيوش محمد علي وعساكر السلطان وولاته

 

  في نابلس وجبلها كانت عائلة طوقان تضررت من سياسة عبد الله باشا والي عكا فأرسلت إلى العريش أحد أبنائها لاستقبال إبراهيم باشا والتعاون مع جيشه وفي فترة لاحقة قدم أعيان نابلس في معظمهم وهم من الآغوات والبكوات خضوعهم للسر عسكر وإن بعضهم تعاون مع إبراهيم باشا فعلياً وقدم له المساعدات بمختلف الأشكال وقد برز هؤلاء بصورة خاصة الشيخ حسين عبد الهادي الذي أصبح خلال فترة الحكم المصري أقوى شخصية سياسية في فلسطين كافة أما في القدس ونواحيها فاختلفت الصورة عما كانت عليها في نابلس وقد وردت في البداية أخبار عن تقدم مشايخ نواحي جبل القدس البارزين أبو غوش والسمحان واللحام بطلب الخضوع والولاء لإبراهيم باشا لكن المصدر نفسه أضاف أن علماء القدس وأعيانها لم يردوا حتى ذلك الوقت على المرسوم المرسل إليهم ففي القدس كانت عائلات العلماء والأشراف أفنديات هي النخبة القوية صاحبة النفوذ في المدينة واللواء وقد كان لهؤلاء مصالح وعلاقات قوية بالدولة العثمانية التي اهتمت بالأماكن المقدسة وبرواتب كثيرين من الموظفين الذين يقومون على رعايتها كما أن بعد القدس عن عكا مقارنة بنابلس وقدسيتها الدينية  جعلا أهالي المدينة هذه المنطقة أقل تعرضاً لتعسف عبد الله باشا خلال سنوات حكمه السابقة هذه الأسباب كلها دفعت أهالي القدس وخصوصاً علماءها إلى اتخاذ موقف مغاير من إبراهيم باشا على الأقل حتى سقوط عكا في أيار/مايو 1832. كان محمد علي الذي أراد تأمين دعم  الدول العربية الأوروبية لحملته على بلاد الشام أو على الأقل عدم معارضتها أعلن لقناصل هذه الدول في الإسكندرية قبل خروج جيوشه إلى تلك الحملة أنه سيقوم بإلغاء الضرائب والفروض الخاصة المفروضة على أهل الذمة كافة وفي كانون الأول 1831، وصلت إلى القدس فرقة صغيرة من عساكر محمد علي بزيها الأوربي الحديث  وأعلن قائدها للأهالي أن إبراهيم باشا ينوي إلغاء الفروض والعادات المفروضة على اليهود والمسيحيين.

 

إن سياسة كهذه هي زعزعة للنظام الاجتماعي القائم في المدينة منذ أجيال لكن الأهم من ذلك أنها كانت تعني خسارة مادية كبيرة لعلماء القدس وأعيانها وكذلك لمشايخ النواحي  وعلى رأسهم أبو غوش لذا لم يكن غريباً ولا مفاجئاً أن يكون موقف أهالي القدس المسلمين متحفظاً بل معادياً بعض الشيء على هذه الخلفية لاقت المراسلات المحرضة للأهالي ضد غزو محمد علي وخروجه على طاعة السلطان آذاناً صاغية في القدس أكثر من غيرها بل إن بعض الأخبار ذكر أن عائلة أبو غوش التي تخوفت من خسارة دخلها من ضريبة الفغر هددت بالعصيان والثورة على إبراهيم باشا أما أبرز علماء القدس أيام الحملة المصرية فكان موسى أفندي الخالدي قاضي عسكر الأناضول والمقرب من رجال الدولة العثمانية في إستنبول وعلى رأسهم السلطان محمود الثاني وفي القدس نفسها برزت شخصية عمر أفندي الحسيني نقيب الأشراف الذي كان متزوجاً برقية إحدى بنات موسى أفندي الخالدي هاتان العائلتان الخالدي والحسيني مع غيرهما من عائلات القدس ارتبطت مصالحها بالأوقاف والوظائف الدينية وغيرها من المصالح المرتبطة بالنظام العثماني هذا الوضع لم يكن خافياً على إبراهيم ورجاله خلال حصارهم عبد الله باشا والي عكا لكن قائد الحملة المصرية فضل في ذلك الوقت استعمال الحكمة والسياسة مع أهالي القدس بدلاً من القوة والقمع فقبل اختيارهم مثلاً ليحيى بك عقل خلفاً للمتسلم شاهين أغا كما تجاهل استمرار علماء القدس وأعيانها في تسير أمور اللواء حينذاك وفق النظام القديم بما في ذلك جباية الضرائب والفروض والهدايا المعتادة من الطوائف المسيحية واليهودية وكي لا يفلت زمام الأمور في الأماكن المقدسة نقل إبراهيم باشا فرقتين عسكريتين من يافا إلى القدس وطلب في الوقت نفسه تعزيزات عسكرية من والده في مصر وكان لسقوط عكا وزحف إبراهيم باشا بعساكره إلى دمشق واحتلالها في حزيران 1832، وقع كبير على أهالي القدس والمنقطة وقد ذكر الراهب القبرصي الذي عاصر هذه الأحداث أن الأهالي احتفلوا بسقوط عكا فرحاً ورقصاً في الشوارع والحارات خمسة أيام وأن مسلمين شاركوا في هذه الاحتفالات إلى جانب الروم الأرثوذكس واللاتين والكاثوليك والأرمن واليهود وقد كان للمسيحيين واليهود أسباب كافية وواضحة للمشاركة في هذه الاحتفالات وذلك بأن الحكم المصري يبشر بالإصلاحات ووعد بمساواة أهل الذمة بغيرهم  كما أن إدارة محمد علي لبلاد الشام فتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الأوربي في هذه المنطقة أما زعماء المسلمين من علماء وأعيان فلم يخفوا قلقهم إزاء نتائج السياسات الجديدة التي سيطبقها حاكم مصر على مكانتهم  ومصادر دخلهم من الضرائب والعائدات والهدايا التي جبوها من رؤساء الطوائف المسيحية واليهودية.
  لم تمض مدة طويلة حتى تبين أن تلك المخاوف تحققت وأن الإدارة  المصرية أضرت بمصالح النخب المحلية التي كانت شريكة فعلية في الحكم العثماني حتى ذلك الوقت وحتى مشايخ نابلس وأعيانها الذين تعاونوا مع إبراهيم باشا وعساكره في البداية اكتشفوا في معظمهم أن النظام والإدارة الجديدين اللذين أرساهما محمد علي لم يتركا لهم مجالا للمحافظة على مكانتهم ومصالحهم لذا وجدنا أبناء النخب في لواءي نابلس والقدس وغيرهما من أنحاء فلسطين يتزعمون الثورة التي نشبت ضد الحكم المصري في ربيع سنة 1834، لكن الحديث عن ماهية  تلك السياسة التي اتبعتها إدارة محمد علي في البلاد    وثورة الأهالي ضدها يخرج عن نطاق هذه الدارسة وهذا الفصل الذي رسم معالم مسرح الأحداث الزمان والمكان والسكان كما تناول أهم أحداث التي شاهدتها القدس منذ حملة نابليون حتى حملة محمد علي

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »