الرحّالة ناصر خسرو في القدس... في العام 1047 ميلادية (1)

تاريخ الإضافة الأربعاء 12 آذار 2008 - 3:09 م    عدد الزيارات 20644    التعليقات 0

        

 

 

ناصر خسرو رحّالة من أصل فارسيّ، يعتبر كتابه المشهور "سفر نامة" (زاد المسافر) من أهمّ مصادر تاريخ القدس في العصر الوسيط، تحديداً في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، القرن الذي شهد في نهايته العدوان الصليبي على العالم الإسلامي.

 

كان وزيراً في خراسان، وصاحب مناصب حكومية كبيرة في عهد الدولتيْن "الغنزوية، والسلجوقية" في خراسان، وقد اعتزل كلّ الأعمال والمناصب وقرّر القيام برحلته الشهيرة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز في ربيع الآخر 437هـ/1045م، زار بيت المقدس ومنها إلى بلاد الحجاز حيث أدّى فريضة الحج ثمّ عاد إلى القدس، واستغرقت رحلته تلك سبع سنوات كانت خلال حكم الفاطميّين لمصر والشام، وفي عهد الخليفة المستنصر بالله، يحتوي كتابه سفر نامة على أهمّ أحداث رحلة الـ"سبع سنوات".

 

وقد تكون إشارته الواضحة من خلال زيارته للقدس في كتابه هي أهمّ ما يعني العالم لإدراك حقيقة ثابتةً مفادها أنّه من خلال وجوده وبحثه واطّلاعه ينفي وجود أيّ تجمّعٍ يهوديّ أو ملكيّتهم لأراضي في القدس، وكذلك عدم وجود أيّ مستوطنةٍ أو جيتو يهودي، وقد اقتصر وجود الحجّاج المسيحيين واليهود المؤقّت في المدينة المقدسة على أداء مناسك الحجّ ثم العودة من حيث أتوا، يقول ناصر خسرو في هذا الموضوع: (كذلك يأتي لزيارة بيت المقدس من ديار الروم كثيرٌ من النصارى واليهود وذلك لزيارة الكنيسة والكنيس)، وهذا يؤكّد أنّ القدس وسائر مدن فلسطين بقيَت محرّمة على اليهود بعد طرد منْ بقِيَ فيها من اليهود وقتلهم على يد الإمبراطور الروماني تيتوس، ومن بعده بقوة القائد يوليوس سيفروس في عهد الإمبراطور هادريان الذي حطّم ودمّر ثورة "باركوكبا "ابن النجوم" آخر ثورات اليهود ضدّ الرومان في فلسطين، ولم يعدْ لهمْ من ذكرٍ ووجود في مدينة القدس حتى الفتح الإسلامي للشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

 

ومن طريف ما ذكَر في كتابه إشارته إلى أنّ بعض المسلمين الذين لا يستطيعون أداء فريضة الحج في مكة والوقوف بعرفات وذبح أضحياتهم، كانوا يذهبون في شهر ذي الحجة إلى القدس ويقومون بالوقوف هناك ويضحّون أيضاً كالعادة، وقال إنّ حوالي 20 ألف مسلم وأبناءَهم كانوا يقيمون هذه الشعائر في مدينة القدس.

 

وفيما يلي نصّ ما ورد في كتاب سفر نامة حول وصف الرحّالة ناصر خسرو لبيت المقدس، على أنْ نورد في نصٍّ لاحق وصفه لدكّة المسجد الأقصى ولقبّة الصخرة المشرّفة:

 

يقول ناصر خسرو في وصفه للمسجد الأقصى:

(هي مدينة مشيّدة على قمة الجبل، ليس بها ماء غير الأمطار، ورساتيقها ذات عيون، وأمّا المدينة فليس بها عين، فإنّها على رأس صخري، وهي مدينة كبيرة كان بها عشرون ألف رجل، وبها أسواق جميلة وأبنية عالية، وكلّ أرضها مبلّطة بالحجارة، وقد سوّوا الجهات الجبلية والمرتفعات وجعلوها مسطّحة بحيث تغسل الأرض كلّها وتنظّف حين تنزل الأمطار.

 

وفي المدينة صنّاع كثيرون، لكلّ جماعةٍ منهم سوق خاصة، والجامع شرقي المدينة وسوره هو سورها الشرقي، وبعد الجامع سهلٌ مستوٍ يسمّى "الساهرة"، يقال إنّه سيكون ساحة القيامة والحشر، ولهذا يحضر إليه خلق كثيرون من أطراف العالم ويقيمون به حتى يموتوا فإذا جاء وعد الله كانوا بأرض الميعاد "اللهم عفوك ورحمتك بعبيدك ذلك اليوم يا رب العالمين".

 

وعلى حافة هذا السهل قرافة عظيمة، ومقابر كثير من الصالحين يصلّي بها الناس ويرفعون بالدعاء أيديهم فيقضي الله حاجاتهم، "اللهم تقبّل حاجاتنا واغفر ذنوبنا وسيّئاتنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين" وبين الجامع وسهل الساهرة وادٍ عظيم الانخفاض كأنّه خندقٌ وبه أبنية كثيرة على نسق أبنية الأقدمين.

 

ورأيت قبّةً من الحجر المنحوت مقامة على بيتٍ لم أرَ أعجب منه، حتى أنّ الناظر إليها ليسأل نفسه كيف رُفِعت في مكانها؟ ويقول العامّة: إنّها بيت فرعون، واسم هذا الوادي "وادي جهنم"، وقد سألت عمّنْ أطلق هذا اللقب عليه فقيل: إنّ عمر رضي الله عنه أنزل جيشه أيام خلافته في سهل الساهرة هذا، فلما رأى الوادي قال: هذا وادي جهنم، ويقول العوام: إنّ من يذهب إلى نهايته يسمع صياح أهل جهنم، فإنّ الصدى يرتفع من هناك، وقد ذهبت فلم أسمعْ شيئاً.! وحين يسير السائر من المدينة جنوباً مسافة نصف فرسخٍ وينزل المنحدر، يجد عين ماءٍ تنبع من الصخر، تسمّى "عين سلوان".

 

وقد أقيمت عندها عمارات كثيرة، ويمرّ ماء هذه العين بقريةٍ شيّدوا فيها عماراتٍ كثيرة وغرَسوا بها البساتين، ويقال: إنّ منْ يستحمّ من ماء هذه العين يُشفى مما ألمّ به من الأوصاب والأمراض المزمنة، وقد وقفوا عليها مالاً كثيراً. وفي بيت المقدس مستشفى عظيم عليه أوقاف طائلة، ويصرف لمرضاه العديدين العلاج والدواء، وبه أطباء يأخذون مرتباتهم من الوقف.

 

وهذا المستشفى ومسجد الجمعة يقعان على حافة وادي جهنم، وحين ينظر السائر من خارج المسجد يرى الحائط المطلّ على هذا الوادي يرتفع مائة ذراع من الحجر الكبير الذي لا يفصله عن بعضه ملاط أو جص، والحوائط داخل المسجد ذات ارتفاع مستو.

 

وقد بُنِي المسجد في هذا المكان لوجود الصخرة به، وهي الصخرة التي أمَر الله عز وجل موسى عليه السلام أنْ يتّخذها قبلة، فلمّا قضى هذا الأمر واتّخذها موسى قبلةً لم يعمّر كثيراً بل عجلت به المنيّة، حتى إذا كانت أيام سليمان عليه السلام وكانت الصخرة قبلة، بنى مسجداً حولها بحيث أصبحت في وسطه، وظلّت الصخرة قبلةً حتى عهد نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكان المصلّون يولّون وجوههم شطرها إلى أنْ أمرهم الله تعالى أنْ يولّوا وجوههم شطر الكعبة وسيأتي وصف ذلك المكان.

 

وقد أردت أنْ أقيس هذا المسجد، ولكنّي آثرت أنْ أتقن معرفة هيئته ووضعه أولاً ثم أقيسه، فلبثت فيه زمناً أمعن النظر، فرأيت عند الجانب الشمالي بجوار قبة يعقوب عليه السلام طاقاً مكتوباً على حجر منّه أنّ طول هذا المسجد أربع وخمسون وسبعمائة ذراع، وعرضه خمس وخمسون وأربعمائة ذراع، وذلك بذراع الملك المسمّى في خراسان "كزشايكان" وهو أقلّ قليلاً من ذراع ونصف الذراع.

 

وأرض المسجد مغطّاة بحجارة موثوقة إلى بعضها بالرصاص، والمسجد شرق المدينة والسوق، فإذا دخل السائر من السوق فإنّه يتّجه شرقاً فيرى رواقاً عظيماً جميلاً ارتفاعه ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون، وللرواق جناحان وواجهتاهما وإيوانه منقوشة كلّها بالفسيفساء المثبتة بالجصّ على الصورة التي يريدونها وهي من الدقة بحيث تبهر النظر.

 

ويرى على هذا الرواق كتابة منقوشة بالمينا، وقد كتب هناك لقب سلطان مصر، فحين تقع الشمس على هذه النقوش يكون لها من الشعاع ما يحيّر الألباب، وفوق الرواق قبة كبيرة من الحجر المصقول، وله بابان مزخرفان وواجهتاهما من النحاس الدمشقي الذي يلمع حتى لتظنّ أنّهما طُلِيا من الذهب، وقد طعّما بالذهب وحلّيا بالنقوش الكثيرة، وطول كلّ منهما خمس عشرة ذراعاً وعرضه ثمان، ويسميان "باب داود" عليه السلام، وحين يجتاز السائر هذا الباب، يجد على اليمين رواقيْن كبيرين في كلّ منهما تسعة وعشرون عموداً من الرخام، تيجانها وقواعدها مزينة بالرخام الملوّن ووصلاتها مثبتة بالرصاص.

 

وعلى تيجان الأعمدة طيقان حجرية، وهي مقامة فوق بعضها بغير ملاطٍ وجصّ، ولا يزيد عدد حجارة الطاق منها على أربع أو خمس قطع، وهذان الرواقان ممتدّان إلى المقصورة، ثم يجد على اليسار وهو ناحية الشمال رواقاً طويلاً به أربعة وستون طاقاً كلّها على تيجان أعمدة من رخام، وعلى هذا الحائط نفسه باب آخر اسمه "باب السقر".

 

وطول المسجد من الشمال إلى الجنوب وهو ساحة مربعة إذا اقتطعت المقصورة منه، والقبلة في الجنوب، وعلى الجانب الشمالي بابان آخران متجاوران عرض كل منهما سبع أذرع، وارتفاعه اثنتا عشرة ذراعاً، ويسمّيان "باب الأسباط" فإذا اجتازه السائر، وذهب مع عرض المسجد الذي هو جهة المشرق، يجد رواقاً عظيماً كبيراً به ثلاثة أبواب متجاورة في حجم باب الأسباط، وكلّها مزيّنة بزخارف من الحديد والنحاس قلّ ما هو أجمل منها تسمّى "باب الأبواب" لأنّ للمواضع الأخرى بابين وله ثلاثة.

 

وبين هذين الرواقين الواقعين على الجانب الشمالي، في الرواق ذي الطيقان المحمّلة على أعمدة الرخام، قبة رفعت على دعائم عالية، وزيّنت بالقناديل والمسارج تسمّى "قبة يعقوب" عليه السلام لأنه كان يصلّي هناك، وفي عرض المسجد رواق في حائطه باب خارجه صومعتان للصوفية، وهناك مصليات ومحاريب جميلة يقيم بها جماعة منهم، ويصلّون ولا يذهبون للجامع إلا يوم الجمعة، لأنّهم لا يسمعون التكبير حيث يقيمون، وعند الركن الشمالي للمسجد رواق جميل وقبة جميلة لطيفة: "هذا محراب زكريا عليه السلام" ويقال: إنّه كان يصلّي هناك دائماً، وعند الحائط الشرقي وسط الجامع رواق عظيم الزخرف من الحجر المصقول حتى لتظنّ أنّه نٌحِت من قطعة واحدة، ارتفاعه خمسون ذراعاً وعرضه ثلاثون عليه نقوش ونقر وله بابان جميلان لا يفصلهما أكثر من قدمٍ واحدة وعليهما زخارف كثيرة من الحديد والنحاس الدمشقي وقد دقّ عليهما الحلق والمسامير، ويُقال: إنّ سليمان بن داود عليهما السلام بنى هذا الرواق لأبيه.

 

وحين يدخل السائر هذا الرواق متّجهاً ناحية الشرق، فالأيمن من هذين البابين هو "باب الرحمة" والأيسر "باب التوبة" ويقال: إنّ هذا الباب هو الذي قبل الله تعالى عنده توبة داود عليه السلام، وعلى هذا الرواق مسجد جميل كان في وقتٍ ما دهليزاً فصيّروه جامعاً وزيّنوه بأنواع السجاد، وله خدم مخصوصون ويذهب إليه كثيرٌ من الناس ويصلّون فيه ويدعون الله تبارك وتعالى، فإنّه في هذا المكان قبِل توبة داود وكلّ إنسان هناك يأمل في التوبة والرجوع عن المعاصي.

 

ويقال: إنّ داود عليه السلام لم يكدْ يطأ عتبة هذا المسجد حتى بشّره الوحي بأنّ الله سبحانه وتعالى قد قبِل توبته، فاتّخذ هذا المكان مقاماً وانصرف إلى العبادة، وقد صلّيت "أنا ناصر" في هذا المقام، ودعوت الله تعالى أنْ يوفّقني لطاعته، وأنْ يغفر ذنبي، الله سبحانه وتعالى يهدي عباده جميعاً لما يرضاه، ويغفر لهم ذنوبهم بحقّ محمد وآله الطاهرين.

 

وحين يمضي السائر بحذاء الجدار الشرقي إلى أنْ يبلغ الزاوية الجنوبية عند القبلة التي تقع على الضلع الجنوبي، يجد أمام الحائط الشمالي مسجداً بهيئة السرداب، ينزل إليه بدرجاتٍ كثيرة مساحته عشرون ذراعاً في خمس عشرة وسقفه من الحجر مرفوع على أعمدة الرخام، وبهذا السرداب مهد عيسى عليه السلام وهو من الحجر، كبيرٌ بحيث يصلّي عليه الناس، وقد صلّيت هناك، وقد أحكم وضعه في الأرض حتى لا يتحرّك، وهو المهد الذي أمضى فيه عيسى طفولته وكلّم الناس منه، وهو في المسجد مكان المحراب.

 

وفي الجانب الشرقي من هذا المسجد "محراب مريم" عليها السلام، وبه محرابٌ آخر لزكريا عليه السلام وعلى هذيْن المحرابيْن آيات القرآن التي نزلت في حق زكريا ومريم.

 

ويُقال: إنّ عيسى عليه السلام وُلِد بهذا المسجد، وعلى حجرٍ من عُمده نقش إصبعيْن كأنّ شخصاً أمسكه، ويقال إنّ مريم أمسكته بإصبعيها وهي تلد.

ويُعرَف هذا المسجد بمهد المسيح عليه السلام، وبه قناديل كثيرة من النحاس والفضّة توقَد كلّ مساء.

 

حين يخرج السائر من هذا المسجد، متّبعاً الحائط الشرقي، يجد عندما يبلغ زاوية المسجد الكبير مسجداً آخر عظيماً جداً، أكبر مرتيْن من مسجد مهد عيسى يسمى "المسجد الأقصى" وهو الذي أسرى الله عز وجل بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من مكّة إليه، ومنه صعد إلى السماء كما جاء في القرآن: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. الإسراء 1).

 

وقد بنوا به أبنيةً غاية في الزخرف، وفُرِش بالسجاد الفاخر، ويقوم عليه خدم مخصوصون يعملون به دوماً.

 

وحين يعود السائر إلى الحائط الجنوبي على مائتيْ ذراع من تلك الزاوية، يجد سقْفاً، وهناك ساحة المسجد، وأمّا الجزء المسقوف من المسجد الكبير والذي به المقصورة فيقع عند الحائطين الجنوبي والغربي، وطول هذا الجزء عشرون وأربعمائة ذراع، وعرضه خمسون ومائة ذراع، وبه ثمانون ومائتا عمود من الرخام، على تيجانها طيقان من الحجارة.

 

وقد نقشت تيجان الأعمدة وهياكلها وثبتت الوصلات فيها بالرصاص في منتهى الإحكام، وبين كل عموديْن ست أذرع مغطاة بالرخام الملون الملبس بشقاق الرصاص.

 

والمقصورة في وسط الحائط الجنوبي وهي كبيرة جداً تتّسع لستة عشر عموداً، وعليها قبة عظيمة جداً منقوشة بالمينا على نسق ما وصفت، وهي مفروشة بالحصير المغربي، وبها قناديل ومسارج معلقة بالسلاسل، ومتباعدة بعضها عن بعض، وبها محراب كبير منقوش بالمينا، وعلى جانبيْه عمودان من الرخام لونهما كالعقيق الأحمر، وإزار المقصورة كلّه من الرخام الملوّن.

 

وعلى يمينه "محراب معاوية"، وعلى يساره "محراب عمر"، وسقف هذا المسجد مغطّى بالخشب المنقوش المحلّى بالزخارف، وعلى باب المقصورة وحائطها المطلين على الساحة خمسة عشر رواقاً، عليها أبواب مزخرفة ارتفاع كلّ منها عشر أذرع، وعرضه ستّ، عشرة من هذه الأبواب تفتح على الجدار الذي طوله عشرون وأربعمائة ذراع، وخمسة منها على الجدار الذي طوله خمسون ومائة ذراع.

 

وقد زيّن باب منها غاية الزينة، وهو من الحسن بحيث تظنّ أنّه من ذهب، وقد نقش بالفضة وكتب عليه اسم الخليفة المأمون، ويقال: إنّه هو الذي أرسله من بغداد، وحين تفتح الأبواب كلّها ينير المسجد حتى لتظنّ أنّه ساحة مكشوفة، أمّا حين تعصف الريح وتمطر السماء وتغلق الأبواب فإنّ النور ينبعث للمسجد من الكوّات، وعلى الجوانب الأربعة من الحرم المسقوف صناديق من مدن الشام والعراق، يجلس بجانبها المجاورون كما هو الحال في المسجد الحرام بمكّة شرّفها الله تعالى، وخارج هذا الحرم، عند الحائط الكبير الذي مرّ ذكره، رواقٌ به اثنان وأربعون طاقاً، وكلّ أعمدته من الرخام الملون، وهذا الرواق متصل بالرواق المغربي.

 

وتحت الأرض في الحرم المسقوف حوضٌ عُمِل بحيث يكون في مستوى الأرض حين يغطّى، وقد بُنِي لتُجمَع فيه مياه المطر، وعلى الحائط الجنوبي باب يؤدّي إلى ميضأة يذهب إليها منْ يحتاج إلى الوضوء فيجدّده، وذلك لأنّه لا يلحق الصلاة إذا هو خرج من المسجد ليتوضّأ، إذْ أنّ كبر المسجد يفوت عليه الصلاة إذا اجتازه، وكلّ الأسقف ملبسة بالرصاص.

 

وقد حفرت في أرض المسجد أحواضٌ وصهاريج كثيرة، فإنّ المسجد مشيّدٌ كلّه على صخرةٍ يتجمّع فيها ماء المطر فلا تضيع منه قطرة وينتفع به الناس.

 

وهناك ميازيب من الرصاص ينزل منها الماء إلى أحواض حجرية تحتها، وقد ثقبت هذه الأحواض ليخرج منها الماء ويصبّ في الصهاريج بواسطة قنوات بينها، غير ملوّث أو عفن، وقد رأيت على بعد ثلاثة فراسخ من المدينة صهريجاً كبيراً تنحدر إليه المياه من الجبل وتتجمّع فيه، وقد أوصلوه بقناة إلى المسجد حيث يوجد أكبر مقدار من مياه المدينة.

 

وفي المنازل كلّها أحواض لجمع ماء المطر، إذ لا يوجد غيره هناك، ويجمع كلّ إنسان ما على سطح بيته من مياه، فإنّ ماء المطر هو الذي يستعمل في الحمامات وغيرها.

 

والأحواض التي بالمسجد لا تحتاج إلى عمارة أبداً لأنّها من الحجر الصلب، فإذا حدث فيها شق أو ثقب أحكم إصلاحه حتى لا تتخرّب، ويُقال: إنّ سليمان عليه السلام هو الذي عمل هذه الأحواض، وقد جعل القسم الأعلى منها على هيئة التنور، وعلى رأس كلّ حوض غطاء من حجر حتى لا يسقط فيه شيء، وماء هذه المدينة أعذب وأنقى من أيّ مكان آخر، والميازيب تستمرّ في قطر المياه يومين أو ثلاثة ولو كان المطر قليلاً إلى أنْ يصفو الجوّ وتزول آثاره السيئة، وحينئذ يبدأ المطر.

 

قلت: إنّ مدينة بيت المقدس تقع على قمة جبل، وإنّ أرضها غير مستوية، أمّا المسجد فارضه مستوية، فخارج المسجد عندما تكون الأرض منخفضة يرتفع حائطه إذْ يكون أساسه في أرض واطئة، وحيثما تكون الأرض مرتفعة يقصر الجدار.

 

وفي الجهات الواطئة من أحياء المدينة فتحوا في المسجد أبواباً كأنّها ثقب تؤدّي لساحته، ومن هذه الأبواب ما يسمّى "باب النبي" عليه الصلاة والسلام وهو بجانب القبلة أيْ في الجنوب، قد عمل بحيث يكون عرضه عشر أذرع، وأمّا ارتفاعه فسيتفاوت حسب المكان، فهو في مكان خمس أذرع، أي علو سقف هذا الممر، وفي مكان آخر عشرون، والجزء المسقوف من المسجد الأقصى مشيّد فوق هذا الممر، وهو محكم بحيث يتحمّل أنْ يقام فوقه بناء بهذه العظمة من غير أنْ يؤثّر فيه قط.

 

وقد استخدمت في بنائه حجارة لا يُصدّق العقل كيف استطاعت قوة البشر نقلها واستخدامها، ويُقال: إنّ سليمان بن داود عليهما السلام هو الذي بناه، وقد دخل منه نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى المسجد ليلة المعراج، وهذا الباب على جانب طريق مكة.

وعلى الحائط بقرب هذا الباب نقشٌ لمجنٍّ كبير يُقال: إنّ حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- كان جالساً هناك وعلى كتفه المجنّ وظهره مسند إلى الحائط، وأنّ هذا نقش مجنّه.

 

وعند بوابة المسجد حيث هذا الممر عليه باب ذو مصراعين، يبلغ ارتفاع الجدار من الخارج ما يقرب من خمسين ذراعاً، وقد قصد بهذا الباب أنْ يدخل سكان المحلة المجاورة لهذا الضلع من المسجد، فلا يلجؤون إلى الذهاب لمحلةٍ أخرى حين يريدون دخوله، وعلى الحائط الذي يقع يمين الباب حجر ارتفاعه خمس عشرة ذراعاً، وعرضه أربع أذرع، وليس في المسجد حجر أكبر منه، وفي الحائط على ارتفاع ثلاثين أو أربعين ذراعاً من الأرض كثيرٌ من الحجارة التي يبلغ حجمها أربع أذرع أو خمس.

 

وفي عرض المسجد باب شرقي يسمّى "باب العين" إذا خرجوا منه نزلوا منحدراً فيه "عين سلوان".

 

وهناك أيضاً باب تحت الأرض يسمّى "الحطة" يقال إنّه هو الباب الذي أمر الله عز وجل بني إسرائيل أنْ يدخلوا منه إلى المسجد في قوله تعالى (وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطّة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين.. البقرة 58).

 

وهناك باب آخر يسمّونه "باب السكينة" في دهليزه مسجدٌ به محاريب كثيرة، باب أوّلها مغلق حتى لا يلجه أحد، ويقال: إنّ هناك "تابوت السكينة" الذي ذكره الله تبارك وتعالى في القرآن، والذي حمله الملائكة، وأبواب بيت المقدس ما تحت الأرض وما فوقها، تسعة أبواب كما ذكرت.. انتهى.)

إلى هنا ينتهي الرحالة ناصر خسرو من الاستفاضة في وصف بيت المقدس.

 

إنّ هذا الوصف الدقيق لبيت المقدس في تلك الفترة من عمر الزمن، وعلى لسان رحّالة عالمٍ حصيف منقب وموثق يكاد يأخذنا معه نتجوّل وننظر ونلمس تلك المعالم المقدسة التي تؤكّد انتماء هذه الأمة إلى هذه الأرض، وانتماء المسلمين إلى معالم وشواهد دينهم العظيم.

 

لقد أبدع الرحّالة ناصر خسرو الفارسي في الوصف والتدقيق، ونستطيع أنْ نقول إنّ كتابه المهم (سفر نامة) أي "زاد المسافر" يعتبر من أهمّ الكتب في توثيق واستجلاء تاريخ القدس في فترة حياته ووجوده على أرضها المقدسة الطيبة.

 

وسنتابع بعون الله في حلقاتٍ قادمة ما أورده ناصر خسرو في كتابه "زاد المسافر" من وصفٍ لقبّة الصخرة والدكّة التي بوسط ساحة المسجد.

والله من وراء القصد.

 

* المهندس عدنان محمد فايز كنفاني، أديب وكاتب وصحافيّ، عضو اتّحاد الكتّاب العرب، من مواليد مدينة يافا 1940م. له العديد من المؤلفات الأدبيّة والقصصيّة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »