النخبة المقدسية علماء المدينة وأعيانها

تاريخ الإضافة الأربعاء 3 كانون الأول 2008 - 3:35 م    عدد الزيارات 24797    التعليقات 0

        


النخبة المقدسية علماء المدينة وأعيانها

 

أولاً: العلماء والدولة العثمانية

 

على مرّ الأجيال والعصور شكل العلماء نخبة المدينة المسلمة اجتماعياً ثقافياً وكان بعض هؤلاء  مقرباً إلى رجال الدولة بسبب الوظائف الرسمية المهمة التي تقلدوها ضمن أجهزة الدولة فالسلطة الحاكمة ورجالها بحاجة إلى شرعية اجتماعية إضافة إلى قدراتهم السياسية والعسكرية التي مكنتهم من السيطرة على مقاليد الحكم أما  العلماء فقد اكتسبوا شرعية مكانتهم العالية بين الناس لأنهم اعتبروا ممثلين لدين الإسلام خلال شغلهم مناصب إدارية مهمة في أجهزة الدولة أو قريبة منها مثل  نيابة  الشرع  وإفتاء الحنفية والشافعية ونقابة الأشراف وغيرها من هذه الوظائف التي سمحت لأصحابها بقدر كبير من النفوذ والتأثير في رجال الإدارة والحكم في القدس ودمشق وإسطنبول وهنا سيتم الحديث في الأساس عن أساليب وآليات تعزيز نفوذ أفنديات القدس من علماء وأعيان بين الأهالي وقيامهم بدور الوسيط بينهم وبين الدولة وأجهزتها فهذه الفئة العليا من سكان المدينة أقامت علاقات تعاون مع رجال الدولة العثمانية من جهة وحافظت على كونها جزءاً عضوياً من السكان المحليين وثقافتهم من جهة أخرى الأمر الذي مكنها من أداء دور الوسيط والتأقلم وفق المتغيرات السياسية وتجييرها لمصلحتها  كانت المدينة العثمانية ومجتمعها  استمراراً طبيعيا لبنية المدينة الإسلامية اجتماعياً وثقافياً وقد درج معظم المؤرخين  على تقسيم  هذه المجتمعات إلى قسمين منفصلين هما :

 

1- فئة الحكام من العساكر والحكام الإداريين والعلماء المسؤولين عن الضبط والربط
2- الرعايا، دافعو الضرائب  من المسلمين وأهل الذمة الذين لم يشاركوا في الحكم والإدارة 

 

 فالعلماء إذا كانوا مقربين إلى رجال الدولة خلال التاريخ الإسلامي بما في ذلك العهد العثماني إذ حظوا باحترام  السلطات الحكومية وعلى رأسها السلطان ففي العصر الذهبي  للإمبراطورية خلال القرن السادس عشر كان المقياس لاحترام العلماء ودرجاتهم تحصيلهم العلمي وحياتهم المتواضعة على عادة السلف الصالح ولتشجيع العلم والثقافة في الدولة العثمانية قدم السلطان ووزراؤه العظام الجوائز والمنح لمؤسسات التعليم  والقيمين عليها من كبار العلماء كما رصدت الأوقاف للمدارس وأعفي العلماء من دفع الضرائب وأمنت أموالهم وأملاكهم من المصادرة بعكس ضباط الجيش ورجال الحكم والإدارة

 

ولما تأخرت أحوال الدولة العثمانية وأجهزتها الإدارية منذ  القرن التاسع عشر لم تنج المؤسسات العلمية والقضائية من ذلك فالفساد و الرشوة اللذان انتشرا في أجهزة  الحكم في العاصمة العثمانية دخلا دواوين شيخ الإسلام والقضاة وغيرهم من كبار العلماء وصار المال والعلاقات الشخصية العاملين المهمين في اختيار أصحاب الوظائف العلمية وتعينهم و ما جرى في إسطنبول وعواصم الولايات الكبيرة

 

نجحت بعض العائلات  في السيطرة على وظائف  إدارية وعلمية واحتكارها ثم نقلها بين أبناء الأسرة الوراثة وفي القرن الثامن عشر بلغت عملية احتكار الوظائف العلمية أوجها في شتى المدن الكبيرة والصغيرة ابتداء من العاصمة العثمانية إسطنبول ففي ذلك القرن عين في منصب شيخ الإسلام 24شخصاً منهم 17من أبناء أشخاص هم أنفسهم شغلوا هذا المنصب في المقابل وبعد سنة 1839، أي فترة التنظيمات العثمانية التي تم فيها القضاء على الإنكشارية وإضعاف سلطة العلماء توقفت ظاهرة انتقال وظيفة شيخ الإسلام بالوراثة من الآباء إلى أبنائهم

 

وعلى غرار ما آلت إليه الأحوال في العاصمة العثمانية جرى في عواصم الولايات  العربية التي  كان للعلماء فيها تقليدياً مكانة عالية ونفوذ كبير لقد استفادت النخب المحلية من تأخر حال الإدارة العثمانية  التي أصبحت أقل مركزية فسمحت لعلماء هذه المدن وأعيانها بحيز  أكبر من المشاركة والحكم الذاتي وكان لجغرافية وطبيعة  كل واحدة من المدن وتركيبة سكانها أثر في مدى تدخل أجهزة الدولة في الصراعات المحلية بشأن الوظائف العلمية

 

هذا الأثر العثماني المباشر كان أقوى في حلب مثلاً عنه في دمشق وأقل من ذلك في القاهرة البعيدة عن إسطنبول وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدن الحجاز مكة والمدينة  وفي الحقيقة فإن أحد المعاير لحجم قوة النخب المحلية ونفوذها هو مدى قدرة علماء المدينة وأعيانها على اختيار مرشحي الوظائف العليا  حكام  الشرع والإفتاء ونقابة الأشراف وغيرها وتعينهم فعلياًَ في مناصبهم من دون تدخل  كبير من جانب رجال الدولة في العاصمة العثمانية

 

كانت العلاقة مطردة بين مدى قوة ومركزية الدولة العثمانية  وبين مستوى الحكم الذاتي أو النفوذ الذي تمتع به علماء عواصم الولايات وأعيانها وكان العلماء أحد أعمدة النخب المحلية إلى جانب الأعيان وكبار التجار وغيرهم  من أصحاب المال والنفوذ وقد قسم ألبرت حوراني العلماء والأعيان  في دراسة الفذة عن فئات النخبة في العهد العثماني إلى ثلاث فئات أساسية هي

 

1- العلماء وهم الممثلون التقليديون لمصالح سكان المدينة الإسلامية
2- العساكر من الإنكشارية  وفرق أخرى تضم العناصر المحلية من المجندين
3- الأعيان من كبار الموظفين والتجار وأصحاب النفوذ الاجتماعي من المدن وأريافها

 

كان العامل الحاسم في التقسيم الطبقي لمجتمع المدينة الإسلامية وخصوصاً في أواخر العهد العثماني هو الوظيفة التي يشغلها الناس في مؤسسات الدولة والمجتمع  وعلى هذا الأساس فإن كبار موظفي الحكم والإدارة تربعوا على قمة  الهرمية الاجتماعية أما التعليم دينياً كان أو مهنياً فلم يكن حاسماً بحد ذاته إن لم يربط بوظيفة أو بعلاقة مباشرة بمؤسسات الدولة  وفي الدرجة الثالثة من الأهمية كانت الثروة المادية التي لم تكن عاملاً كافياً لتحقيق مكانة اجتماعية سياسية عالية  ضمن فئة النخبة  لكن إذا استثمر الأثرياء بعض مالهم في أعمال البر والتقوى من جهة واشتروا به وظائف دينية أو وظائف إدارية من جهة أخرى فإن ذلك كان يؤهلهم للانضمام إلى نخبة العلماء والأعيان المحليين

 

والنقطة المهمة التي يجب التشديد عليها  هي  أن نخبة المدينة الإسلامية من العلماء والأعيان وحتى بعد أن صارت حكراً على أسر معينة تنتقل فيها بالوراثة  إلى حد كبير من القرن الثامن عشر لم تقفل أبوابها تماماً في وجه  بعض متسلقي  درجات السلم الاجتماعي  فبعكس الأرستقراطية الأوروبية في العصور الوسطى ظلت نخب المدينة الإسلامية على اتصالها ببقية فئات المجتمع غير منغلقة على نفسها إلى درجة عدم السماح بالحراك الاجتماعي لقد حافظ العلماء والأعيان على قنوات الاتصال مفتوحة بأبناء الفئتين المتوسطة والفقيرة من المجتمع كي يكسبوا شرعية نخبويتهم ومن أجل التلويح بشعبيتهم إذا حاولت  الدولة ورجالها المس بمصالحهم ووظائفهم وكان أحد أسرار نجاح أبناء هذه النخبة المحلية هو الدعم الاجتماعي الذي يحظون به وقدرتهم على مساعدة السلطات في تمرير سياساتها بين الأهالي عن طريقهم إمام  الأهالي.

 

 وعلى  الرغم من اهتمامهم بعمل البر والإحسان  والاتصال بالسكان في المناسبات والأعياد  فإنهم ظهروا بلباس وهيبة رجال الدولة الذين يحسب حسابهم فالعلماء و الأعيان اكتسبوا موقع حلقة الوصل بين الحكام والمحكومين فالأوائل يحتاجون إليهم لكسب الشرعية وتمرير السياسات والأهالي يتقربون إليهم ويدعمونهم من أجل قضاء حاجاتهم وكسب حمايتهم أمام الدولة وممثليها أما طبيعة النخب المحلية من العلماء والأعيان وتركيبتها فاختلفتا من مدينة إلى أخرى حتى داخل المنطقة  الجغرافية الواحدة كبلاد الشام عامة أو فلسطين خاصة فهناك الفوارق القائمة بين مدن الساحل التي أخذ ينمو بعضها منذ القرن الثامن عشر عكا ثم حيفا ويافا وبين مدن الداخل الجبلية  كنابلس والقدس والخليل كما أن البعد الجغرافي عن العاصمة العثمانية والقاعدة  الاقتصادية ريفية أم صناعية وسمات نخبته المحلية من العلماء والأعيان  لكن عند الحديث عن بلاد الشام والمشرق العربي عامة فإن هناك تفاوتاً كبيراً بين عواصم الولايات كدمشق وحلب وبين المدن الصغيرة التي لا يتعدى سكانها 10 ألف نسمة وعلى الرغم من أن العامل القومي أو الإثني لم يكن أساسياً في تحديد هوية الناس وسلوكهم في ذلك العهد  فإن التركيبة السكانية  للمدينة  دينياً وإثنيا كانت من العوامل المهمة في بلورة ثقافتها وطبيعة نخبتها المحلية  فمع  أن أبناء النخبة من العلماء والأعيان كانوا في أغلبيتهم الساحقة من المسلمين حتى أوائل القرن التاسع عشر إلا أن نسبة المسيحيين واليهود بين الأهالي كانت ذات أثر مهم في طبيعة النخبة  فجبل لبنان  وجبل الدروز ومنطقة  النصيرية أو العلويين هي نماذج  متعددة لطبيعة سكانها وقياداتها المحلية  مقارنة ببقية أنحاء بلاد الشام بما فيها فلسطين.

 

 إذا عدنا إلى مسألة النخبة من العلماء والأعيان وموقعها الوسيط بين الدولة والأهالي فإن بعض الباحثين يشير إلى اقتراب فئة العلماء المحليين  من السلطات العثمانية بشكل واضح خلال القرن الثامن عشر فقد توصل جون فول إلى هذا الاستنتاج  مثلاً  في دراسته  عن علماء دمشق في تلك الفترة  بناء على رصده ظاهرة اعتناق العديد من هؤلاء المذهب الحنفي وقد رأى أن هذا الباحث في تغير المذاهب تعبيراً عن تقرب العلماء المحليين  إلى الدولة  العثمانية  بعكس  نخب  أخرى حافظت على مذاهبها  ولم تحاول الاندماج لكن استنتاجاً كهذا يثير أسئلة عن مدى دقته بسبب اعتماده تغيير المذاهب مقياساً وحيداً فعلى الرغم من أهمية  التمييز بين العلماء أصحاب الوظائف المقربين من أجهزة الدولة وبين عائلات النخب الحاكمة محلياً فإن الأخيرة لم تكن أقل ارتباطاً واندماجاً في مؤسسات الدولة وثقافتها  فتغيير المذاهب  كان وسيلة فقط  أو شرطاًُ أساسياً في سبيل الوصول إلى بعض  الوظائف العلمية الرسمية وليس بالضرورة شعوراً بالانتماء إلى الدولة  بسبب كون الحنيفة مذهبها الرسمي

 

وإذا أخذنا  لواء القدس وبقية  أنحاء فلسطين نموذجاً  فإننا نلاحظ مثل هذا الانتقال إلى المذهب الحنفي بين عائلات العلماء بالتدريج منذ القرن السادس عشر واستمرت ظاهرة الاعتناق للمذاهب الحنفي في القدس وغيرها من مدن فلسطين خلال القرن الثامن عشر للأسباب نفسها  وكان الحكم العثماني وإدارته في بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة شهد تراجعاً وضعفاً واضحين في تلك الفترة فتقدم العلماء والأعيان المحليون لملء هذا الفراغ  وصار لهم دور كبير في شؤون الحكم والإدارة
هذا التحول  في مكانة النخب المحلية وصيرورتها شريكة فعلية في الحكم جعلاها أقرب إلى الأهالي مصالحياً وثقافياً لا إلى الدولة بالضرورة ولا يشكل اعتماد  المذاهب الحنفي بدلاً من المذهب الشافعي عند بعض العائلات إثباتاً  أو أساساُ لاستنتاجات ترتبط بالهوية والشعور بالانتماء فمثل هذه المسألة يحتاج إلى فحص عدة مركبات قد يكون تغيير المذهب واحداً منها فقط.

 

 لم يكن للعلماء قاعدة سياسية عسكرية مستقلة يعتمدون عليها حتى يفكروا في التمرد على أوامر الدولة ومؤسساتها كما حاول بعض رجال الإدارة والحكم أحياناً فالمحافظة على علاقات طيبة بالسلطات العثمانية كانت أساساً مهما لضمان الوظيفة لكن هؤلاء العلماء الذين احتكروا المناصب  الرسمية ونقلوها بالوراثة إلى أولادهم وأقاربهم كانوا في معظمهم بحاجة إلى الأهالي أيضاً كي يحموا مكانتهم ووظائفهم  أمام أي محاولة  من الدولة لإخراج الوظيفة من أيديهم من هذه الناحية لم يكن هناك فارق كبير بين من بقي على المذهب الشافعي من علماء القدس وبين أولئك الذين اعتنقوا الحنيفة مذهب الدولة  ومؤسساتها القضائية وحتى أولئك الذين اعتنقوا الحنيفة لم يكونوا فئة متماسكة أو متجانسة فبعضهم بذل جهوداً كبيرة في سبيل الوصول إلى وظيفة  بينما ظل البعض الآخر يزهد في المناصب الرسمية ويبتعد عنها كما نجد في صفوف العائلة الواحدة فوارق لايستهان بها بين كبار العلماء أًصحاب المناصب الرسمية وبين آخرين ظلوا أقرب إلى عامة الناس ومساجدهم وزواياهم الصوفية وثقافتهم المحلية

 

ثانياً : أفنديات القدس

 

 

كانت مكانة القدس الدينية لأبناء الديانات السماوية الثلاث عاملاً أساسياً في تحديد مكانة علماء المدينة وأعيانها على مر العصور الإسلامية فبعد استعادة المدينة والمنطقة برمتها من أيدي  الصليبين قام الأيوبيون ثم المماليك بتعزيز مكانة القدس وأكنافها الإسلامية وضمن هذه السياسة تم ترميم و إعمار المساجد والمدارس والزوايا الصوفية وغيرها من المؤسسات العامة كما رصدت الأوقاف لتلك المؤسسات لضمان عملها الدائم والمستقل عن الحكام وقد جذبت هذه المؤسسات العامرة أعداداً متزايدة من العلماء والصوفيين الذين نزلوا المدينة كزوار مجاورين أحياناً وكمقيمين دائمين أحياناً أخرى الأمر الذي عزز عدد سكانها المسلمين أما العثمانيون فأبدوا اهتماماً خاصاً بالقدس وسكانها في القرن السادس عشر فشهدت المدينة في ذلك العصر نهضة عمرانية وسكانية واقتصادية وحتى بعد تضاؤل اهتمام الدولة العثمانية بالمدينة في الأجيال التالية فإنها ظلت محط أنظار الحكام من جهة ومحط أنظار الزوار من جهة أخرى 

 

 يعتبر كتاب تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري مصدراً مهماً لمعلوماتنا عن علماء المدينة وأعيانها البارزين والمؤلف حسن بن عبد اللطيف  الحسيني لم يضمن كتابه ولو ترجمة واحدة لشخصية من رجالات الحكم والإدارة  أو كبار التجار بل إن الذين شملهم كانوا جميعاً من فئة العلماء والأعيان أما بالنسبة إلى النقاش القائم بين الباحثين والمؤرخين في شأن تعريف هذه الفئة فإن هذه الدراسة المتخصصة بتاريخ القدس في فترة محددة لن تخوض هذا الحقل من التعريفات بفئة النخبة في المدينة الإسلامية وبدلاً من ذلك فإننا سنحاول تقديم صورة واضحة لتلك الفئة من خلال المصادر المخطوطة والمطبوعة وعلى رأسها سجلات المحكمة الشرعية.
تضم هذه الفئة أساساً والتي سميناها أفنديات القدس العلماء والأعيان الذين لم تكن الوظائف العسكرية أو الإدارية محط  أنظارهم أو مصدر نفوذهم الأساسي حتى لو شغلوها أحياناً

 

وكان بعض علماء القدس وأعيانها ضمن جهاز القضاء وما ارتبط به من وظائف كالإفتاء ونقابة الأشراف ففقراء الصوفية لم يشملهم تعريف العلماء السائد إلا إذا كانوا من كبار المشايخ الذين تخرجوا من المدارس الدينية المعروفة  في إسطنبول ودمشق والقاهرة وغيرها أما الأعيان فهم أبناء النخبة الذين تقلدوا وظائف حكومية أو برزوا بمكانتهم الاجتماعية السياسية العالية والقيادية هذه التعريفات مطاطة فقد تشمل معينين في مكان وزمان ما لكنهم لا ينضوون تحت هذه الفئة في تعريفات زمان  ومكان آخر من العهد العثماني فتعريفات العلماء والأعيان تضع حدوداً معينة بين الفئتين وتجمعها في أشخاص تطلق عليهم صفات كونهم من أبرز العلماء والأعيان معاً وإذا كان التمييز بين العلماء والأعيان صعباً للغاية في بلاد الشام عامة فإن ذلك صحيح بصورة خاصة في القدس في فترة هذه الدراسة كما سيجيء توضيح ذلك أدناه
نشأت في القدس فئة قوية من الأعيان تعتمد في مكانتها ونفوذها على الوظائف العسكرية والإدارية كما أن عائلات العلماء المقدسية هي نفسها مصدر نشوء وبروز بعض الأعيان الذين لم يتخرجوا من مدارس دينية ولم يتقلدوا وظائف علمية  وفي بعض الأحيان تشير المصادر إلى أشخاص كانوا نوابا للشرع أو مفتين وحتى مشايخ لطرق صوفية بأنهم من كبار الأعيان وأطلق حسن بن عبد اللطيف في تراجمه لأهل القدس صفات التفخيم والتعظيم على صغار العلماء من أئمة وخطباء مساجد ومتصوفين غير مشهورين وكان هؤلاء عادة أبناء أسر مقدسية عريقة يصفهم المؤلف المذكور بأنهم أكابر وأعيان وثمة اثنان من كبار العلماء في القدس هما الشيخ  التافلاتي المفتي الحنفي والشيخ الصوفي  محمد أفندي البديري أشير إليهما كعلماء فقط وحجبت عنهما صفة الأعيان وهذان العالمان هاجرا إلى القدس من شمال إفريقيا  فسكنا المدينة وصارا من أبرز علمائها ولكن على الرغم من الاحترام الكبير الذي حظيا به من حسن عبد اللطيف وأهالي القدس عامة فإنهما اعتبروا عالمين فقط بسبب افتقادهما القاعدة الطبقية الملائمة اقتصادية واجتماعية التي كانت لأبناء الأسر المقدسية العريقة 

 

أطلق على أبناء النخبة المقدسية من علماء وأعيان لقب الأفنديات كصيغة جمع لصفة الأفندي التي لازمت أبناء هذه  الفئة فبعكس آغاوات نابلس وبكواتها الذين سماهم إحسان النمر الأمراء أحياناً كان الأفنديات في معظمهم من أصحاب الوظائف العلمية وبالإضافة إلى الوظائف المرتبطة  بالمحكمة الشرعية عمل بعض العلماء في التدريس والإمامة والخطابة في الجوامع وتولي الأوقاف وغيرها من الوظائف المرتبطة بالمؤسسات العامة وعلى الرغم التنافس في شأن تلك المناصب بين أفنديات القدس فإن أواخر القرن الثامن عشر شهدت إلى حد كبير تقسيماً ثابتاً للموجود منها بحيث استقر معظمها في عائلات تناقلتها بالوراثة وحتى حين اشتد التنافس في شأن بعض الوظائف أحياناً مثل نقابة الأشراف فإن ذلك لم يؤد إلى صراعات دموية مع إن مؤرخ جبل نابلس نعتها بالحرب الأهلية في تاريخ بلده

 

كما تجدر الإشارة إلى أنه بخلاف لواء نابلس لم يكن مشايخ نواحي القدس وقراها  طرفاً في منافسات الأسر المقدسية بشأن المناصب العلمية والمكانة السياسية فقد نجح أفنديات القدس عامة في تحصين مكانتهم العالية وضمان وصولهم إلى الوظائف من دون الاحتكام  إلى السلاح بل بقوة المال والجاه وشبكة العلاقات المتينة برجال الدولة في دمشق العاصمة العثمانية في بلاد الشام.

 

كان الثلث الأول من القرن التاسع عشر استمراراً طبيعيا لازدياد نفوذ أفنديات  القدس في أنحاء اللواء وفي بقية الأولوية المجاورة التابعة لقضاء القدس فالمتسلم  والموالى خلافة القاضي الحنفي اللذان مثلا الدولة العثمانية وعينا عادة من خارج صفوف النخبة المقدسية كانا بحاجة إلى تعاون الأفنديات للقيام بوظيفتهما وما عدا هاتين الوظيفتين أي إدارة اللواء وتولي القضاء في المحكمة الشرعية  فإن  بقية المناصب تقلدها  مقدسيون في هذه الفترة وبالإضافة إلى أبناء عائلات الحسيني والخالدي وأبو السعود والعلمي وجدت أسر مقدسية أخرى أقل شهرة شغلت وظائف علمية مهمة وعائلات جار الله  أبو اللطف والدجاني والموقت والإمام  والجماعي  الخطيب  والشهابي والدبيري  والفتياني والعسيلي هي أهمها وأبرزها  وقد عايشت هذه العائلات  فترات صعود وهبوط في مكانتها ونفوذها على مر الأجيال طوال العهد العثماني أما وسائل وآليات المحافظة على الوظائف والنفوذ خلال فترة هذه الدراسة فهذا ما ستحاول الصفحات التالية تقديمه وتوضيحه

ذكر ابن خلدون في مقدمته أهمية العصبية كعامل أساسي في بناء المجد السياسي وفي إقامة الدول ثم زوالها بعد ركون أصحابها إلى الخمول والكسل وزوال عامل التعاضد و التناصر  بين رجالاتها  أما الأسر العريقة  في المدينة الإسلامية فقامت  ببناء مجدها والمحافظة عليه على أساس العلم والمال واقترانهما بالزعامة القائمة  على العمل الزاهر والكرم الباهر والأعمال الحميدة فالعلم وحده من دون مال ولاجاه مرتبط بوظيفة وعلاقة حميمة بالدولة الثلاثة العلم والأخلاق أولاً ثم الوظيفة والجاه المرتبطان بخدمة الدولة وحكامها وثالثاً المال والغنى اللذان يبذلان في تحصيل الأبناء والأحفاد العلم والجاه فإنها القاعدة التي أقام عليها العلماء والأعيان مجدهم وزعامتهم وكان أفنديات القدس في العهد العثماني نموذجاً جيداً لهذه النخبة المدنية  التي حافظت على مكانتها وتوارثتها جيلاً بعد جيل ولما كانت المصادر المتوفرة لا تسعفنا بالحديث عن أحوال الأسر المقدسية كافة ومجال هذه الدراسة لا يتسع لتغطية العهد العثماني بأجياله المتعاقبة فإننا سنكتفي بعرض نماذج لبعض عائلات الأفنديات وأهمها  آل الحسيني وآل الخالدي

آل الحسيني

 

تربع آل الحسيني على رأس عائلات النخبة المقدسية من علماء وأعيان منذ نهاية القرن الثامن عشر على الأقل فقد نجحت العائلة في السيطرة خلال تلك الفترة وما بعدها على ثلاث وظائف علمية مهمة تقلدها أفنديات القدس هي إفتاء الحنيفة ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم القدسي وبالإضافة إلى ذلك  فإن  أبناء العائلة تقلدوا  وظائف مهمة أخرى في التدريس وتولي أوقاف عامة مثل وقف النبي موسى وتنظيم الموسم والزيارة لهذا المقام سنويا وجاء بروز هذه العائلة بعيد ثورة نقيب الأشراف في القدس(1703-1705)التي أطاحت آل الوفائي الحسيني ثم عززت مكانة آل  الحسيني الجدد (فرع عبد اللطيف  من آل غضية)

 

 منذ أواسط القرن الثامن عشر وصلت العائلة  إلى أوج  نفوذها أيام  تقلد عبد الله بن عبد  اللطيف نقابة الأشراف في أواخر ذلك القرن وتولى أخوه حسن إفتاء الحنيفة حتى وفاته سنة 1224هـ/1809م، وقد شغلت مسألة تاريخ هذه العائلة  المؤرخين والباحثين في الأجيال الأخيرة ومازال النقاش في شأن أصولها مفتوحاً لم يحسم  حتى الآن لذا وقبل الحديث عن مكانة  آل الحسيني في أوائل القرن التاسع عشر يجب عرض الموجود من الروايات باختصار عن تاريخ  هذه العائلة وأصولها  اختلف  الباحثون  والمؤرخون  في تقديراتهم بشأن حسب ونسب الحسيني منذ فترة الانتداب وذلك على خلفية  الصراع  السياسي بين الحاج أمين الحسيني ومؤيديه من المجلسين وبين المعارضة التي ترأسها آل النشاشيبي  وساهم الحاج  أمين في نشر رواية أن العائلة تنتمي إلى الأشراف وأن أبناءها استوطنوا  القدس وضواحيها منذ القرن الثالث عشر الميلادي وأدوا دوراً مهماً في تاريخ بيت المقدس منذ عهد المماليك أما أركان المعارضة  لتعيين الحاج أمين الحسيني مفتياً لفلسطين ثم لقيادته السياسية نشروا رواية فحواها أن انتساب آل الحسيني إلى الأشراف مزور غير صحيح وأن مصطفى جد الحاج أمين نجح  في الوصول إلى وظيفة الإفتاء عن طريق الغش والاحتيال وقد وجدت رواية المعارضة  آذاناً صاغية بين بعض الباحثين الصهيونيين المعادين للحركة الوطنية لفلسطينية فقاموا بنشرها وتكرارها  في دعايتهم ضد الحاج أمين وذلك من أجل تلطيخ سمعة العائلة والمس بالحركة الوطنية الفلسطينية  فقد قام بعض الباحثين "الإسرائيليين" في العقود الأخيرة بنشر أبحاث تشكك في رواية آل النشاشيبي عن منافسيهم بل تميل إلى قبول رواية  آل الحسيني عن نسبهم وحسبهم ودورهم التاريخي في القدس على الأقل منذ القرن الثامن عشر هذه الأبحاث  على أهميتها وابتعادها  عن الدعاية  البحثية  وإزالتها  بعض الغموض عن تاريخ آل الحسيني لم تكشف تماماً حقيقة أصول هذه العائلة ودورها قبل أواسط القرن الثامن عشر في دراسات سابقة كنت تناولت بتوسيع  موضوع ثورة نقيبي الأشراف في القدس التي قادها محمد بن مصطفى الوفائي الحسيني والتي  انتهت بإعدامه واختيار محب الدين بن عبد الصمد  الشهير  نسبه  بابن غضة خلفاً له بعد إخماد نيران تلك الحركة وتقلد محب الدين نقابة أشراف القدس عقدين من الزمان  بلا منازع تقريباً فجمع  خلال المدة ثروة كبيرة وتملك الكثير من العقارات في المدينة

 

نقله قبل وفاته إلى أولاده وزوجته آمنة خاتون وقد ظلت النقابة في العقود التالية تنتقل بالوراثة  بين أولاد محب الدين وأحفاده حتى وصلت إلى فرع آخر من أسرة آل غضية فرع عبد اللطيف ابن عم محب الدين في الأول من محرم 1158هـ/ 3شباط 1745م، وتجدد تعيين عبد اللطيف هذا للنقابة لثلاثة عقود حتى وفاته في أوائل ذي القعدة 1188هـ/كانون الثاني1775م، ثم انتقلت النقابة بعد ذلك إلى  أولاده وأحفاده كما نجح أحد أولاده حسن بن عبد اللطيف في تقلد إفتاء الحنيفة وتناولت في كتابي تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني أصول  آل الحسيني  الجدد التي تعود إلى آل غضية  الذين كان منهم محب الدين نقيب  الأشراف المذكور أعلاه وعبد اللطيف بن عبد القادر آل غضية وقد  سقطت الكنية  عنهم فصاروا يعرفون بآل الحسيني منذ القرن التاسع  عشر ثم تبين لي من قراءة سجلات المحكمة الشرعية  في القدس أن شجرة العائلة التي أعادت أصولها إلى آل الوفائي الحسيني البديري ليست دقيقة على أقل تقدير وأن شبك شجرة فرع عبد اللطيف آل غضية مع آل الوفائي في شخصية عبد القادر هو أحد أسباب البلبلة بالنسبة إلى أصول هذه العائلة وصحة انتسابها إلى الأشراف ومن المفيد هنا أن أضيف مصدراً  مهما قرأته مؤخراً  يشير بوضوح إلى صحة استنتاجاتي عن نسب آل الحسيني  الجدد بني غضية سابقاً المختلف عن آل الوفائي الحسيني فعلماء القرن الثاني عشر الهجري مثل حسن بن عبد اللطيف صاحب  تراجم هاتين العائلتين المختلفتين أما مرتضى الزبيدي فإنه  ترجم في معجم شيوخه لعلماء بارزين من العائلتين وأوضح  الغموض بشأن نسب العائلتين المقدسيتين المختلف حوله

 

هذه  التراجم  في معجم شيوخ بشان مرتضى الزبيدي  لا تترك شكاً  في انتساب العائلتين  إلى الأشراف على الرغم من الاختلاف والتمييز بينهما  لذا من المفيد  إبراز المعلومات الواردة عن علماء العائلتين الذين تعرف عليهم الزبيدي بل زارهم ونزل ضيفاً في بيوتهم في القدس يذكر الزبيدي نسب عبد اللطيف بن عبد الله الذي ورث نقابة الأشراف من أولاد عمه فرع محب الدين آل غضية سنة 1158هـ 1745م ، كما ذكرنا أعلاه ويشير إلى أنه سمي باسم جده عبد اللطيف بن عبد القادر بن عبد الرحمن بن موسى بن عبد القادر بن موسى بن علي بن شمس الدين محمد غضية الأسودي المقداداي المقدسي ووصف المؤلف عبد اللطيف والد مفتي القدس صاحب تراجم أهل القدس بأنه نقيب السادة ببلده سبط آل الحسن وأحد الكرماء المشهورين وكان مرتضى الزبيدي سمع بأخباره حين ورد المدينة المنورة سنة 1163هـ/1750م، فتشوق لقائه وبعد أن وصل إلى بلاد مصر نزل إلى  المنصورة ثم إلى دمياط ومنها ركب البحر إلى يافا ولما وصل إلى دار النقيب في القدس أكرمه هذا الأخير هو وأولاده واعتنوا به عناية فائقة وتابع المؤلف في وصفه  هذا النقيب على أشراف القدس بأنه كان صدراً محتشماً وقوراً يزوره القاصي  والداني وليس للغريب ملجأ إلا منزله يقيم فيه كيف يشاء محترماً كأنه منزله وكان أمير الحج إذا جاء في الدورة لجمع الضرائب من اللواء وسكانه لا ينزل إلا في بيته عدة أيام وإذا سافر يقدم له الهدايا الفاخرة  ما يليق به  وقد مكث مرتضى الزبيدي في بيت نقيب أشراف القدس هذا تسعة عشر يوماً ولما ارتحل رافقته جماعة من رجاله راكبي الخيول حتى أوصلونا إلى الرملة  وأمرني بالنزول في بيت قريبهم تاج الدين الهدى فأويت إلى منزلهم معزوزاً منعماً وعندما وصل الزبيدي إلى مصر  لم تنقطع العلاقات بينهما بالمراسلات والهدايا  والتفقدات التي بعث بها نقيب أشراف القدس إلى هذا العالم  الجليل ويختم المؤلف ترجمته لعبد اللطيف هذا بأنه توفي في ثالث ذي القعدة من شهور 1188هـ عن تسعين تقريباً وكان حسن بن عبد اللطيف  صاحب تراجم أهل القدس قد ترجم  لوالده أيضاً وذكر كذلك أن السيد مرتضى  الزبيدي محدث  الزمان وفهامة العصر والأوان قد ترجم له  لكن  حسن في ترجمة  والده وجد والده عبد اللطيف بن عبد القادر شيخ الحرم القدسي الشريف ونقيب الأشراف برحابها الطاهر المتوفى سنة 1107هـ/1695-1696م، لم يأت بالمرة  إلى ذكر نسب العائلة الذي أورده  الزبيدي غضية  الأسودي  المقدادي كما أن خليل  المرادي مفتي دمشق وصاحب  سلك الدرر لك يذكر تلك المعلومة المهمة عن نسب عبد اللطيف بن عبد القادر في ترجمته له لكن ترجمة حسن بن عبد اللطيف لوالده  لا تخلو من بعض  الإشارات إلى هذا النسب الذي ذكره مرتضى الزبيدي صراحة ففي قصيدة للشيخ محمد التافلاتي الذي تولى إفتاء الحنفية في القدس كما ذكرنا سابقاً إشارة واحدة  إلى ذلك  في أحد أبيات  قصيدته 

 

من آل مقداد نجل الفاخرني به               تهلل العصر حقا رغم منحرف
فانتساب حسن بن عبد اللطيف ووالده     وأجداده إلى بني غضية أوغضية الأسود

 

نسبهم المقدادي لا إلى آل الوفائي الحسيني صار واضحاً وضوح الشمس تؤكده سجلات المحاكم الشرعية وكتب تراجم أهل ذلك العصر بالتمييز الواضح بين من عاش من العائلتين في تلك الفترة أما معجم شيوخ مرتضى الزبيدي فيؤكد تلك المصادر ويوضح بما لا يترك مجالاً للشك وجود علماء بارزين وأعيان مهمين في عصره من آل غضية فرع عبد اللطيف من جهة ومن آل الوفائي الحسيني من جهة أخرى الذين كان أهمهم علي بن موسى بن مصطفى بن أبي الوفاء ابن أخ محمد بن مصطفى النقيب الوفائي الحسيني قائد ثورة نقيب الأشراف في القدس وترجم مرتضى الزبيدي لعبد الله بن عبد اللطيف الذي ورث والده في نقابة  أشراف القدس  ومشيخة حرمها وأكد في هذه الترجمة ما جاء في ترجمة عبد اللطيف المذكور أعلاه عن انتساب العائلة إلى ابن غضية الأسودي  المقدادي وأضاف الزبيدي  في كلامه أنه التقى عبد الله بن عبد اللطيف في القدس سنة 1167هـ/1753-1754م، حين نزل ضيفاً عند والده  وعبد الله هو أكبر أولاد عبد اللطيف يليه حسن الذي صار مفتياً للقدس وصنف كتاب  تراجم أهل القدس فلما توفي عبد اللطيف ورثه ابنه البكر عبد الله في نقابة الأشراف ونعم الرجل هو ديانة ومودة ومفاوضات كل عام لا تنقطع عنا جزاه الله تعالى خيراً وجاء في حاشية الزبيدي على هذه الترجمة لعبد الله بن عبد اللطيف أنه سار على خطى والده في الكرم واستقبال الضيوف والزوار  لكن بعض أعيان القدس آذاه أذية بليغة حتى تسببوا بنفيه من بلده مع ولده الكبير  السيد عبد اللطيف وكتبوا في حقه وحق ولده معروضاً للدولة بينما هو وولده بريئان منه وبعد مدة نجح عبد الله هذا في التغلب على المشكلة وصدر الأمر العالي بإرجاعه إلى بلده مع ولده وبتقليده نقابة الأشراف وبقي عبد الله بن عبد اللطيف  نقيباً على أشراف القدس إلى أن توفي سنة 1208هـ/1793-1794م، ودفن بباب الرحمة في جوار شداد الصحابي رضي الله عنه 

 

كان مرتضى الزبيدي قبل وصوله إلى القدس أول مرة في سنة 1167هـ/1753-1754م، نزل البلاد المصرية والتقى هناك الشيخ علي بن موسى بن مصطفى  بن شمس الدين الوفائي الحنفي القدسي الأزهري المعروف بابن النقيب لأن جدوده توالوا النقابة وقد ولد علي بن موسى هذا في بيت المقدس سنة 1125هـ/1713م، أي بعد ثورة عمه نقيب الأشراف ونشأ فيها ثم رحل إلى الشام وعاد إلى القدس حيث اجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي وبالسيد مصطفى البكري فأخذ عنه الطريقة وشجعه على زيارة مصر فوردها ودرس على مشايخها ثم اشتهر أمر علي بن موسى في الأزهر وصار من علماء مصر البارزين إذ تمهر بالفتوى ودرس بالمشهد الحسيني علوم التفسير والفقه و الحديث فلما اجتمع مرتضى الزبيدي به لازمته في دروسه وعرفني بالمشايخ والصلحاء وسمعت عليه البخاري والجامع الصغير والملتقي والأشباه وغيرها من الكتب وأضاف مرتضى الزبيدي في ترجمته لهذا العالم المقدسي الأزهري إن لعلي بن موسى  إسطبل فيه خيل مع معرفته للفروسية والرمي  بنى منزلاً واسعاً بالحسينية ثم كثر الدين عليه فهاجر إلى الآستانة  وأقبل عليه الناس وكان ذا رد عنيف على أرباب الأموال والأمراء وملوك الزمان وينسبهم إلى الجور والعدوان ثم أخرج من البلد أي العاصمة العثمانية  مغادراً إلى  مصر وتوفي بها سنة 1186هـ/1772-1773م.

 

يذكر الجبرتي  في ترجمته لعلي بن موسى الوفائي الحسيني أنه أيضاً في عداد من ماتوا في سنة 1186هـ/1772-1773م، وينقل أو يكرر كثيراً مما قاله عنه مرتضى الزبيدي لكنه يضيف معلومات مهمة عنه حين يذكر أساتذته ومنهم عم أمه الشيخ حسين العلمي نزيل مدينة اللد وأبو بكر بن أحمد العلمي مفتي القدس والشيخ عبد المعطي الخليلي ويذكر صاحب العجائب والآثار أيضاً كرم علي بن موسى بن النقيب وانتقاله من منزله إلى دار جديدة واسعة بناها في الحسينية في طرف البلد بناء على أن الأطراف مساكن الأشراف كما يذكر الجبرتي حادثة سفره إلى إسطنبول وخروجه منها بعد إن وشى به الحاسدون وصدر الأمر بخروجه من البلدة فعاد إلى منزله في مصر سنة 1183هـ/1770-1771م، ويضيف حادثة أخرى أنه حين التقى محمد بك أبو الذهب وسأله هذا عن رأيه في أهل إسطنبول التي زارها مؤخراً أجاب علي بن موسى قائلاً لم يبق بإسلامبول ولا بمصر خير ولا يكرمون إلا أشرار الخلق وأما أهل العلم والأشراف فإنهم يموتون جوعاً وفهم أبو الذهب تعريضه هذا الأمراء والحكام وأمر له بـ 100ألف نصف فضة  من الضربجانة فقضى منها بعض ديونه وأنفق باقيها على الفقراء وقد توفي علي بن موسى يوم الأحد الموافق فيه 6شعبان1186هـ/2تشرين الثاني 1772م.

 

أشار حسن بن عبد اللطيف في ترجمته لنفسه إلى بعض أساتذته وشيوخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم ومنهم السيد علي القدسي ابن المرحوم النقيب الساكن مصر المحروسة لما شرف القدس لصلة الرحم أي أن علاقة مصاهرة كانت قائمة بين آل عبد اللطيف بني غضية وبين أولاد النقيب الوفائي الحسيني الذين خسروا نقابة أشراف القدس بعد  الثورة (1703-1705) وقد أدى حسن بن عبد اللطيف بعد وفاة أخيه عبد الله دوراً في المحافظة على إبقاء  النقابة في أبناء العائلة حتى انتقلت إلى  عمر بن عبد السلام كما مر معنا سابقاً أما إفتاء الحنيفة فإنه انتقل بعد وفاة حسن بن عبد اللطيف إلى ابن أخيه طاهر بن عبد الصمد وظلت الوظيفة في بيتهم حتى وصلت إلى الحاج أمين الحسيني في عهد الانتداب البريطاني وبينما كان طاهر أفندي عالماً مفتياً ومدرساً حافظ على علاقات العائلة  بعلماء القاهرة ودمشق وإسطنبول فإن عمر النقيب ورث الزعامة السياسية والمكانة الاجتماعية التي كانت لأجداده وحافظ أيضاً على تقاليد الضيافة وفتح منزله للضيوف والزوار والأمراء والحكام من شتى أنحاء العالم

 

قام عمر أفندي النقيب من أجل تعزيز زعامته بمصاهرة عدد من عائلات علماء القدس وأعيانها فقد تزوج أولا بابنة الشيخ نجم الدين الجماعي رئيس خطباء المسجد الأقصى والمفتى الحنفي في القدس سابقاً وبعد ذلك بمدة قصيرة تزوج رقية ابنة موسى أفندي الخالدي باشكاتب المحكمة الشرعية ولم يكتف عمر أفندي بمصاهرة عائلات القدس بل قام بتوثيق صلة الرحم بآل طوقان في نابلس فموسى بك طوقان متسلم لواء نابلس تزوج طرفندة بنت عمر النقيب  بينما تزوج عبد السلام نجله البكر بإحدى بنات موسى بك طوقان على طريقة البدل المعروفة وكان محمد باشا أبو المرق متزوجاً بإحدى نساء آل الحسيني في القدس أيضاً من خلال استثمار الأموال في التجارة وشراء العقارات في غزة ويافا وغيرهما من المناطق الساحلية هكذا جمع عمر أفندي النقيب بين صلاحياته في تعيين نقباء أشراف في مدن نواحي القضاء وبين المكانة الاجتماعية السياسية التي وطدها بالمصاهرة أحيانا وبتوسيع النشاطات الاقتصادية التجارية والاستثمارية داخل القدس وخارجها

 

استمر عمر أفندي النقيب على طريق آبائه وأجداده في القدس في إكرام الضيوف والزوار وبذل الأموال ففاق نفوذه أيضاً حدود وظيفته الرسمية كنقيب لأشراف القدس والمدافع عن حقوقهم وامتيازاتهم وعلى غرار أسلافه في القرن الثامن عشر برز عمر أفندي كأحد أعيان منطقة بلاد الشام عامة بالإضافة إلى أداء دور مهم في شؤون الإدارة والحكم كافة في القدس وأكنافها  فكلما استعصت إحدى المهمات على متسلم  اللواء كان ولاة الشام وعكا يتوجهون إلى عمر أفندي الحسيني طالبين  مساعدته في قضائها أو تسهيلها على الأقل وكانت شبكة علاقات هذا النقيب متشعبة  مثل أسلافه تصل إلى العواصم المهمة وعلى رأسها إسطنبول ودمشق والقاهرة وعكا من جهة وإلى مشايخ  القرى والنواحي المجاورة من جهة أخرى  فعائلة أبو غوش مثلا التي برزت كأقوى عائلات مشايخ جبل القدس كانت من حلفائه أما في ناحية الخليل فإن عائلاتها القوية مثل بدر التميمي وآل العمرو في قرية دورا انضوت تحت رايته الأمر الذي يشير إلى نفوذه في شتى نواحي اللواء

 

اشتهر منزل عمر أفندي النقيب بكونه محط أنظار الزائرين والواردين إلى بيت المقدس وما حولها من الأماكن المقدسة على غرار جده الأعلى عبد اللطيف بن عبد  الله  الذي زاره مرتضى الزبيدي وغيره من العلماء والأمراء ولما كان المجال لا يتسع هنا لذكر كل ما حوته المصادر والمراجع عن ذلك  نكتفي بإيراد بعض نماذج لزوار بارزين حلوا ضيوفاً على عمر أفندي ففي سنة1229هـ/1814م، زار القدس الشيخ حسن العطار أحد علماء مصر المشهورين الذي صار شيخ الأزهر فيما بعد وخلال إقامة هذا العالم الأزهري بالمدينة نزل ضيفاً على عمر أفندي النقيب وقال "إن بيته هو الوحيد المفتوح لاستقبال الضيوف والزائرين"  ولما طالت إقامة العطار بالقدس أرسل صديقه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي كتاباً إلى المفتي طاهر أفندي الحسيني يطلب فيه استعجال عودة الضيف إلى موطنه في القاهرة وقد ذكر العطار في تفسير إقامته التي امتدت أشهراً طويلة ببيت المقدس أنه ظل ينتظر موسم النبي موسى ليشارك فيه وكان نقيب أشراف القدس حينها مسؤولاً عن تنظم الموسم  السنوي والزيارة  للمقام بما في ذلك إطعام الوافدين للمشاركة فيه كافة وعلى غرار غيره من ضيوف هذا النقيب فإن الشيخ حسن العطار لم يقتصد بعد عودته إلى مصر في كيل المديح والثناء لعمر أفندي على حسن ضيافته وكرمه وأخلاقه  العالية

 

أما الرحالة  ريتشاردسون فكان أحد الأوروبيين القليلين الذين زاروا القدس في أوائل القرن التاسع عشر وترك لنا وصفاً دقيقاً ومفصلاً عن زيارته  منزل عمر أفندي ولقاءاته مع آل بيته وضيوفه فقد أرسل النقيب دعوة إلى ريتشاردسون لزيارته مع أحد أبناء آل أبو غوش في المدينة فلباها هذا الرحالة الذي كان طبيباً وبعد الزيارة الأولى والتعارف بين الطرفين طلب عمر أفندي من ضيفه أن يفحص عينيه ويعالجهما إذ كان النقيب حينذاك يعاني التهاباً في عينيه فقدم ريتشاردسون العلاج الملائم وقد وصف هذا الرحالة مضيفه عمر أفندي وابن عمه المفتي  طاهر أفندي بأنهما عالمان توسم فيهما الذكاء وسعة الاطلاع على أحوال الدنيا ففي السهرات التي أمضاها برفقتهما امتد الحديث لساعات تمت فيها مناقشة شؤون محلية وأخرى عامة   تتعلق بأحوال الدين والدولة العثمانية وقد لاحظ ريتشاردسون أن المتسلم كان بين ضيوف السهرة في كثير من الأحيان إلى جانب عدد من علماء المدينة وأعيانها وقد أمضى المتسامرون سهراتهم في بيت النقيب بين تناول الطعام واحتساء الشراب والقهوة وسماع الموسيقى والغناء بالإضافة إلى تبادل الحديث والمعلومات وذكر رتيشاردسون الذي تكررت زيارته  لمنزل عمر أفندي أن هذا البيت كان يضم أحياناً ما لا يقل عن ثمانين شخصاً من ضيوف الدار ومعارفها وأهلها

 

أثار ريتشارد سون  في سجل رحلته  إلى القدس موضوع  نساء المنزل وهو شأن ندر أن تعرض له الرحالة  مسلمين  كانوا  أو أوروبيين فمسألة  إطعام  عشرات الزوار والضيوف يومياً  كما لاحظ ريتشارد سون   كانت مهمة صعبة أثقلت بصورة خاصة على نساء المنزل  وعلى الرغم من وجود الخدم  والأتباع من ذكور وإناث مدنيين وفلاحين الذين ساعدوا  في تخفيف عبء العمل عن أهل الدار  فإن النساء شكون إلى الطبيب الإرهاق والتعب  وذكر  ريتشاردسون أن حصة غير صغيرة من مدة زيارته للقدس  والتي امتدت ثلاثة أسابيع  أمضاها في بيت النقيب وديوانه حتى إنه لم يجد الوقت لزيارة متسلم اللواء عبد الكريم وأقوال هذا الرحالة مثل شهادة حسن العطار وغيرها من الرسائل والوثائق لا تترك مجالاً للشك في أن عمر أفندي النقيب كان أقوى وأهم شخصية في القدس حينذاك أما منزله  المشرع دائما لاستقبال الضيوف والزوار فكان تعبيراً عن مكانته العالية ونفوذه الواسع  في مجتمع  قائم على أسس الوجاهة والعلاقات الشخصية والعائلية

 

كانت وظائف إفتاء الحنيفة  ونقابة الأشراف ومشيخة  الحرم القدسي من أبرز وظائف علماء القدس وأعيانها والتي تولاها أبناء عائلة الحسيني في أوائل القرن التاسع عشر أما بقية رجال هذه الأسرة فتقلدت وظائف أخرى متواضعة منها تواليه الأوقاف مثل النبي موسى والتدريس وخدمة المساجد وكذلك التجارة والصناعة  كالصابون وغيرها من الأعمال  وقد لخص المفتي حسن بن عبد اللطيف الحديث  عن أبناء عائلته في تراجمه لأهل القدس قائلاً إنهم بالعموم كانوا في ذلك الوقت  حوالي خمسين رجلاً فقراء وأغنياء أعيان ومن عامة الناس هذا الوصف ينطبق على أبناء هذه العائلة في فترة الدراسة كما ينطبق على أغلبية الأسر المقدسية  التي  أبرزها علماء وأعيان لكنها لم تخل من البسطاء والفقراء وقد حافظ آل الحسيني  على مكانتهم ونفوذهم في القدس خلال أواخر العهد العثماني فكان ذلك الأساس  الطبيعي لتقلدهم قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية أيام الحاج أمين الحسيني فترة الانتداب البريطاني

 

 آل الخالدي

 

احتل آل الخالدي الملقبون بالديري سابقاً مكانة مهمة بين علماء القدس وأعيانها خلال أجيال متتالية بما في ذلك الفترة التي تغطيها هذه الدراسة وكان  مصدر نفوذ  أبناء هذه الأسر على الدوام عملهم في المحكمة الشرعية كتاباًَ ورؤساء لكتاب المحكمة باشكاتب ونواباً للشرع  وصارت وظيفتا الإفتاء ونقابة الأشراف حكراً على أبناء عائلة الحسيني بصورة عامة لكنهما ظلتا تنتقلان من حين إلى آخر إلى آخرين من علماء القدس وأعيانها أما آل الخالدي فلم يكونوا بين المتنافسين في شأن الإفتاء أو النقابة لكنهم في الوقت نفسه نجحوا في صيانة وظائف المحكمة الشرعية  لأبناء عائلتهم ومن خلال العمل في سلك القضاء نجح بعضهم  في تسلق سلم الوظائف فعين لنيابة الشرع أو حتى لحكم الشرع في القدس وأماكن أخرى وعلى الرغم من الصعود والهبوط الذي أصاب مكانة آل الخالدي خلال العهد العثماني فإن  الأمر البارز في تاريخ هذه العائلة أنها حافظت على دورها في المحكمة الشرعية ومن خلالها أقامت نفوذها الاجتماعي

 

عرف أبناء عائلة الخالدي في أوائل العهد العثماني بكنيتهم الديري نسبة إلى قرية الدير في لواء نابلس وحتى قبل العصر العثماني فإن بعض أبناء هذه العائلة التي استوطنت القدس برز منهم علماء مشهورون بينهم شمس الدين محمد بن عبد الله الديري ويبدو إن هذا القاضي كان أول من سكن القدس وأسس فيها عائلة من نسله عرفت فيما بعد بالخالدي  نسبة إلى خالد بن الوليد وقد لازمت كنية الديري أبناء هذه العائلة حتى القرن الثامن عشر ثم سقطت بالتدريج وزاد التشديد على الخالدي  وتأكيد النسبة إلى خالد بن الوليد فاتح بلاد الشام أيام الخليفة الأول أبو بكر الصديق  لكن بعض الباحثين الذين درسوا وحققوا في تاريخ الأسرة شكك في هذا النسب الذي أحدثه المتأخرون ليليق بمكانة العائلة وتاريخها العريق وعلى كل الأحوال  فإن نسب آل الخالدي العريق صار مقبولاً في القرن الثامن عشر تؤكده وثائق المحكمة الشرعية وكتب تراجم علماء ذلك العصر وأعيانه بخلاف العديد من عائلات القدس فإن آل خالدي لم ينتسبوا إلى سلالة الرسول وظلوا بعيدين عن المنافسة في شأن نقابة الأشراف كما أنهم على الرغم من انتمائهم إلى المذهب الحنفي منذ بداية العهد العثماني لم يحاولوا الحصول على وظيفة إفتاء الحنفية في المدينة وبقوا بعيدين عن صراعات القوى فيما يتعلق بتلك  الوظائف  المهمة وقد برز من أبناء هذه العائلة في القرن الثامن عشر محمد صنع الله الخالدي الذي شغل وظيفة باشكاتب المحكمة الشرعية وبعد وفاته في سنة 1140هـ/1727-1728م، ورث مكانه ولداه خليل ثم إبراهيم حتى وفاتهما فانتقلت إلى آخرين من أبناء الأسرة ويبدو أن مكانة هذه العائلة  تأخرت منذ أواخر القرن السابع عشر بسبب الإصلاحات وإعادة تنظيم سلك القضاء في الدولة العثمانية فسياسة تعيين القضاة من خريجي المدارس العثمانية في إسطنبول ساهمت كما يبدو في تراجع فرص علماء بلاد الشام والأقاليم العربية  عامة للحصول على وظائف الكبار لكن أحوال العائلة عادت فتحسنت منذ أواخر  القرن الثامن عشر فازداد نفوذها مع صعود مكانة  أبناء النخب المحلية وتراجع  الإدارة المركزية  العثمانية

 

 لقد برز من أبناء عائلة الخالدي ثلاثة أشخاص أدوا دوراً مهماً في إعلاء مكانة  الأسرة منذ أواخر القرن الثامن عشر كان الأول بينهم علي أفندي الذي عين  باشكاتباً في محكمة القدس الشرعية  منذ سنة 1782على الأقل بعد موت عمه إبراهيم بن محمد صنع الله المذكور أعلاه وفي بداية عمله نشب صراع بينه وبين ابن عمه إبراهيم الذي حاول أن يرث وظيفة  والده على عادة ذلك  العصر وحصل على براءة سلطانية لهذا الغرض  لكن علي أفندي  الذي  كان كاتباً في المحكمة الشرعية عقدين من الزمان هو الذي حصل على دعم علماء المدينة وأعيانها وكان على المولى خلافة الشرع القاضي الحسم  واتخاذ القرار فيما يتعلق بهذا التنافس  في شأن وظيفة الباشكاتب ومن الجدير بالذكر أنه كان لموقف  كل من نقيب  أشراف القدس حينذاك  عبد الله بن عبد اللطيف ومفتي الحنفية حسن بن عبد اللطيف  أثر حاسم في إعطاء علي أفندي الوظيفة فقد شهد علماء المدينة وأعيانها بمن فيهم المفتي ونقيب الأشراف على أن محمد أفندي ابن الباشكاتب السابق حديث العهد  بعمل المحكمة الشرعية وغير مقبول من طاقم موظفيها أولاً ومن أهل القدس عامة وفي المقابل أقر أولئك الشهود أن علي أفندي ملائم لوظيفة الباشكاتب ومقبول من طاقم المحكمة والأهالي عامة على هذا الأساس طلب علماء المدينة وأعيانها من القاضي إعطاء علي أفندي الوظيفة وعدم قبول التعيين الرسمي الذي جاء به محمد أفندي ابن إبراهيم الباشكاتب السابق وقد علل هؤلاء موقفهم هذا بأن البراءة السلطانية التي صدرت  للأخير كانت على أساس معلومات غير صحيحة بالنسبة إلى أهليته ولياقته للوظيفة وفعلاً قرر القاضي تعيين علي أفندي وتم إعلام والي الشام بهذا القرار فوافق هذا من طرفه على اختيار علماء القدس وصادق على قرار القاضي

 

تشير حادثة تعيين علي أفندي الخالدي في وظيفة باشكاتب المحكمة الشرعية إلى أهمية دور أبناء النخبة  المحلية في تعيين  أصحاب الوظائف فعلى الرغم من حصول محمد أفندي ابن الباشكاتب السابق على براءة سلطانية بتعينه  فإن موقف علماء القدس وأعيانها وعلى رأسهم أبناء عائلة الحسيني رجح  كفة الميزان لمصلحة علي أفندي وقد يكون لهذا الموقف الذي اتخذه زعماء آل الحسيني  دور في تفسير علاقات المودة والتعاون اللذان سادا بين موظفي المحكمة الشرعية من آل الخالدي وبين أبناء أسرة الحسيني في تلك الفترة فآل الحسيني وآل الخالدي لم يتنافسوا في شأن الوظائف نفسها وإنما حافظوا على علاقات التنسيق والتعاون فبينما  حاولت عائلات مقدسية مثل آل العلمي وجار الله  والجماعي وأبو السعود وغيرها منافسة آل الحسيني في شأن إفتاء الحنفية ونقابة الأشراف ظل آل الخالدي بعيدين عن هذه الصراعات كما ذكرنا سابقاً وقد توثقت  العلاقات  بين العائلتين  وتعززت أيضاً عن طريق المصاهرة في أوائل القرن التاسع عشر.

 

كانت وظيفة الباشكاتب نقطة انطلاق دائمة  لنيابة القاضي كلما غاب هذا عن المدينة أو تعذر عليه شغل منصبه لأي سبب من الأسباب والعمل إلى جانب المولى خلافة أو بالنيابة عنه أعطى آل الخالدي موقعاً مهما  للتأثير والنفوذ داخل القدس وخارجها في نواحي القضاء كافة هذه الحقيقة التي لم تغيب عن بال السلطان العثماني كانت سبباً كافياً في أبعاد الباشكاتب عن وظيفته لكن مثل هذه الحالات كان يرتبط أيضاً بشكوى الحساد والمنافسين فعلى سبيل المثال  قامت الدولة في سنة 1204هـ/1789-1790م، بإبعاد علي أفندي الباشكاتب عن وظيفته بتهمة  التدخل في شؤون الحكم والإدارة الخارجة عن صلاحياته عدة سنوات والغريب أن علي أفندي المعزول عن رئاسة كتاب المحكمة الشرعية عين خلال تلك الفترة نائباً للقضاء الشرعي في غزة ويافا وهو ما يشير إلى أن الغرض كان إبعاده عن القدس ومحكمتها الشرعية أما موسى أفندي الباشكاتب الجديد فعين أكثر من مرة خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر نائباً للشرع ثم عين قاضياً شرعياً أيام الحملة الفرنسية سنة 1799وفي سنة 1216هـ-1801م، عاد علي أفندي من يافا حيث كان قاضياً نائباً للشرع وعين ثانية باشكاتباً في القدس ونائباُ لقاضيها كما كان سابقاً هناك عدة مؤشرات  إلى أن مكنة علماء القدس وأعيانها تعززت في أعقاب الحملة الفرنسية التي زعزعت الثقة بقدرة السلطان وجيوشه على حماية الأماكن المقدسة  من الغزو الأوروبي فوثائق المحكمة الشرعية تشير إلى حاجة الدولة العثمانية إلى مساعدة النخب المحلية  في صد الفرنسيين وإخراجهم من فلسطين ومصر ثم في محاربة الوهابيين منذ مطلع  القرن التاسع عشر في هذه الفترة نجح موسى أفندي في تعزيز مكانته وتسلق سلم وظائف القضاء بعد بدايته الموفقة في القدس ويبدوا أن البعض  لم يعجبه تطور كهذا ولا نجاح موسى أفندي في إعادة أخيه إلى باشكاتبية  القدس فسعى لوضع حد لنفوذه  وصدر أمر سلطاني مدعوم بفتوى شيخ الإسلام  يقضي بإبعاده عن المدينة وفعلاً تم تنفيذ هذا الأمر وأبعد موسى أفندي عن القدس وقضائها لكن ليس لفترة طويلة فقد نجح هذا في ترقي سلم جهاز القضاء العثماني وعين قاضي المدينة المنورة  ثاني أقدس الأماكن  الإسلامية ومن أهم مناصب ذلك الجهاز واستمر موسى أفندي بعد ذلك في التقدم في وظائفه حتى عين في منصب قاضي عسكر الأناضول  ثاني أهم وظيفة علمية  بعد شيخ الإسلام

 

كانت الوظيفة الحكومية في العهد العثماني مصدراً لجمع الثروة وتعزيز النفوذ الاجتماعي كما  أشير  إلى ذلك سابقاً  وفي حالة موسى أفندي  فإنه مع ترقيه في سلم  القضاء الشرعي نجح في جمع ثروة كبيرة استثمر بعضها في شراء الأملاك والعقارات في القدس  وفي سنة 1828، أنشأ هذا القاضي وفقاً ذرياً شمل عدداً من الأملاك والعقارات التي تضم  بيوتاً وحوانيت وكروماً وحقوق خلو شرعي في  قهوة وحوانيت ومخبز ومطحنة وغيرها من المباني  وقد حبس موسى  أفندي الخالدي  وقفه هذا على نفسه طوال حياته ثم على مصطفى وعبد القادر فالمصادر المتوفرة لا تقدم معلومات عنه  ويبدو أنه توفي صغير السن من دون أن يقيم عائلة أو يخلف أولاداً أما مصطفى الابن الثاني  فعاش في إسطنبول مدة طويلة ودرس وتخرج من مدارسها وعين قاضياً شرعياً في القدس فعاد إليها وشغل الوظيفة فعلاً وبعد  فترة وجيزة  تزوج ابنة عمه علي أفندي المذكور أعلاه  وقد توفي مصطفى  هذا فجأة بعد أشهر قليلة من زواجه فانتقلت تركته إلى زوجته ومنها إلى أخيها  محمد علي أفندي أما بالنسبة إلى بنات موسى أفندي الخالدي فإن ثلاثاً منهن  تزوجن  بأبرز أعيان القدس وعلمائها فرقية تزوجت عمر أفندي نقيب الأشراف وأسماء تزوجت ابن عمها محمد علي أفندي الباشكاتب ونائب الشرع بينما تزوجت محبوبة بمحمد تاج الدين أبو السعود الذي عين نقيباً على أشراف القدس بين الفينة والأخرى وبالنسبة إلى موسى أفندي نفسه فإنه أمضى آخر سنوات حياته في إسطنبول وتوفي فيها سنة 1247هـ/1832م، وقد تقلد هذا القاضي  المقدسي أهم  وأعلى وظيفة  في أجهزة  الدولة  العثمانية  في زمنه وكان لموسى أفندي  قبل وفاته بقليل دور مهم في حث أهالي القدس وتحريضهم  على محاربة جيش  محمد علي الذي غزا البلد أو عدم التعاون معه على الأقل لقد أدى هذا القاضي الخالدي دوراً مهماً في تعزيز نفوذ أبناء عائلته في العاصمة العثمانية حيث أقام علاقات قوية برجال الإصلاح أيام السلطان محمود الثاني وبعد وفاته انتقلت زعامة العائلة إلى محمد علي أفندي ابن أخيه وصهره كما أشرنا إلى ذلك سابقاً وبالنسبة  إلى علي  أفندي الخالدي  فإنه ظل في وظيفته في القدس باشكاتباً ونائب الشرع مدة طويلة  وقد ساعده هذا المنصب  مثل أخيه موسى من قبله  في جمع ثروة كبيرة وفي تعزيز نفوذه ومكانته  بين أفنديات القدس فعندما توفي أحمد باشا الجزار في سنة 1804، كان علي أفندي نائب الشرع في القدس أي القائم بأعمال القاضي فعلياً وكمؤشر إلى نفوذه ومكانته حينذاك فإنه أصدر كتاباً إلى محمد أغا متسلم غزة والرملة وأمين  جمرك يافا  يبقيه  في وظيفته  حتى وصول أوامر  جديدة من إسطنبول  ولم يغب عن بال السلطات العثمانية امتداد نفوذه على القدس لكن هذه المحاولات فشلت لأن قاضي القدس المولى خلافة  حينذاك أعاد تعينه في وظيفته الباشكاتب فبالإضافة  إلى أهليته ولياقته وتجربته الطويلة في ذلك  المنصب  فإنه  كان يحظى  بتأييد علماء القدس وأعيانها عامة تكررت محاولة إقصاء علي أفندي  الخالدي عن وظيفة الباشكاتب  في سنة 1228هـ/1813م، حين استدعي إلى دمشق حيث قام الوالي  بتحذيره من التدخل في شؤون الحكم طالباً منه التزام حدود وظيفته في المحكمة الشرعية وكانت التهمة الموجهة إليه أنه بالتعاون مع بعض علماء القدس وأعيانها  يتدخل في شؤون  إدارة  اللواء الموكلة إلى والي الشام ومتسلمه  وقد اكتفى والي دمشق في تلك المرة بتوجيه الإنذار والوعيد فقط  لكن يبدو أن هذا التحذير لم يغير شيئا من مجريات الأمور وموازين القوى على أرض الواقع في القدس ونواحيها فآل  الخالدي مثل  آل الحسيني وغيرهم من أبناء النخب المحلية  في بلاد الشام وغيرها من الأقاليم  لم يترددوا كثيراً في استغلال ضعف السلطة المركزية وممثليها لزيادة  نفوذهم والتدخل في شؤون الحكم لما فيه خدمة مصالحهم وكان ولاة الشام يغضون الطرف عن تصرفات أفنديات القدس تلك لأنهم بحاجة إلى تعاونهم على إدارة شؤون اللواء أما الحالات التي تدخل فيها هؤلاء الولاة وحالوا كبح جماح الأفنديات  وعلى رأسهم آل الحسيني وآل الخالدي فكانت قليلة بعضها لحفظ ماء الوجه أمام الدولة ورجالها.

 

 

توفي علي أفندي الخالدي في القدس سنة 1231هـ/1816م،وورثه في وظيفته  ومكانته العالية ابنه محمد علي أفندي الذي ظل باشكاتبية المحكمة  ونيابة الشرع سنوات طويلة وخلال العقود التي شغل فيها محمد علي أفندي وظائفه وسع  آل الخالدي نفوذهم كثيراً خارج القدس أيضاً وخصوصاً في غزة ويافا وغيرهما من مدن نواحي القضاء فمن خلال عملهم في تلك المحاكم الشرعية أو دورهم في تعيين  نواب الشرع فيها نجحوا في حماية مصالحهم الاقتصادية وزيادة استثمارهم في تلك المدن ونواحيها ومن الجدير  بالذكر أيضاً  أن محمد علي هذا سار على درب عمه موسى أفندي وعين قاضياً شرعياً في القدس ونقل وظائفه في المحكمة الشرعية إلى ولديه خليل وياسين وفي مقارنة سريعة بين دور أبناء عائلة  الخالدي ومكانتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر وبين ما كانوا في القرن الذي سبقه يتبين بوضوح أن هذه العائلة عززت نفوذها وتمركزت كثاني أقوى أسر أفنديات القدس  بعد آل الحسيني.

 

كان لموسى الخالدي الذي ترقى في سلم وظائف جهاز القضاء  العثماني حتى  منصب قاضي عسكر الأناضول دور مهم في تثبيت أقدام العائلة ومكانتها في القدس  ومدن نواحي القضاء ومن الجدير بالذكر أن موسى أفندي وغيره من أبناء العائلة  أقاموا كآل الحسيني علاقات وطيدة  بكبار رجال الدولة العثمانية لكنهم برزوا في تأييدهم للإصلاح وتقربهم من زعماء حركة التنظيمات العثمانية في القرن التاسع  عشر هذا المؤلف المؤيد للإصلاح  والتغيير برز بصورة خاصة أيام يوسف ضياء الخالدي (1842-1906) لكن الحديث عن هذا الموضوع وتلك الفترة يخرج عن نطاق هذه الدراسة ويحتاج إلى دراسات أخرى فضلاً عما تم نشره في هذا الشأن

 

العائلات المقدسية الأخرى

 

بالإضافة إلى آل الحسيني وآل الخالدي برز في تاريخ القدس خلال العهد العثماني  دور مهم لعائلات أخرى عريقة الوجود في المدينة ولأخرى حديثة الصعود تقلدت وظائف علمية وإدارية وقد عين أبناء هذه العائلات فعلاً في منصبي إفتاء الحنفية  ونقابة الأشراف بينما اكتفت أغلبيتها عادة بوظائف أقل مكانة ونفوذاً وارتبطت  الوظائف الأخرى المتاحة لأفنديات القدس بالعمل في المساجد والمدارس والزوايا الصوفية ومالها من أوقاف كبيرة وفي عرض سريع للوظائف التي تقلدها علماء القدس الذين ترجم لهم حسن بن عبد اللطيف و هناك  إشارة إلى أن بين العاملين في الإفتاء والقضاء كانوا الأكثر عدداً بين 74رجلاً ترجم لهم هذا المؤلف ويلي هؤلاء  رجال الحركات الصوفية ومشايخها ثم المدرسون وأئمة المساجد وشيوخ الحرم وكان بين هؤلاء عامل فلكي واحد بينما غاب عن لائحة الوظائف أو الأعمال  الاشتغال بالتاريخ أو أي علوم غير دينية أخرى فأين درس هؤلاء العلماء وما هي الوظائف المهمة الأخرى التي تركها لهم  أبناء عائلتي الحسيني و الخالدي بعد أن احتكروا الإفتاء ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم ونيابة الشرع وباشكاتبية المحكمة  الشرعية؟

 

تبين الأعمال التي ذكرها حسن بن عبد اللطيف في تراجم أهل القدس أن العلماء عينوا في الأساس في وظائف دينية أما المدارس التي تعلم فيها علماء القدس وبقية  المدن الفلسطينية المجاورة والتي أهلتهم لوظائف فكانت في القاهرة ودمشق  وإسطنبول إضافة إلى المدارس المحلية وكان الأزهر أرقى تلك المدارس التي تطلع أهل البلد إلى التخرج منها كمؤهل للتنافس في شأن  الوظائف العلمية المتاحة وفي القرن الثاني الهجري القرن الثامن عشر الميلادي تقريباً أصبح الأزهر فعلاً  على رأس سلم المؤسسات العلمية  التي تخرج  منها أفنديات القدس وغزة وغيرهما  من مدن فلسطين واستمر الأزهر مركزا جذاباً لطلبة العلم من فلسطين في القرن التاسع  عشر حتى صارت أغلبية المجاورين في رواق الشام في هذا المعهد من الفلسطينيين فمن 222طالباً مجاوراً في الأزهر من بلاد الشام عامة في سنة 1312هـ /1903م، كان 135مجاوراً من فلسطين  وقد ذكرنا أعلاه  بعض علماء القدس البارزين  الذين ترجم لهم مشايخ الأزهر المشهورون مثل مرتضى الزبيدي  وعبد الرحمن الجبرتي كما أن أفنديات القدس الذين تخرجوا من الأزهر حافظوا على علاقاتهم  بشيوخهم  مثل حسن العطار والجبرتي وعبد الله الشرقاوي وغيرهم بعد عودتهم إلى وطنهم واستقرارهم فيه

 

واختلف حظ  أفنديات  القدس من جيل إلى آخر كما إن تركيبة  هذه الفئة من النخبة  تغيرت نتيجة أوضاع وعوامل اجتماعية وسياسية عديدة فقد تعزز نفوذ بعض العائلات المقدسية بسبب نجاح أحد أبنائها بينما تراجع حال العائلة  بسبب وفاة زعيمها أو تورطه في حركة تمرد أو صراعات كثورة نقيب الأشراف التي مر ذكرها معنا.

 

 ولما كان من الصعب كتابة سيرة جماعية لبقية عائلات أفنديات القدس في أوائل  القرن التاسع عشر فسنحاول تقديم  عرض موجز لدور تلك العائلات وأهم الوظائف التي تقلدها أبناؤها لكن محاولة تحديد مقياس دقيق لمكانة أبناء النخب المقدسية   ليست عملية يسهل القيام بها والمعيار الذي ستتبعه هذه  الدراسة في تقيمها  مكانة العائلات المقدسية ليس عراقة  تاريخها  أو نسبها  وحسبها  وإنما  مدى  الاجتماعي والدور السياسي الذي أداه أبناؤها خلال الفترة التي تغطيها هذه الدراسة  وعلى أساس هذا المعيار يمكن تصنيف بقية عائلات أفنديات  القدس في ثلاث  مجموعات اختلفت بعضها عن بعض فيحظ أبنائها بالنفوذ الاجتماعي السياسي  في الثلث  الأول من القرن التاسع عشر

 

عائلات تقلد  أبناؤها من حين إلى آخر وظائف مهمة  مثل الإفتاء والنقابة ونيابة  الشرع على الرغم من أن تلك الوظائف كانت عادة حكراً على أبناء عائلتي   الحسيني والخالدي وشملت هذه المجموعة من العائلات آل جار الله أبو اللطف والجماعي الخطيب والعلمي والدجاني وأبو السعود والإمام والبديري
عائلات تقلد أبناؤها في القرون السابقة مناصب علمية وإدارية مهمة لكنها مع الوقت خسرت المنافسة في شأن تلك المناصب واكتفى أبناؤها في أوائل القرن التاسع عشر بالعمل في التدريس وخدمة المساجد والزوايا الصوفية وغيرهما من الوظائف
هذه العائلات عاشت على ذكرى تاريخها  العريق واكتفت  بدور متواضع في السلم  الاجتماعي وبين تلك العائلات يمكن ذكر الفتياني والشهابي والموقت وجودة  ونسيبة والعسيلي والدقاق والأنصاري

 

عائلات خسرت وظائفها العلمية والإدارية العالية واكتفى  أبناؤها  في فترة هذه الدراسة بتولي بعض الأوقاف وبخدمة الجوامع والتكايا والمدارس لكنهم تميزوا عن سابقيهم بأن بعضهم طرق أبواباً جديدة في سبيل الحراك الاجتماعي إما عن طريق الخدمة العسكرية وإما عن طريق التجارة والاستثمارات  العقارية وضمن هذه المجموعة يمكن ذكر آل الجاعوني  والقطب والعفيفي والعسلي وقطينة  وسموم  وشهوان والنشاشيبي

 

كانت القدس مدينة صغيرة بعيدة عن طريق التجارة  فاعتمد أهلها إلى حد كبير  على اقتصاد ريعي مرتبط  بالأماكن المقدسة وبحجاج تلك الأماكن وزوارها هذا الاقتصاد لم يكن إنتاجياً مستقلاً زراعياً وصناعياً وإنما يعتمد على مواسم الزيارات  والحجاج من جهة  وعلى ما خصصته الدولة من أموال وأوقاف لصيانة الأماكن المقدسة وخدمتها من جهة أخرى لذا فإن أفنديات القدس كانوا بحاجة دائمة إلى إبقاء قنوات الاتصال  مفتوحة  بالعاصمة  العثمانية  وغيرها من عواصم  الولايات المجاورة  لقد حددت قدسية بيت المقدس  أولى القبلتين  وثالث الحرمين  عند المسلمين  ومحط  أنظار  اليهود  والمسيحيين في العالم  السمات الرئيسية  لاقتصاد  المدينة  ونوعية نخبتها المحلية  ولما  ضعفت قبضة السلطة  المركزية  العثمانية  في المنطقة   تقدم  أفنديات  القدس  ليقوموا  بالأدوار التي انسحبت منها الدولة وممثلوها  هذا الدور الإداري  والاجتماعي  الذي  قام به علماء المدينة  وأعيانها  منذ القرن  الثامن عشر  انتقل  بالوراثة  إلى الأجيال التالية  في أواخر العهد العثماني

 

وبعدما سيطر آل الحسيني  بنو غضية سابقاً  على مناصب إفتاء الحنفية  ونقابة الأشراف  ومشيخة  الحرم  كما مر معنا  واحتكر آل الخالدي  وظائف  المحكمة  الشرعية  تقلصت فرص  الحراك الاجتماعي العلمية  أمام  أبناء  بقية  العائلات  المقدسية فعلى  سبيل المثال  خسر حسين بن عبد اللطيف  وظيفة  الإفتاء مرة واحدة فقط في العقد الأخير من حياته وتولاها  بدلاً منه نجم الدين أفندي  الجماعي  في أوائل سنة 1222هـ/1807م، وكان بدر الدين والد نجم الدين هذا عالماً معروفاً  درس في القاهرة  ودمشق  على علماء عصره   وعين بعد عودته إلى القدس  مفتى الحنفية  وفق اختيار أهل المدينة وظل  يشغل ذلك  المنصب  سنوات  طويلة  حتى وفاته  في صفر 1187هـ/نيسان (أبريل)- أيار(مايو)1773م، أما ابنه نجم الدين فأشار حسن بن عبد اللطيف في تراجمه لأهل القدس إلى أنه  أصبح من الأعيان  بعد أن كان شغل منصب  إفتاء الحنفية مدة قليلة وعندما عين نجم الدين أفندي  في منصب إفتاء الحنفية  سنة 1222/1807م، لم يبق في الوظيفة هذه المرة  أيضاً إلا أِشهراً قليلة  بسبب وفاته فعاد المنصب إلى حسن بن عبد اللطيف  الحسيني  وإلى أقربائه  من بعده  أما الوظيفة التي  احتفظ بها آل الجماعي  وتناقلوها أجيالاً بالوراثة  فكانت  رئاسة خطباء  الحرم  مسجداً الأقصى  وقبة الصخرة  وعرفوا فيما بعد  بآل الخطيب

 

أما عائلة  جار الله  أبو اللطف فكانت أيضاً من الأسر  المقدسية  العريقة  لقد  وصل  الجيل  الأول  منها إلى القدس  خلال القرن  الخامس  عشر  وعرف أفراده حينها  بأبو اللطف الحصكفي  نسبة إلى حصن كيفا وهي بلدة صغيرة في منطقة  ديار  بكر  في الأناضول  وخلال  القرن التاسع  عشر برز  من هذه العائلة علماء  مشهورون  تقلدوا مناصب الإفتاء  في القدس  وغيرها للمذهبين  الحنفي والشافعي  لكن  في القرن التالي  تراجعت  مكانة  أبناء   هذه الأسرة  إلا أنهم  ظلوا يشغلون  من حين إلى آخر  وظائف الإفتاء ونيابة  الشرع والتدريس في المدرسة الصلاحية  وكان آخر من تقلد إفتاء الحنيفة من هذه العائلة محمد جار الله  الذي عين  أيضاً  نقيباً على أشراف القدس فترة وجيزة  أما  بعد الحملة الفرنسية  فلا  يرد ذكر لأحد من آل  جار الله  في منصبي الإفتاء أو النقابة  وحتى إفتاء الشافعية  الذي كان في أيديهم  في الماضي  انتقل إلى عائلات أخرى  مثل أبو السعود  والإمام الحسيني   واكتفى أبناء هذه العائلة  بعد ذلك بوظائف   التدريس  وخدمة المساجد  وقد عرفت العائلة  في أواخر العهد العثماني  باسم جار الله  جد العائلة المقدسية  وسقط عنها الاسم القديم  أبو اللطف  وكنية الحصكفي  التي عرفت بها سابقاً  بعكس  إفتاء  الحنيفة الذي استقر في آل الحسيني  منذ أوائل  القرن التاسع عشر  فإن  نقابة الأشراف ظلت  وظيفة  مفتوحة  للمنافسة  بين أبناء عائلات الأشراف  وفي فترة هذه الدراسة  تنافس مع آل الحسيني في شأن النقابة عائلتان هما العلمي  وأبو  السعود  أما  الأخيرة  فعرفت  في القرن  الثامن عشر كأسرة صوفية  انتسب بعض أبنائها  إلى طريقة عبد القادر الجيلاني وكان   محمد أبو السعود أحد كبار مشايخ الصوفية  في فلسطين  وشيخ الطريقتين  الخلوتية والقادرية  في بيت المقدس  لم يحاول هذا العالم الصوفي  تقلد مناصب  إدارية  معظم حياته  وإنما اكتفى  بدوره في نشر  طريقته  وإقامة  طقوس  الذكر  في تكايا المدينة  وزاياها  أما ولداه أحمد  ومصطفى  فأنهما تقلدا  إفتاء الشافعية  ونيابة الشرع على  المذهب الشافعي  وعلى الرغم من أن الشيخ محمد أبو السعود لم يحاول الحصول على مناصب رسمية  في أجهزة الدولة   فإن  مكانته كانت  عالية عند رجالها إذ كان اسمه يدرج   في رأس  المعنونين   في الأوامر السلطانية   ومراسيم ولاة الشام  ومتصرف القدس  محمد باشا أبو المرق  وغيرهم وخصوصاً  فترة الحملة الفرنسية على  البلد  وعندما تقدم هذا   الشيخ  بالسن سافر إلى العاصمة العثمانية  بدعوة من رجال الدولة   فعاش  هناك مدة قصيرة  حتى وفاته فيها  سنة 1228هـ/1813م،  يبدو أن الاحترام الكبير الذي  حظي به الشيخ أبو السعود  في إسطنبول قبل وفاته كان سبباً بتعيين حفيده محمد تاج الدين بن مصطفى لأول مرة  نقيباً على إشراف القدس في سنة  1228هـ/1813م، لكن هذا التعيين  لم يستمر طويلاً  إذ عاد عمر أفندي  النقيب  الحسيني إلى منصبه  بعد أشهر قليلة  ويبدو أو وفاة الشيخ  أبو السعود في تلك  الفترة   ساعدت في نجاح   آل الحسيني  في إعادة   المياه إلى مجاريها  لكن ذلك  لم يمنع  محمد تاج الدين أفندي من تكرار  التجربة  و النجاح  في تقلد  نقابة أشراف  القدس أكثر  من مرة بعد ذلك  لكن لفترات قصيرة  أيضاً  أما في سنة 1235هـ/1819-1820م، فنجح أبو السعود  في الحصول على نقابة الأشراف   أربع سنوات الأمر الذي  يشير إلى مكانة العائلة  القوية  وقدرتها  على منافسة آل الحسيني  بين الفينة والأخرى 

 

عندما نشب تمرد سنة 1825-1826 في القدس لم نجد ذكراً لعمر  أفندي  النقيب أو لأي شخص آخر من آل الحسيني في زعامة هذه الحركة  أما محمد تاج الدين أبو السعود  فيبدو أنه كان ضالعاً في ذلك التمرد  الذي تزعمه العساكر   وبعض أعيان المدينة  من غير العلماء  البارزين  لذا  بعد إخماد تلك الحركة  بمساعدة والي عكا  عبد الله باشا  هرب أبو السعود هذا إلى مصر خوفاًُ من عقاب  الدولة العثمانية  فتدخل محمد علي باشا والي مصر للعفو عنه عند والي الشام وطالب بألا يصاب بأذية  أو بضرر لكونه  من أشراف القدس  وعاد أبو السعود إلى القدس فعلاً  وظل أحد المنافسين البارزين لآل الحسيني في شان  نقابة الأشراف حتى  قدوم الحكم  المصري  أما الوظائف  الأخرى  التي شغلها  هذا الأفندي  حين لم يكن نقيباً  على الأشراف  فكانت الخطابة التدريس  وتوليته  الأوقاف  المهمة للحرمين القدسي  والإبراهيمي  وفي فترة  التنظيمات  العثمانية تأخر حال هذه العائلة  واكتفى  أبناؤها  حينذاك  بوظائف  متواضعة  في المدارس والمساجد  وبإقامة  الذكر  في زوايا الحركات  الصوفية في المدينة  أما عائلة العلمي  فكانت إحدى  العائلات المقدسية العريقة  التي حافظت بشكل أو بآخر على مكانتها  بين أفنديات القدس  على الرغم من تغير الأزمان  وتقلب السياسات  خلال العهد العثماني  وقد ارتبط اسم هذه العائلة  بالحركات الصوفية  وتقلد أبناؤها مشيخة  الصوفية  من معقلهم في  الخانقاه الصلاحية  في جوار كنيسة القيامة  وبالإضافة إلى مشيخة الصوفية  فإن علماء هذه الأسرة عينوا  أحيانا نواباً للشرع  قضاة  ونقباء للأشراف  لا في القدس فحسب بل في غزة واللد والرملة أيضاً  كما أقام  أبناؤها  فروعاً  لعائلتهم  في تلك المدن  الأمر الذي عزز نفوذهم  في جنوب فلسطين عامة  وقد عين أحد أبنائها  وفاء أفندي العلمي  نقيباً على أشراف  القدس عدة مرات  أولها  سنة 1223هـ /1808م، لأشهر قليلة  وفي  آخر العشرينيات  من القرن  التاسع عشر  عاد وفاء  أفندي  فتولى  النقابة  مرة أخرى فترة أطول نسبياً  امتدت  عاماً ونصف  عام تقريباً لكن آل الحسيني نجحوا  مرة أخرى في استعادة هذا المنصب وعين فيه هذه المرة  محمد علي أفندي  الحسيني نجل عمر النقيب وحفيد  موسى أفندي الخالدي  من جهة أمه

 

كانت عائلة الدجاني من  العائلات المعرفة  بعلاقاتها الوثيقة بالحركة الصوفية  وخصوصاً من معقلها الخاص  أي زاوية النبي  داود  في القدس على جبل صهيون   وقد تراجعت مكانة العائلة في أواسط  العهد العثماني  بحيث لا نجد ذكراً في تراجم  أهل القدس  لأي واحد من أبنائها  بين أصحاب الوظائف الرسمية العالية لكن آل الدجاني  حافظوا في تلك الفترة  أيضاً على إدارة زاوية النبي داود  وخدمة زوار أهل هذا المكان المقدس  ولشدة ارتباط  أفراد  العائلة  بتلك الزاوية  فإن فرعاً منها  صار يعرف  بالداودي  كما وجدت  فروع  للدجانية  مثل عائلات مقدسية أخرى  في مدن فلسطينية ساحلية  أهمها يافا  لا نعرف بالضبط ماهية  علاقة  القربي بهم  فقد كان لآل الدجاني  أسرة مشهورة  في تلك المدينة  برز منها في النصف الأول  من القرن التاسع عشر الشيخ حسين سليم الدجاني  مفتي  الحنفية في يافا على العموم فإن آل الدجاني في القدس كانوا من أكثر أفنديايتها  عدداً وأوفرهم  مالا لاشتغالهم  بالتجارة  إلى جانب  اهتمامهم بأمور الدين  والطرق الصوفية  وزواياها
وكانت  عائلة  الإمام الحسيني أيضاً من العائلات المقدسية  العريقة  التي ارتبط  اسمها  بتاريخ  القدس منذ عدة  قرون  هذه العائلة  بخلاف  سابقاتها  حافظت على انتمائها  إلى المذهب  الشافعي  على الرغم من تحنف العديد  من العلماء أبناء العائلات الأخرى  كوسيلة للوصول إلى الوظائف  الحكومية  ويعود  وصول  أجداد هذه العائلة إلى القدس إلى أواخر القرن السادس عشر على الأقل  إذ عرفوا حينها  بكنية أبناء قاضي  الصلت  وقد تزوج  جد العائلة  محمد شمس الدين بن يحيى شرف الدين  بابنه عبد القادر الوفائي  الحسيني  مفتي القدس ونقيب  أشرافها  في أوائل القرن السابع عشر وهكذا صار  أولاد هذا الشيخ  ونسله من الأشراف  لصلة الرحم  وعرفوا فيما بعد  باسم الإمام الحسيني  أما اسم الإمام فاشتهروا به لأن إمامة الشافعية  في المسجد الأقصى كانت  وظيفة انتقلت  بالوراثة   بين أبناء العائلة جيلا  بعد آخر  وقد حاول أحد الباحثين    في تاريخ فلسطين  أن يدلي بدلوه  في النقاش  بشأن أصول آل  الحسيني بنو غضية  ونسبهم  فقام بالخلط  بين آل الحسيني الجدد  وبين عائلة الإمام الحسيني

 

وبالإضافة  إلى انتساب آل الإمام الحسيني  إلى الأشراف  وشغلهم  وظيفة إمام  الشافعية في المسجد الأقصى  فإن بعض أبنائهم  عين في منصب إفتاء  الشافعية  أحياناً  خلال القرن  الثامن  عشر كما أنهم  اشتغلوا بالتدريس  في المدرسة  الأمينية  المحاذية  لسور  المسجد الأقصى  الشمالي  فصارت  مسكناً  لهذه  الأسرة خلال مئات السنيين  وفي بداية القرن التاسع عشر   برز من هذه الأسرة خلال الشيخ عبد الغني  الإمام  وابنه  محمد صالح  وتقلد  الاثنان إفتاء الشافعية  في القدس ويافا  ونافسا آل أبو السعود في شأن هذه  الوظيفة  كما  أن محمد صالح  أفندي  كان عالما مشهوراُ ومدرساً  معروفاً  درس  عليه  العديد من أهل القدس ويبدو  أن حظ هذه العائلة  ارتفع  في زمانه  بسبب علاقات  التعاون التي أقامها  مع آل الحسيني  ومنافسة أولاد أبو السعود  للعائلتين  ويظهر  حظ العائلة المادي  بوضوح  في الأملاك والعقارات  التي جمعها  عبد الغني وابنه  محمد صالح  وفي حبسهما للأوقاف  الذرية  التي  كانت  من أهم وأكبر  الوقفيات التي أنشأها  أهل القدس في ذلك العهد
أما عائلة البديري فكانت حالة غير اعتيادية  بين علماء القدس وأعيانها  في أوائل القرن التاسع عشر  فبعكس  العائلات الأخرى  كانت هذه الأسرة  حديثة العهد في تاريخ المدينة  فقد  هاجر  جد العائلة محمد البديري  المعروف بابن حبيش  من المغرب ووصل  إلى مصر  حيث  التحق  بالأزهر عدة سنوات  وصار من مشايخ  الطريقة الخلوتية  ثم جاء إلى القدس كما يبدو في سبعينيات  القرن الثامن عشر  فأحبه  أهلها وأجلوه  وأصبح من أبرز علمائها  ومثل الشيخ محمد أبو السعود  فإن البديري  لم يدخل حلبة  التنافس في شأن الوظائف  العلمية  الرسمية  الأمر الذي أكسبه احترام الأهالي  وتقديرهم وورد اسم  البديري  أيضاً إلى جانب أبو السعود  في عد كبير من الأوامر  السلطانية ومراسيم ولاة الشام وعكا أيام الحملة الفرنسية   كما ذكره محمد باشا أبو المرق في مراسلاته  الرسمية  وكذلك في رسائله  الشخصية  إلى أبناء عائلة الحسيني  واصفاً إياه  بأستاذه المبجل  لقد كسب البديري احترام  العديد من أهالي القدس  وحكامها  إذا  بسبب  وفرة  علمية  وكراماته  كشيخ  للصوفية  وابتعاده  عن الصراعات  بشان  الوظائف الحكومية

 

كتب محمد البديري  عدة مؤلفات  في شؤون الدين  والأدب  حفظت  كمخطوطات في مكتبة العائلة الخاصة كما أنه قرض الشعر  واشتهرت إحدى  قصائده التي كتبها  في مدح أحمد باشا الجزار  بعد تغلبه  على الفرنسيين  ورده  جيوش  نابليون  عن أسوار  عكا  وكان حسن بن عبد اللطيف  الذي صار مفتياً  للقدس  كما مر معنا  أحد  تلاميذه  فشمله في تراجمه  لأهل القدس في القرن الثاني عشر  الهجري  وحظي  البديري  وعائلته  بحماية  آل الحسيني ودعمهم   الأمر الذي عزز    مكانة هذا الشيخ  في المدينة من الجدير  بالذكر   أن البديري  لم يتقلد منصباً  رسمياً حتى وفاته  في القدس  على الرغم  من سعة علمه  واحترام  الأهالي  وتقديرهم  له وقد سار أولاده  على خطاه وعرف  منهم عبد الله  أفندي  أحد زعماء  ثورة  1834ضد  الحكم المصري  والذي نفاه إبراهيم  باشا إلى  مصر  ورفض محمد علي باشا قبول  التماسات  كثيرة قدمها  أفنديات  القدس من أجل السماح  له  بالعودة إلى موطنه

 

لقد قبلت عائلة البديري في مجتمع القدس ونخبتها وتم اندماجها  بنجاح لكن  مثل هذه الحالة صار نادراً منذ أواخر  القرن الثامن عشر  وخلال  القرن الذي  تلاه  فنخبة المدينة  من علماء  وأعيان  تحولت  إلى فئة  مغلقة  تحتكر الوظائف  وتنقلها بالوراثة  بين أبنائها  ولا تسمح  بقادمين جدد  يحاولون التنافس  في شأنها  سواء من داخل أهل  البلد أو خارجه  والحالة الأخرى المعروفة  التي  ذكرناها  سابقاً  هي الشيخ محمد  التافلاتي  الذي جاء  إلى القدس واستوطن  فيها  وعين  في منصب إفتاء الحنفية فترة ثم توفي  من دون أن يعقب  أولاداً أو يقيم  عائلة  فاختفى  ذكره من سجل أفنديات القدس وأسرها  العريقة  ومن المفيد هنا  أن نذكر  ثانية  أن فئة أفنديات القدس لم تشمل علماء  أو أعياناً  من أصول فلاحية  بعكس الحال في مدن كبيرة  كحلب ودمشق والقاهرة  وغيرها  من عواصم  الولايات  ولأقاليم  وحتى بالمقارنة  بالمدن  الفلسطينية  المجاورة  مثل غزة ونابلس   فإننا  نجد أن تلك  المدن  سمحت  بدخول  علماء  من أصول  ريفية  اندمجوا في أبناء نخبتها  المحلية هذه الحقيقة  بالنسبة إلى  العلماء تؤكد أن الحدود الاجتماعية  بين الريف والمجتمع  المقدسي كانت حادة واضحة  شكلت  أسوار المدينة  فيها حاجزاً عالياً يصعب  تخطيه  أو القفز عنه في الصفحات  السابقة  عرض ملف أبرز  العائلات المقدسية  التي استمرت  في الحفاظ على مكانتها  النخبوية   وحاولت أحياناً منافسة  آل الحسيني  وآل الخالدي  في شأن  الوظائف الحكومية  أما أفنديات  القدس من المجموعة الثانية  فانحدرت  أقدامهم  وفقدوا فرصهم  في الحصول على وظائف  مهمة وكانوا  يتقلدون  في الأجيال السابقة  واكتفت هذه  العائلات ذات  التاريخ  العريق  والحسب و النسب  الرفيع  بأدوار  ثانوية  في حياة  المدينة وإدارتها  ومن أبرز تلك العائلات  في هذه المجموعة  يمكن ذكر عائلات الفتياني  والموقت  وجودة  ونسيبة  والعسيلي  وغيرها من الأسر المقدسية  المعروفة  ولما  صارت  وظائف  الإفتاء  والنقابة  والخطابة  والنيابة  والباشكاتبية  والإمامة  ومشيخة  الحرم حكراً  على عائلات معينة  اكتفى أبناء عائلات  الفئة  الثانية  بوظائف  متواضعة  في المساجد  والمدارس و الزوايا  ولمؤسسات الخيرية  وأوقافها  وقد انعكس ذلك مادياً على حالة  هذه العائلات  الاقتصادية  الأمر الذي دفع بعضها إلى الانزواء  في التكايا  والزوايا  بينما فتش  البعض الآخر  عن وظائف ومصادر  دخل جديدة مثل نسخ الكتب  وتدريس  الأولاد   وخدمة مساجد  الحرم  وغيرها من الأعمال المتواضعة

 

أما المجموعة  الثالثة  من أفنديات  القدس العائلات العريقة في تاريخها  وحسبها  ونسبها  إلا أنها اختلفت  بعض الشيء  عن المجموعة الثانية  التي قبلت بواقعها  وعاشت إلى حد كبير  على ذكريات الماضي الغابر  فبعض أبناء المجموعة الثالثة   من الأفنديات ابتعد  عن الوظائف العلمية  المتواضعة  وراح يفتش عن قنوات  جديدة  لحراكه الاجتماعي  وقد نجحت هذه المجموعة  في الانخراط في الأجهزة  العسكرية  المحلية مثل أبناء الجاعوني  والعفيفي  والعسيلي  والقطب  والحموري  وغيرهم وعلى الرغم  من إن الوظائف العسكرية  المحلية لم تكن بالمكانة  والنفوذ أنفسهما  اللذين يتمتع بهما كبار العلماء والأعيان فأنها سمحت بدخل وفير مادياً وعلاقة مباشرة  بالحكام المسؤولين  عن إدارة اللواء ومع أن المقدسين من الآغوات والبكوات  لم يتربعوا  على رأس  السلم  الإداري  كالنابلسين  مثلا  إلا أنهم اعتبروا  من أصحاب النفوذ في المدينة  فالصف الأول من الأفنديات  ظل من علماء أصحاب الوظائف  الرفيعة  يليهم الأعيان من أبناء تلك العائلات العريقة  المقربة من رجال الحكم  والإدارة في دمشق وعكا  وحتى في العاصمة العثمانية نفسها 

 

وبينما اختار بعض أبناء النخبة  المقدسية المسار  العسكري  الإداري  سبيلا  للحراك  الاجتماعي  فإن  آخرين  قرروا العمل  في التجارة والاستثمار  في العقارات والأملاك وغيرهما من النشاطات  الاقتصادية  ومع أن بعض أبناء  هذه العائلات  انتسب إلى الأشراف  مثل سموم وقطينة لكنهم عملوا في التجارة  وحققوا نجاحاً  كبيراً فيها وكانت التجارة مع الأقاليم المجاورة  مثل تجارة الصابون هي  الأكثر ربحاً وقد عرف من آل قطينة السيد سليمان  الذي كان أكبر  أثرياء  القدس في أوائل  القرن التاسع عشر  ومن الجدير  بالذكر  أن سليمان  قطينة  زادة  كما  ورد  اسمه  مراراً  في وثائق  المحكمة  الشرعية  اشترى  بماله  العديد  من الوظائف  العلمية  المتواضعة  وحصصاً  في الصرة  الرومية  والصرة المصرية  الواردتين  إلى  أهالي  القدس  سنوياً  كما أنه  أنشأ  أوقافاً  كثيرة  فحفظ  بذلك أمواله  المستثمرة  من الأزمات  الاقتصادية والمصادرة  وغيرها من حوادث الزمان  وكوارثه  في المحكمة  الشرعية  فكان ما ضبط  فيها  من  الأموال نقداًُ من أعلى تركات ذلك  العصر في بيت المقدس  

 

 بعد وفاة سليمان  قطنية  خلفه أولاد ه  بالعمل في التجارة  والاستثمارات العقارية  وبرز  منهم بصورة  خاصة  موسى  أفندي  الذي عين  رئيساً  لتجارة القدس  شاهبندر  وتجدر  الإشارة  هنا  إلى  إن  سليمان  قطينة  لم يحظ  في حياته  بلقب  أفندي  مثل  ابنه  موسى  وإنما  ذكرته   الوثائق  مع لقب  جلبي  المرافق  عادة  لأسماء كبار التجار  لكن الحدود  بين كبار التجار   والأشراف منهم  خاصة وبين فئة الأفنديات  من علماء  وأعيان  لم تكن  مغلقة  أو غير   نافذة  كما يتبين  من حالة موسى أفندي  قطينة المذكور أعلاه فبعض  كبار أفنديات القدس  مثل المفتي والنقيب  وغيرهما  من آل الحسيني  كان صاحب معاصر الزيت  والسيرج ومصانع  الصابون   كما أن كبار التجار اشتروا  بمالهم أحيانا  وظائف  علمية  في المدارس  والجوامع   عن طريق صلة الرحم. أخيراً  يجب إنهاء الحديث عن أفنديات القدس بذكر عائلة النشاشيبي التي  يخطئ بعض المؤرخين  في وضعها   في الصف  نفسه  مع آل الحسيني  والخالدي  والعلمي  وغيرهم من العائلات  بسبب  تنافسها  مع آل الحسيني  وتزعمها  المعارضة  فترة  الانتداب  البريطاني  هذه العائلة  لها تاريخ  عريق في القدس يعود  إلى عهد المماليك مثل أغلبية  أسر الأفنديات  لكن أحوالها تأخرت  كثيراًُ  خلال العهد العثماني  بقرونه الأربعة  والمثير  للانتباه  أن أبناء هذه الأسرة  الذين  غاب  ذكرهم   عن كتب التراجم  والتاريخ  المحلي  ظهروا  مجدداً على الساحة  في النصف  الثاني  من القرن  التاسع عشر  ثم  تعزز  هذا الظهور  في أعقاب الحرب العالمية الأولى  حتى وصلوا إلى مرتبة المنافس الأقوى لآل الحسيني  لا في شأن الزعامة  المحلية  فحسب  بل أيضاً  في شأن  قيادة  الحركة الوطنية  الفلسطينية  في طول  البلاد  وعرضها  لذا يجدر  في هذا العرض  لملف  أفنديات  القدس تسليط الأضواء  على مكانة  هذه العائلة  ودورها  في القرن الأخير من الحكم العثماني .

 

لا تشير وثائق  سجلات المحكمة الشرعية  ولا المصادر  التاريخية  الأخرى  المتوفرة  لدراسة أحوال  القدس  في الفترة  التي تغطيها  هذه الدراسة  إلى  أنّ أيّ واحد من آل النشاشيبي لم يشغل منصباً علمياً أو إداريا مرموقاً حتى أواسط القرن  التاسع  عشر  وكان  الأفراد القليلون من هذه الأسرة  الذين ورد ذكرهم في سجلات المحكمة الشرعية يعملون في وظائف متواضعة في خدمة مساجد الحرم والمدارس  التي حوله إضافة إلى بعض الحرف والمهن أهمها التجارة في أسواق المدينة وكان أبرز هؤلاء في أوائل القرن التاسع عشر حسن جلبي النشاشيبي الذي كان أحد كبار  تجار القدس وقد خلفه نجله محمد جلبي ترك لأولاده بمن فيهم سليمان وعبد الله  البالغان تركة كبيرة جداً قدرت بأكثر من نصف مليون قرش.

 

 تشير المعلومات المتوفرة عن آل النشاشيبي حتى أواسط القرن التاسع عشر  بوضوح إلى إن أفراد هذه العائلة لم يكونوا جزءاً من أفنديات القدس وكان البارزون  منهم تجاراً أصحاب مال لكن من دون الوظائف العلمية أو الجاه  المرتبط بمكانة الأعيان المقربين من الدولة ورجالها وبدأ بروز شأن العائلة فقط في أواخر القرن  التاسع عشر أيام سليمان النشاشيبي وأولاده الذين تقلدوا الوظائف الرسمية ودخلوا علاقات متشعبة مع الفلاحين في جبل القدس  وسمحت سياسة  التنظيمات  العثمانية  بترجمة الوزن الاقتصادي  إلى مكانة سياسية  فصار من أعضاء  مجلس إدارة القدس  الشريف  ثم إنه صاهر آل الحسيني فتزوج  أخت عمر  فهمي أفندي  الحسيني رئيس بلدية القدس لاحقاً ورزق منها  أربعة أولاد هم عمر ورشيد  وعثمان وإبراهيم وقد عزز كل من رشيد وعثمان مكانة العائلة السياسية وشغلا الوظائف الإدارية التي زادت في مكانتهما الاجتماعية فصارا من أعيان القدس وأفندياتها في أواخر القرن التاسع عشر أما قبل ذلك فلم يعرف عن آل النشاشيبي أنهم تقلدوا وظائف علمية أو إدارية  مهمة طوال قرون العهد العثماني هذه الحقائق  تخالف ما ورد في كثير من كتابات المستشرقين "الإسرائيليين" وغيرهم الذين ذكروا اسم  هذه الأسرة مع الأسر المقدسية  العريقة من الأفنديات  متأثرين  كما يبدو بأقوال أبناء الأسرة في  فترة الانتداب وبمكانتهم  العالية المنافسة لآل الحسيني

 

ثالثا: النهج الاجتماعي  السياسي  في الحفاظ  على الكراسي

 

نجح أفنديات القدس  كما مر معنا أعلاه  في تعزيز مكانتهم  السياسية وبسط  نفوذهم  في أنحاء  لواء القدس وجميع  مدن القضاء من نابلس  شمالاً حتى غزة  جنوباً منذ أواسط  القرن الثامن عشر  وكان السبيل  لتأمين  هذه المكانة وحفظها  شرطين  أساسيين عمل أبناء النخبة  المقدسية  على تحصينها  أمام أي تحديات داخلية  أو خارجية عن طريق:

 

1-  إقامة  شبكة  علاقات  وثيقة  بالدولة  ورجالها  في إسطنبول  وعواصم الأقاليم المجاورة
2- بنا ثروة اقتصادية  ومكانة  اجتماعية  تحميان  تلك المكانة  وتنقلها  من جيل إلى  آخر 

 

كما إن وثائق  سجلات  المحكمة الشرعية  في القدس هي أهم مصادر لدراسة تاريخ المدينة في العهد العثماني لكن هناك مصدراً آخر لا يقل أهمية عن السجلات أشير إلى وجوده أحياناً هي مجموعات خاصة من الوثائق والمراسلات حفظ  بعضها من الضياع  في عدد من المكتبات  الخاصة والعامة  في القدس وتشمل  تلك المجموعات  رسائل شخصية بين علماء القدس وأعيانها من جهة  وبين رجال الدولة وكبار علماء العصر  في إسطنبول  ودمشق وعكا والقاهرة  وغيرها  من العواصم  من جهة أخرى وتكشف هذه المراسلات بعض ما كان يدور خلف الكواليس لتأمين صدور كتب التعيينات لأشخاص بعينهم ولإفشال مساعي الحساد والمنافسين  وتختص المراسلات التي نجت من الضياع في معظمها بآل الحسيني وقليلها بعائلات أخرى  مثل الخالدي وأبو السعود والعلمي وغيرهم هذه الوثائق  الشخصية  التي لم تكتب للتاريخ والمؤرخين  تضيء  جوانب متعددة  من النهج السياسي الذي اتبعه الأفنديات في الحفاظ  على كراسيهم  كما أنها تكشف عن شبكة علاقات مركبة نجح آل الحسيني وغيرهم في إقامتها  تمتد  خيوطها من القدس إلى العاصمة  العثمانية  مروراً  بعواصم  الولايات  المجاورة أحياناً  فوثائق السجلات تعكس المواقف الرسمية والنتيجة النهائية  لبعض الصراعات بشأن الوظائف أم المراسلات الشخصية فيعكس بعضها  تفصيلات جهود أفنديات القدس من أجل تأمين التعيينات في المناصب المهمة  وضمان انتقالها إلى الأٌقارب والمقربين بدلاً من الخصوم  والمنافسين

 

رابعاً شبكة العلاقات بإسطنبول

 

كشف المؤرخ بطرس أبو منة في دراسته  قبل أكثر من  ربع قرن  عن بعض المراسلات التي تظهر جانباً من العلاقات التي أقامها آل الحسيني  بكبار العلماء وبرجال الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر  فمجموعة  الوثائق  الخاصة تكشف عن  نهج  واضح  أثبت  فاعليته  من أجل حفظ المصالح العائلية واعتمد في الأساس على إرسال الهدايا ودفع الرشوة والأموال بصورة  دائمة لرجال الدولة من أجل تأمين إصدار كتب التعيين للوظائف التي تقلدها آل الحسيني وعلى رأسها نقابة الأشراف وإفتاء  الحنفية وقد استمر أبناء هذه العائلة في إتباع هذه الأساليب خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر لأنها أصبحت قاعدة معروفة ومقبولة للحصول على وظائف الدولة العثمانية أما وكلاء آل الحسيني ورسلهم إلى الحكام وكبار  العلماء في العاصمة العثمانية  فكانوا من المقدسيين المقيمين بإسطنبول  أحيانا ومن الزوار المتنقلين  بينها  وبين القدس أحياناً أخرى وبالإضافة إلى  المحافظة على علاقة المنافسة أحيانا وتقصي أخبار المنافسين  ونقلها  إلى القدس  كما كان هؤلاء الوكلاء  في إسطنبول ينقلون إلى آل الحسيني  أخباراً عن فرص جديدة  للاستثمار في وظائف  شاغرة  أو تجارة رابحة   وما أشبه من الاقتراحات ففي 25محرم 1206هـ/24أيلول1719م، تسلم عبد الله  أفندي  نقيب نموذجاً جيداً لعمل وكلاء آل الحسيني في العاصمة  العثمانية وجاء في بداية هذه الرسالة أن كتاب تعيين المفتي حسن أفندي  مرفق بها بعد ذلك انتقل كاتب الرسالة إلى ذكر معلومات  مهمة تتعلق بشؤون  العائلة ومصالحها  التي يقوم هو برعايتها  فيقول
"إنه يوم الأربعاء 22محرم كان دخول باب جنات أمين بك قاضي القدس إلى إسلامبول عن طريق أضالية وصحبته الشيخ أبو السعود وابنه وابن الجاعوني وابن الصلاحي وقد ذهبنا لملتقاه الجميع لأسكوادر فلما اجتمعنا  بجناب الملا يذكر أوصافكم  الحميدة  لمن في المجلس ويثني بكل خير ولسا  ما عرفنا  مقتضى جيان الشيخ  أبو السعود لأي شيء  لكن  في أول  مجلس قال  جينا إلى  هل الديار لجل نداعي إلى هل الدولة  ونزل في بيت أمين  بك والذي يظهر  لنا أنه  لا يقتسم عنده  لبعض ملاحظات الفقير لاحظتها
بعد ذلك"  ينتقل كاتب  الرسالة  إلى الشؤون  العامة للدولة العثمانية  فيذكر محادثات السلام التي لن تظهر شروطها  إلا بعد  ثمانية أشهر ثم يعود إلى الأخبار التي تهم آل الحسيني  مباشرة  فيشير  إلى خبر شايع  ضعيف  فحواه  أن شمس الدين أفندي  مولى الشام   السابق  قد توفي في الطريق ثم  يذكر  أجوبة الهدايا  التي سيرسلها  إلى القدس  في سفينة الأرمن  التي تقوم  بعد أشهر  ويطلب كاتب الرسالة  من النقيب أن يدعم  مسألة  إعادة  يعقوب  الترجمان  إلى محله  على أي وجه  لأنه محسوبكم  ويختم إبراهيم رسالته إلى  عبد الله  أفندي  البديري  ويهدي تحياته  العطرة  إلى حضرة السيد  حسن أفندي المفتي  وإلى  جناب السيد  عبد الله  اللطيف  أفندي  الخالدي   وإلى أخينا السيد إسماعيل  ولمن  يلوذ بمقامكم  ومنزلكم  العامر

 

وبعد أربع سنوات من تاريخ  الرسالة المذكور  أعلاه   كتب  إبراهيم  نفسه  رسالة  أخرى  من إسطنبول   حفظت من الضياع  إلى  المفتي الحنفي  ونقيب الأشراف حينذاك  حسن أفندي  في هذه  الرسالة   ذكر إبراهيم أن مكتوبكم الكريم صحبة الهدايا وما تفضلتم به وصلنا  كثر الله عليكم الخير ثم انتقل إلى شأن آخر  فقال  إنه شاع خبر في إسطنبول عن حصول رجفة في بيت المقدس صار نتيجتها سقوط تهدم إلى بعض محلات فحصل لنا بذلك  اشتغال فكر بعد ذلك  تحدث عن الأحوال في إسطنبول  فخبر عن وجود  حركة طاعون وحريق  كثير وغلاء أسعار وكالعادة  ختم إبراهيم رسالته  إلى مفتي القدس حسن أفندي  بإهداء  السلام وتقبيل أيادي  شيخنا  المحترم  محمد أفندي  البديري  وحضرة  مولانا  نقيب أفندي  وإلى حضرة  مولانا محب الدين أفندي  وإلى حضرة  جناب الشيخ  نجم الدين  أفندي  وإلى حضرة  الهمام السيد محد جار الله  أفندي  وإلى كافة من يلوذ بالمقام من مخاديم  وخدام وتابع  كانت الرسالة قائلاً  وفي طرفنا السيد أمين  جلبي  ونجله  السيد محمد والحاج  علي  الجندوبي  والمقادسة يبلغون  الجناب جزيل  التحية  والأدعية  والسيد إسماعيل  لسا ما حضر إلى طرفنا

 

كان قاضي القدس المولى خلافة  حلقة  وصل  مهمة بين أفنديات  القدس  ورجال  الدولة في العاصمة العثمانية  بسبب تقلده  الوظيفة لعام واحد فقط  ففي رسالة  كتبها  أسعد  الصلاحي  من إسطنبول إلى الشيخ طاهر أفندي   الحسيني سنة 1224هـ/1809م، أشار فيها بوضوح إلى أن الأموال  والهدايا  وصلت  صحبة ملا القدس ثم طلب  كاتب  الرسالة  إرسال بقية  الحوايج  من طرفكم  من ملا القدس الشريف الذي الآن  في طرفكم  فهو من أعز أحبابنا  وبيننا  وبينه  حقوق  أما  إذا  أما إذا لم يوافق  قاضي القدس المذكور على حمل ذلك فتسلموهم  لمن يعتمدون عليه  مع من يحضر لهذا  الطرف مع المسلمين أو النصارى  أو اليهود لما كان قاضي القدس يصل مرة كل عام  من إسطنبول كل عام  ثم يعود إليها عادة  بعد انتهاء خدمته  فإنه صار وسيلة أو قناة مهمة  لنقل الأخبار والأموال وحفظ العلاقات بكبار العلماء والحكام  لذا اهتم  آل الحسيني  دائما بمعرفة  هوية  القاضي المعين   في القدس عن طريق أصدقائهم ووكلائهم في العاصمة العثمانية  كما اهتم رؤساء العائلة دائماً باستقبال هؤلاء القضاة  عند نزولهم إلى ميناء  يافا  وقاموا  بحمايتهم  ومرافقتهم  في طريق عودتهم  من القدس إلى إسطنبول  بعد انتهاء خدمتهم  وفي سنة 1207هـ/1792-1793م، مثلاً وصف  ملا القدس بأنه من أعيان الدولة وأكبرها  لتأمين سفينة تليق بمقام هذا القاضي  ومرافقته وتقوم  بنقلهم إلى إسطنبول ووجدت سفينة  كهذه في الإسكندرية  فاهتم عبد الله أفندي  بإحضارها  من هناك إلى يافا كي تقل القاضي وأفراد عائلته  وأتباعه  هذا المجهود أو الاستثمار  ذو  التكلفة العالية  من جانب  نقيب  أشراف القدس كان مجزياً فقد كان القاضي  وأمثاله  مقربين  إلى  شيخ الإسلام ونقيب الأشراف وغيرهما من كبار رجال الدولة في العاصمة العثمانية  الذين يتخذون القرارات  بالنسبة  إلى تعيينات  آل الحسيني  المهمة لكن الوكلاء في إسطنبول  والقضاة  القادمين منها والعائدين  إليها من القدس  لم يكونوا  القنوات  الوحيدة  للاتصال  برجال الدولة  فقد أدى  رؤساء  الطوائف  المسيحية  وأديرتها  دوراً مهما كحلقة  وصل في خدمة علماء القدس  وأعيانها  وكان العديد من الهدايا  الثقيلة من صناديق   الصابون وزجاجات  ماء الورد  والطواقي  وغيرها يرسل في سفن زوار الأماكن  المقدسة  ومع رؤساء  الأديرة  وغيرهم  من المسافرين  براً وبحراً بين القدس وإسطنبول  أما الكنائس والأديرة في العاصمة العثمانية

 

وكما نشط  آل الحسيني بشتى الطرق والوسائل لإبقاء أشراف القدس وإفتاء  الحنفية في أيديهم  فإن بعض العائلات المقدسية المنافسة  لهم في شأن هاتين  الوظيفتين حاول الحصول عليهما لأبنائه وإخراجهما من أيدي من نجحوا في احتكارهما  وتوارثوهما  جيلاً بعد جيل ففي رسالة إلى  حسن أفندي  مفتى القدس ونقيب  أشرافها  ذكر أن خصومه  حاولوا  الانتقام  منه  بعد شهر  من تعينه رسمياً في وظيفة  إفتاء  الحنفية وجاء في تلك  الرسالة أن الشيخ  جار الله  ومحمد خليل اصطحبا بعض المصريين والسيد عبد الرحمن الرميحاني الشامي والتقوا شيخ الإسلام  وقدموا له عريضة ادعوا فيها أن حسن أفندي أصدر فتوى شرعية يسمح  فيها بإقامة  كنيستين  تم بناؤهما  فعلا في القدس على أساس تلك الفتوى وكان ملا القدس وصل إلى إسطنبول حينذاك  فذهب للسلام على شيخ الإسلام  ولما رأى العريضة المقدمة  في حق حسن أفندي قال أظن إن مقدم هذه العريضة  يطلب المنصب لنفسه  لكن رأيي  أنه إذا خرجت النقابة والإفتاء من أيدي آل الحسيني  فإن ذلك سيؤثر على الهدوء والنظام في المدينة كما  في أيام مدحي زادة وأضاف القاضي المذكور في محادثته مع شيخ الإسلام  أنه بعد وفاة عبد السلام  أفندي توجه نجل الشيخ أبو السعود  إليه ودفع ألف قرش كي يوافق على إعطائه  النقابة  لكن القاضي المذكور وفق ما روي عنه رفض ذلك خوفاً من إثارة القلاقل  وعدم الاستقرار في المقابل فإن آل الحسيني بحسب الرواية إياها على لسان قاضي القدس قدموا له هدية عند مغادرته المدينة هي خمس طواق  فقط  لا يتعدى ثمنها مئة قرش

 

يؤكد موقف قاضي القدس المذكور  بحسب رواية  كاتب  الرسالة  نجاح آل الحسيني في تعزيز مكانتهم وعلاقاتهم القوية برجال الدولة بمن فيهم  كبار العلماء ومن تولى منهم خلافة الشرع وأضاف صاحب الرسالة  بعد ذكره موقف قاضي القدس عند لقائه  شيخ الإسلام أنه أرسل بعض المقربين إلى رجال الدولة ليدعم شهادة  القاضي ويتكلم بما فيه مصلحة آل الحسيني ثم يختم هذه الرسالة بمحاولة تهدئة حسن أفندي  ومقربيه بالقول إن المشقة  التي تحملها الشيخ جار الله في مجيئه إلى إسطنبول ستذهب سدى ولن ينال إلا سواد الوجه هذه الرسالة وغيرها مما نجا من الضياع وحفظها بعض المكتبات الخاصة والعامة في القدس تؤكد  أن آل الحسيني نجحوا في حبك شبكة علاقات وثيقة وفعالة بكبار رجال الدولة وعلمائها في العاصمة العثمانية وقد أشار أحد أصدقاء العائلة الحسينية في رسالة أخرى من دمشق كما يبدو إلى لا فائدة "من توسط الموظفين الصغار لأن المصلحة إذا قارشها رجل كبير بتكبر معه وإذا  قارشها رجل صغير  بتصغر معه"  وأضاف كاتب الرسالة مجهول الاسم قولاً مهماً آخر  هو "إن مطالب إسلامبول  تنقضي بالإعطاء والناس الكبار ما أحد  بياخذ من يدهم شيء" هكذا تصرف أل الحسيني في خدمة مصالحهم ووظائفهم اعتماداً على معلومات وكلائهم  وأصدقائهم  التي أرسلوها  باستمرار  من العاصمة  العثمانية  والأهم من ذلك  كله أنهم لم يبخلوا بحسب النهج المعتاد في ذلك الزمن بتقديم الأموال والهدايا باستمرار إلى رجال الدولة وأتباعهم لحفظ كراسي وظائفهم ولمنع محاولات منافسيهم لإخراجها من أيديهم.

 

 وكما استفاد آل الحسيني من خدمات وكلائهم  في إسطنبول فإن هؤلاء  أيضاً طلبواً بعض الخدمات والمساعدات الشخصية من أسيادهم  في القدس ففي رسالة لأسعد الصلاحي إلى نقيب أشراف القدس  بتاريخ 3 محرم 1226هـ/29 كانون الثاني1811م، يطلب  مساعدة من هذا النوع فقد وصلته رسالة من مصطفى ساكن دوكاننا "بأن ولد عمنا السيد موسى  الصلاحي عامل عليه ثقله  عزلناه  عن الوكالة  وأحلناها لجنابكم  المراد   تنبه  عليه لا يقارش السيد   مصطفى أبداص جنابكم  تأخذ  منه  الكرا وتصمه  إلى إيرادنا  كما هو الأمل  بكم  إذ عودتونا  على مكارم الأخلاق  لزم  تجاسرنا على جنابكم  بهذا المكتوب" ثم يضيف في الشأن نفسه قائلاً "وعلينا  إلى المتولي أكم  مصرية  37 تخلى الساكن  يدفعهم  ويجيب  لكم  البقية  وربنا  لا يحرمنا  همتكم  العلية  ومهما  بدا  لكم بهذا الطرف  أي إسطنبول من الخدم شرفونا بقضاها"

 

لقد عملت شبكة العلاقات التي أقامها آل الحسيني في إسطنبول لمصلحة  الأطراف كافة  فوكلاء  العائلة  في العاصمة  العثمانية كسبوا  دخلا مادياً  من خدماتهم  بالإضافة  إلى  النفوذ الذي  حصلوا عليه  من خلال احتكاكهم  برجال الدولة  وتقديمهم  الهدايا والأموال لهم  ولمقربيهم كما أبناء أسرهم  في القدس حظوا بحماية الأفنديات ورعايتهم وعلى رأسهم  المفتي  ونقيب  الأشراف  وكما قدم  الوكلاء  خدماتهم  في إسطنبول  وكسبوا  من ذلك  دخلا مادياً فإنهم طلبوا من أسيادهم أحياناً رعاية وحماية زوار وحجاج ذاهبين لزيارة القدس والأماكن المقدسة وفعلاً تحتوي مجموعات الوثائق  العائلية بعض الرسائل التي يطلب فيها الوكلاء مساعدة آل الحسيني  و حمايتهم لعلماء وأعيان ورؤساء أديرة وكنائس مسيحية ذاهبين لزيارة  القدس وفي الإجمال عن شبكة العلاقات التي أقامها نقباء أشراف القدس ومفتيها في العاصمة العثمانية تذكرنا بنهج الحكام المحليين أمثال  ظاهر  العمر وآل  العظم  وغيرهما من الأسر  التي ارتفع  شأنها  في بلاد الشام  في القرن الثامن عشر  لكن لم تكن لمستلمي  اللواء علاقات كهذه لأنهم كانوا   تابعين مباشرة  لولاة الشام وعلى الرغم من أن مصالح آل الحسيني كانت تتحقق عادة في إسطنبول فإن حكام الولايات المجاورة وكبار علمائها في الشام وعكا والقاهرة كانوا حلقات وصل مهمة لا يستغنى عنها للوصول إلى رأس الهرم الإداري لذا اهتم آل الحسيني أيضاً بإقامة العلاقات المتينة  برجال الدولة وممثليها في عواصم الولايات العربية المذكورة

 

 
خامساً: العلاقات  برجال الدولة  في دمشق وعكا 

 

صدرت مراسيم التعيين الرسمية لنقابة الأشراف وإفتاء الحنفية وغيرهما من المناصب العلمية المهمة في إسطنبول  لكن ولاة الشام وعكا كانوا أصحاب  نفوذ وتأثير أحيانا في ترجيح  كفة الميزان لمصلحة أحد المتنافسين في شأن الوظيفة فإن أصبح هناك وظيفة معينة شاغرة محلولة لسبب من الأسباب  كان في استطاعة ولاة الشام إصدار تعيين مؤقت إلى مرشح ما يشغل   المنصب حتى صدور تعيين رسمي من العاصمة العثمانية مثل هذا التعيين المؤقت كان في معظم الأحيان الخطوة الأولى للوصول إلى التعيين الرسمي الدائم  وكان لواء القدس تابعاً  لولاية  الشام معظم  سنوات الثلث الأول  من القرن التاسع عشر لكن ولاة عكا الأقوى نفوذا في المنطقة والذين عينوا لحكم ولاية الشام مضافة إلى ولايتهم صارواً أصحاب تأثير كبير في لواءي  نابلس والقدس المجاورين لعاصمة حكمهم ولما أصبح لواء غزة ويافا تابعاً لحكام عكا في أوائل القرن التاسع عشر فإن مصالح آل الحسيني في مناطق  الساحل عامة وميناء يافا خاصة صارت تقتضي الالتفات إلى تعزيز العلاقات بهؤلاء الحكام وأتباعهم 

 

 تكشف الرسائل الخاصة المحفوظة في القدس والتي تعود في أغلبيتها إلى  أبناء أسرة الحسيني أن هؤلاء نجحوا في إقامة علاقات وثيقة بولاة الشام  وكبار موظفيهم وبرز بين هؤلاء في مراسلاته كاتب العربي الذي كان يعمل  إلى جانب ولاة الشام في تحرير المراسيم والأوامر في الشؤون المحلية  والموظفون في معظمهم مثل كاتب العربي لم يتبدلوا كل عام فصار لموقعهم إلى جانب الحكام الذين تبدلوا بسرعة أهمية كبيرة في المشورة وحتى في اتخاذ القرارات ومثلما توارث آل الحسيني  مناصبهم  فإن بعض الموظفين في دمشق أيضاًَ توارثوا الوظيفة أباً عن جد الأمر الذي جعل توثيق العلاقات  بهم استثماراً بعيد المدى ينتقل من جيل إلى آخر وكما أن هؤلاء الموظفين  كانوا عونا لآل الحسيني عند ولاة  دمشق وحكامها فإن أفنديات القدس قدموا  لهم  بعض الخدمات  والمساعدات  على سبيل  المثال عندما توفي في دمشق عربي كاتبي  أي كاتب العربي واسمه مصطفى  قام عبد الله  أفندي نقيب  الأشراف بدعم ترشيح  ابنه للحصول على وظيفة  الوالد وقدم الابن  الشكر للنقيب على مساعدته  تلك طالباً أن يبقى من مقربيه إذ قال "فليس لنا غير الله  وجنابكم" وفعلا أثبتت رسائل  أخرى أن العلاقة بين الطرفين استمرت مدة طويلة.

 

 لم يكتف أفنديات القدس وعلى رأسهم آل الحسيني بعلاقتهم بالموظفين في  الشام بل أقاموا علاقات مباشرة بالولاة أنفسهم وتشير بعض الرسائل  الخاصة إلى المفتي ونقيب الأشراف إلى أن علاقات حميمة ومصالح مشتركة ربطتهما ببعض حكام دمشق مثل هذه العلاقات كان مهما كحلقة  وصل إلى العاصمة العثمانية ورجالها لكنها تلقي الضوء أيضاًَ على طبيعة  العلاقة  بين أفنديات القدس ومتسلميها  فشبكة العلاقات المباشرة  بولاة  الشام  وكبار موظفيهم  مكنت  بعض أفنديات القدس من القفز فوق جهاز  الإدارة المحلية بزعامة المتسلم وفي المقابل فإن حكام دمشق الذين كانوا  على علم  بمحدودية نفوذ متسلميهم طلبوا تعاون الأفنديات معهم وكان هؤلاء  الحكام هم أنفسهم  بحاجة إلى مساعدة آل الحسيني في أمور تتعلق باستضافة  بعض أصدقائهم ومقربيهم وحمايتهم حين ذهابهم لزيارة القدس وما حولها  من أماكن مقدسة وفعلاً تؤكد مجموعات المراسلات والوثائق العائلية   الأخرى اتصالات كهذه كما أن مراسيم وأوامر كثيرة في سجلات المحكمة  الشرعية لا تدع مجالاً للشك بالنسبة إلى مكانة الأفنديات ودورهم في الشؤون العامة المتعلقة  بإدارة اللواء  كذلك  أورد مرتضى  الزبيدي   نزول والي الشام وأمير الحج  في منزل  السيد عبد اللطيف نقيب أشراف القدس أياماً حين قدومه إلى المنطقة لجمع الضرائب

 

يضيق المجال في هذه الدراسة عن عرض كل ما تحتويه السجلات والوثائق العائلية  من إشارات إلى شبكة العلاقات التي ربطت حكام دمشق بأفنديات القدس  فألقاب التعظيم والتفخيم  التي سبقت اسم المفتي واسم نقيب الأشراف  ومخاطبتهما أولاًَ قبل المتسلم ورؤساء العساكر هي دليل قاطع لا على مدى نفوذها  في القدس  فحسب بل  على كونهما  شخصيتين معروفتين ونافذتين  عند حكام الشام بل يمكن الاستنتاج حتى من الأوامر والمراسيم  التي حررت  عادة بلغة  وقوالب رسمية  جاهزة أن علاقات حميمة  سادت بين الطرفين    فبعد وفاة  مفتي القدس وزعيم العائلة  الحسينية  سنة 1809م، اختار القاضي تعيين  طاهر أفندي بن عبد الصمد  ليرث عمه في  تلك الوظيفة  بناء على توصية من علماء القدس وأعيانها ووافق والي الشام أيضاً على هذا التعيين بلا تردد وجاء في مرسومه بهذا الشأن بالنسبة إلى موقفه من آل الحسيني وعلاقته  بهم ما يلي "والغيرة على بيتهم واجبة  علينا  وإنشاء الله في مدتنا من ندعي يصير إلى بيتهم واجبة إلا العمار والراحة  المديدة  ومزيد  الإكرام  والاحترام" على غرار هذا التعبير عن العلاقة الخاصة التي أقامها  أبناء هذه الأسرة بحكام الشام فإننا نجد تعبيراً أوضح في المراسلات الخاصة التي اقتبسنا قليلاً من محتوياتها.

 

 وكما كان رجال الدولة في دمشق مركز ثقل سياسي لأفنديات القدس فإن  حكام عكا أيام الجزار وخلفائه لم يكونوا أقل أهمية لحفظ مصالحهم السياسية  والاقتصادية فبالإضافة إلى ثقل ولاة عكا السياسي والعسكري فقد تحكموا في منطقة الساحل الفلسطيني بما في ذلك ميناء يافا وناحيتا اللد والرملة  ومدينة غزة التي شكلت حلقة وصل مهمة مع مصر كذلك كان العديد من قرى لواء غزة ويافا تابعاً لأوقاف  مقدسية مثل خاصكي سلطان وغيره  يتولاه  ويدير شؤونه  أفنديات القدس أما غزة فكانت أيضاً محطة تجارية  مهمة ونقطة انطلاق قافلة الجردة لاستقبال الحجاج العائدين من الحجاز كل عام في معان لهذا الأسباب كلها صارت عكا وحكامها مركز ثقل سياسي  مهم لأفنديات القدس يحفظ أيضاً مصالحهم الاقتصادية المتشعبة بين ميناء يافا ومدينة غزة ومرة أخرى تشير الوثائق المتوفرة إلى أن آل الحسيني  كانوا سباقين إلى إقامة شبكة علاقات وثيقة بحكام عكا ومعاونيهم فبالإضافة إلى أن وثائق سجلات المحكمة الشرعية التي تكشف جانباً من تلك العلاقة  فإن مجموعة الرسائل الخاصة تكشف عن جوانب أخرى منذ فترة ظاهر  العمر مروراً بالجزار وخلفائه سليمان باشا وعبد الله  باشا ومحمد باشا أبو المرق وغيرهم هذه الرسائل المتوفرة هي كم يبدو قليل من كثير نجا من الضياع  لكنها كافية لإلقاء الأضواء على بعض جوانب علاقات آل الحسيني  بهؤلاء الحكام

 

لقد اشتهر بعض ولاة الشام  وحكام منطقة الساحل الفلسطيني الجزار وعبد الله باشا ومحمد أبو المرق بقسوتهم وبطشهم بالأهالي وأموالهم  لكن نص رسائلهم إلى أفنديات القدس عامة  وإلى آل الحسيني خاصة كان مملوءاً بالمودة والعطف  والحديث  عن الحرص  على مصالح أبناء هذه الأسرة  ومكانتها بل إن هؤلاء الحكام على الرغم مما عرفوا عنه من جبروت كانوا يطلبون العون والمساعدة من زعماء آل الحسيني  أحيانا  ففي سنة 1790، مثلاً  كان  أحمد باشا  الجزار  بحاجة إلى عشرة قصارين مهنيين  فتوجه إلى عبد الله  أفندي نقيب  أشراف القدس بطلب إرسالهم من عكا طرفة عكا  ويختم الجزار رسالته بالسؤال  عن أحوال أبناء الأسرة و بألا يتردد النقيب  مستقبلاً في التوجه إلى إليه  لقضاء حاجته وشؤونه الشخصية والعائلية  وكما الجزار  فإن  حاييم  فارحي  المسؤول  عن مالية  حكام عكا   وخزينتهم  كان أيضاً  من المراسلين  آل الحسيني  ففي سنة  1223هـ /1808م، مثلاً وصلته دعوة من مفتي القدس حسن بن عبد اللطيف أن يحضر لزيارة المدينة المقدسية  وفي جواب حاييم  فارحي على هذه الدعوة  كتب رسالة ملآنة بكلمات التعظيم والتفخيم لأبناء الأسرة الحسينية  وبالإعراب عن الامتنان الكبير على توجيه  تلك  الدعوة  لكنه  يعتذر في نهاية  الأمر عن قبولها  لكونه  موظفاً في ديوان  الوالي لا تسمح ظروف وظيفته بالابتعاد عنها لتلبية الدعوة  الكريمة.

 

أما عبد الله باشا والي عكا (1819-1831) فإنه على ما يبدو وطد علاقاته  بآل  الحسيني  و تؤكد  ذلك  بعض الرسائل الخاصة المتبادلة  بين الطرفين  لقد  ورث عبد الله  باشا علاقاته الجديدة بأبناء الأسرة الحسينية عن والده  علي بك صديق سليمان باشا العادل (1805-1819) ومساعده الأول في كم ولاة صيداً فمثلاُ عندما نجح الشيخ أبو السعود في الحصول على نقابة  الأشراف لابنه وإخراجها  من يد عمر النقيب  فإن  الأخير  توجه  إلى صديقه علي بك طالباً المشورة والمساعدة هذا التوجه من آل الحسيني إلى ميرميران كتخدا والي صيداً وجد آذاناً صاغية عند علي بك حيث  "مخصوصيتكم  قديمة  لنحونا"  كما جاء في جوابه على طلب العون  لكن هذه العلاقة الوثيقة التي ربطت آل الحسيني بحكام عكا جاء في جوابه على طلب العون لكن هذه العلاقة الوثيقة  التي ربطت آل الحسيني بحكام عكا  وخصوصاً  عبد الله باشا ووالده  من قبله  أدت أحياناً إلى  الوقوع في مشكلات مع الدولة العثمانية  حين  غضبت على أولئك  الحكام  فعلاقات  عمر أفندي  الوثيقة  بعبد الله باشا الذي غضب عليه  السلطان وحاول التخلص منه في أوائل العشرينيات من القرن التاسع عشر أدت إلى الإضرار بمصالح آل الحسيني في إسطنبول وعلى الرغم من ذلك فإن تلك العلاقات  الجيدة بحكام  عكا استمرت بعد ذلك  وكان لها كما يبدو دور مهم في موقف عمر النقيب شخصياًُ وأفنديات القدس عامة من مسألة الصراع الذي دار بين  جيوش محمد علي باشا ووالي عكا المحاصر فيها ستة أشهر قبل سقوطها  في ربيع  سنة 1832.

 

في الوقت نفسه الذي أقام أبناء  الأسرة الحسينية  في القدس علاقات  جيدة  بحكام عكا فإنهم بحسب مجموعة  المراسلات التي حفظت  عند أولادهم  أقاموا علاقات  حميمة بمحمد باشا أبو المرق  ولا سيما  فترة الحملة الفرنسية  وما بعده  فأبو لمرق الذي رافق  الصدر الأعظم  والجيوش العثمانية التي حضرت  لمحاربة الفرنسيين في مصر  كتب العديد من الرسائل  إلى علماء القدس  وأعيانها  وعلى رأسهم آل الحسيني وفي إحدى هذه الرسائل  التي وصلت إلى يد مفتي القدس  حينذاك  يطلب  أبو المرق  "إن تأخذوا عشرة رؤوس من الغنم  وتقربنوهم الخمسة في أعقاب سيدنا بني الله وخليفته  حضرت  داود   والخمسة في التكية  وتفرقوهم  على الفقراء والمساكين"  أما ثمن رؤوس الأغنام  كما جاء في الرسالة  فيؤخذ من السيد حسن جلبي  نجل أخونا  سيد عبد الغني صباغ ويختم محمد باشا أبو المرق رسالته قائلاً "إنه واصل في طي تلك الرسالة  مكتوب لحضرة  أستاذنا  الأفخم تعطوه لجنابه  وتأخذوا لنا من حضرته الأدعية  الخيرية".

 

وفي 3 جمادى  الثانية 1215هـ/21تشرين الأول 1800م، وجه محمد باشا أبو المرق  رسالة أخرى إلى المفتي  "عمدة الأماجد الفخام  ونخبة الأفاضل الكرام  الأخ الأمجد المحترم  يقول فيها إنه قد حل ركابنا السعيد في منزلت  الرملة  مع الصدر الأعظم  وإنه  مع جيش الدولة الأرودي  المنصور  ينوي القيام  قريباً من جهة  يافا  إلى مصر لمحاربة  الطايفة  الباغية  الفرنساوية"  ثم يطلب أبو المرق  من المفتي  والعلماء  وبقية  أهالي القدس إن يقدموا الدعوات  الصالحة  على المنابر  وفي الأماكن  المشرفة  ويختم الرسالة  بالرجاء  "من خوتكم  مخصوصاً تتوجهوا لعند جنات حضرت  الأستاذ الأفخم  والملاذ الأكرم شيخنا المكرم الشيخ محمد  أفندي بدير  المحترم وتأخذوا لنا خير دعواته  وحسن توجهاته"  ويسترسل  أبو المرق  في كيل  المديح  والتبجيل  لهذا الشيخ  واصفاً إياه  بأنه  عين أعيان العارفين  العاملين  وأن رسالة  "خاصة واصلة لجنابه  بخطنا  نرجوكم إيصالها لجنابه"  وبعد شهرين من الرسالة السابقة  وبتاريخ 23شعبان 1215هـ/8كانون الثاني يناير  1801م، لم يكتف أبو المرق بمطالبة المفتي بتقديم الدعوات  في الأماكن المقدسة مع الشيخ البديري  بل طلب منه "أن تحضروا مع الشيخ  محمد بدير  لطرفنا"  وحمل  أبو المرق  المفتي  مسؤولية  "إقناع الشيخ محمد بدير جناب  الشيخ فالمطلوب  إبراز الهمة والغيرة  كما هو مشروح والسلام"  ولم تمض إلا أشهر قليلة حتى أرسل رسالة أخرى "إلى نخبة العلماء الكرام أخونا الأمجد الأكرم  تذكر أن نهار الجمعة  تيسر  قدوم  سعادت أفنديات الصدر العالي  في جانب  من العساكر المنصورة لطرف سحراي بلبيس وباقي العساكر والأرودي الآن في سحراي الصالحية" ومرة أخرى وبعد ذكر الأخبار السارة  يطلب أبو المرق من مشايخ القدس  "إن تمدونا  بالدعوات  الصالحة واستجلاب  الأدعية  الخيرية  من الجميع  في تلك الأماكن المشرفة  والمقامات  المقدسة المنورة" 

 

 أما المراسلة التالية المحفوظة في مجموعة الوثائق نفسها المذكورة أعلاه فلا تحمل تاريخاً لكنها تتحدث عن وجود أبو المرق  مع الصدر الأعظم والجيوش  العثمانية  في القاهرة  وتحمل  هذه الرسالة أخباراً متعددة  وتعالج  قضايا متنوعة تهم آل الحسيني ومصالحهم يضيق  المجال هنا عن ذكرها  لكن من الجدير بالذكر أن هذه الرسالة بعكس سابقاتها تحمل إشارة واضحة  إلى وجود زوجة أبو المرق في القدس هذه الزوجة هي كما يبدو أخت طاهر أفندي الذي صار مفتي القدس بعد عمه حسن بن عبد اللطيف والذي وجهت إليه مراسلات أبو المرق  ففي ختام هذه الرسالة  يذكر مكتوباً مرفقاًُ في طيها  "ومكتوب الحرم المحترم الذي بداخل المكتوب  نعرف والدنا  السيد طاهر يقرأ عليهم سراً"

 

لقد مرت أخبار محمد باشا أبو المرق  وما جرى له مع الجزار وخليفته في حكم عكا سليمان باشا العادل حتى هروبه إلى سورية وتوطنه في حلب ولم تنقطع الرسائل التي حفظت في مجموعة الوثائق نفسها  في القدس وتحمل تاريخ 5  جمادي  الثانية 1227هـ/16حزيران  يونيو  1812م، أي قبل وفاته بقليل في هذه الرسالة يذكر  أبو المرق  وصول  رسالة  من طاهر أفندي أعلمه  فيها ببيع  القنب  وإيصال  ألف قرش  من ثمنه للحرم  وتؤكد  هذه الرسالة ما تمت الإشارة  إليه  سابقاً  أن زوجة أبو المرق  حرم التي  بقيت في القدس هي أخت  مفتي المدينة  طاهر أفندي الحسيني فبعد الحديث  في الرسالة عن توكيل المفتي بيع سطوح خان الزيت "لجناب حضرة شيخنا وأستاذنا  ومولانا المحترم  محمد أفندي اليعقوبي  البديري"  يقول  أبو المرق  "فجنابكم  تحرروا له حجة  بيع  وتراسلوا لنا صورة الحجة  فنعلم عليها نحن وغيرنا فبقى من خصوص الثمن توصلوا ألفين  قرش ليد حرمنا  شقيقتكم  والباقي  خمسماية  قرش  تدفعوا منها ثلاثماية  قرش  إلى السيد محمد نسبية"  ثم يضيف  "ومايتين  قرش  تكلفوا الخاطر  تروحوا عند جناب والدتنا المحترمة  تسلموهم بيدها  وتستجلبوا لنا خير دعاها  وعرفتونا  من خصوص ولدنا موسى بك  بأنه توجه  لطرف الساحل  وأرفقتوه  بواحد من طرفكم  وحررتم  له مكاتيب حسبما  حررنا لكم سابقاً  فبارك الله فيكم  وهذا المأمول منكم وهذا اللائق بكم حيث الحال والغيرة واحدة" ثم يكرر أبو المرق توصياته  بالنسبة إلى والدته  وزوجته  في القدس قائلا  "ثم غاية الأمل من همتكم  حسن مناظرتكم وهمتكم وإسعافكم إلى جناب الوالدة المحترمة وإلى الحرم ولا يحتاج أن نوصي  جنابكم لأن هذا عائد لكم  وخاتمة الرسالة  إهداء  السلام  ومزيد  الأشواق  لجناب  والدتكم  المحترمة  وإلى مخاديم  المرحوم  الأفندي  ونسأل  خواطرهم  ونرجو خير الدعا منهم  وأوصلنا  تحريركم  لسعادة  والي حلب  وتحرير  الجواب  ولكن ما ملكنا  جلبه  فإن  لحق نرسله لجنابكم  أو بعده يصلكم"  وتؤكد  وثائق  محكمة  القدس الشرعية  وجود والدة أبو المرق وزوجته حرمه في حلب بعد وفاته  وضبط تركته في القدس ويافا وغزة وغيرهما من الأماكن  وبعد الكشف  على بيت المرحوم  محمد باشا أبو المرق والي جدة سابقاً بحضور مبعوث  والي الشام ووكيل متسلم اللواء تبين أن ورثته  تراكمت عليهم ديون قدرها  11250قرشاً أخيراً فإن إحدى  وثائق  تركة  محمد باشا أبو المرق   المذكور  تم تحريرها من جانب حاكم  الشرع في مدينة حلب ونقلت  إلى  القدس  ونسخت  في سجل محكمتها  الشرعية

 

 

سادساً: أفنديات القدس
وعلاقاتهم بعلماء الشام والأزهر

 

نجح آل الحسيني خاصة وأفنديات  القدس عامة في إقامة  شبكة  وثيقة  برجالات الحكم والإدارة في العاصمة العثمانية وفي المدن الكبيرة المجاورة  وهذه العلاقات التي تمت تغذيتها بالهدايا والأموال والمصالح المشتركة  أمنت الوظائف والثروة المادية التي انتقلت بين أبناء الأسر المقدسية جيلاً بعد جيل لكن أفنديات القدس لم يغفلوا في الوقت نفسه العلاقات  بكبار  علماء العصر في الأزهر وفي دمشق وغيرها من مدن بلاد الشام فالعلم  كان أساساً مهماً  لمكانة  أبناء النخبة المقدسية وثروة روحية  لم يهملوها  تماماً  في تزاحمهم  بشأن الوظائف الرسمية ويظهر لنا من عرض الأسماء في كتاب تراجم أهل القدس لحسن بن عبد اللطيف أن علماء القدس في معظمهم درسوا في الأزهر وأن قليلهم  درس في الشام  أما إسطنبول  ومدارسها  المهمة فنادراً ما يمم شطرها أفنديات  القدس للدراسة بسبب فجوة اللغة وغربة المكان وبعده الجغرافي عن فلسطين وبالمقارنة بمعاهد العلم الأخرى فإن الأزهر ظل الخيار الأول لطلبة العلم من القدس وبقية مدن فلسطين في الفترة التي تغطيها  هذه الدراسة وما بعدها خلال القرن التاسع عشر ففي سنة 1321هـ/1903م، تبين أن المجاورين في رواق الشام في الأزهر كانوا في معظمهم من الفلسطينيين فمن 222طالباً مجاوراً في ذلك الرواق تلك السنة  كان عدد الفلسطينيين 135مجاوراً

 

كان من علماء القدس الذين درسوا في الأزهر خلال القرن الثامن عشر الشيخ  محمد الخليلي والشيخ  أحمد الخالدي وصار بعض العلماء الذين درسوا في الأزهر خلال ذلك القرن وما بعده  من مشايخه وأساتذته المعروفين فالمرادي يذكر مثلا الشيخ الخالدي بقوله وتصدر بالجامع  الأزهر للإقراء والتدريس وأخذ عنه جملة من الأفاضل وصار له غاية العز  والرفعة بين أبناء عصره ويذكر صاحب تراجم  أهل القدس عدداً آخر من المقدسيين الذين درسواً في الأزهر منهم الشيخ مصطفى العلمي ونجم الدين الرملي الذي صار مفتياً في القدس ومن فقهائها البارزين أما السيد حسين العارف العسيلي الثوري المقدسي فارتحل إلى دمشق أولاً ودرس فيها ثم ذهب إلى مصر وأقام برواق الشام في الجامع الأزهر وبعد ذلك سافر إلى الحرمين وجاور فيهما وتقرب هذا الشيخ في مصر إلى السيد محمد أبي هادي شيخ الوفائية وكان هذا شاباً صغيراً فصار مستشاره وأحد مقربيه  ولما تولى الأخير نقابة السادة الأشراف في مصر مضافة إلى مشيخة السجادة صار الشيخ العسيلي متخذاً له أي مساعده الأول واستمر هذا المقدسي أي الشيخ حسين العسيلي على هذه الحال مدة من الزمن وهو نافذ الكلمة مسموع المقال حسن الحركات والأحوال إلى أن توفي الشيخ المشار  إليه فضاقت مصر عليه فتوجه المقدسي إلى دار السلطنة وقطنها واتخذها داراً وسكنها وأقبل على الإفادة ونشر العلوم بالإعادة وصار موجع الخاص والعام مقبولاً بالشفاعة عند ملك الأنام حتى وافته المنية سنة 1195هـ/1781م

 

و ذكر علي بن موسى بن مصطفى الوفائي الحسيني الذي درس في الأزهر  واستوطن في القاهرة وصار من كبار مشايخها مدرسا في المشهد الحسيني وقد هذا مدة إلى الآستانة فأقبل عليه الناس وذاع صيته واشتهر لكن مرتضى الزبيدي يخبرنا في العاصمة العثمانية كان ذا رد عنيف على أرباب الأموال والأمراء وملوك الزمان ينسبهم إلى الجور العدوان لذا لم تطل إقامته  بإسطنبول لأنه اخرج منها عاد إلى مصر

 

حيث توفي في القاهرة سنة 1186هـ/1772-1773م، وسار على نسق أخيه وطبيعة في الكرم ومكارم الأخلاق وإكرام الضيوف وفصل  خصوماتهم والذود عنهم ومدافعته المعتدي ولو من الأمراء والحكام وعندما احتل نابليون مصر سنة 1798، صار بدر الدين المقدسي أحد قادة الهبة  الأولى ضد الفرنسيين فلما نجح هؤلاء في إخماد تلك الثورة خرج هذا هرباً إلى البلاد الشامية وبيت المقدس وفحص عنه وبثوا خلفه الجواسيس فلم  يدركوه تؤكد كتب تراجم القرن الثاني عشر الهجري الموازي للقرن الثامن عشر الميلادي تقريباً التي ذكرت هؤلاء العلماء نجاح بعض المقدسيين في الحراك الاجتماعي خارج وطنهم وتبوؤهم مكانة علمية واجتماعية عالية   في القاهرة وغيرها وفي مقابل وصول  أبناء النخبة المقدسية إلى الأزهر  ومدارس دمشق والعاصمة العثمانية للدراسة واستيطانهم تلك العواصم والعيش فيها فإن بعض علماء من العالم العربي حضر إلى القدس وسكنها وجعلها موطناً له ولعائلته ومن هؤلاء في القرن الثامن عشر الشيخ محمد التلافاتي الذي صار  مفتي  الحنفية في القدس والشيخ محمد البديري الذي اشتهر كأبرز مشايخ الصوفية في بيت المقدس حتى وفاته فيها سنة 1220هـ /1805م، وبالإضافة إلى العلماء القليلين الذين جاؤوا إلى القدس  واستوطنوها فإن كثيرين زاروها وجاوروا في أماكنها المقدسة أشهراً وسنوات أحياناً هذه الشبكة من العلاقات الشخصية التي أقامها أفنديات  القدس بمشايخ القدس والأزهر والشام وغيرهم صارت قاعدة صلبة لتبادل المصالح إلى جانب التعاون والتبادل الثقافي اللذين شكلا أساساً مهما لمكانة  علماء ذلك العصر يضيق المجال عن ذكر شبكة العلاقات التي أقامها آل الحسيني بعلماء عصرهم خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر أي الفترة  التي تغطيها هذه الدراسة  لكن بعض الرسائل المحفوظة في مكتبات عائلية  خاصة  في القدس وأخرى عامة يشكل إضافة نوعية إلى معلوماتنا في هذا الشأن ولذا سنخصص هذه الصفحات الأخيرة من هذا الفصل لقراءة  سريعة  في بعض محتوياتها لقد أشار عدد من الباحثين إلى العلاقة بين مفتي دمشق خليل المرادي صاحب سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر وبين علماء  ومؤرخين بارزين من أبناء عصره في أواخر ذلك القرن وعلى رأسهم  السيد مرتضى الزبيدي وحسن بن عبد اللطيف الحسيني وعبد الرحمن  الجبرتي وقد أشار صاحب تراجم أهل القدس إلى علاقته بمفتي الشام المؤرخ خليل المرادي وأثره في تحرير تراجمه لإبراز علماء القدس أما بعض الرسائل الخاصة المحفوظة في القدس فيشير إلى علاقات شخصية حميمة كانت قائمة في جبل الآباء بين السيد عبد اللطيف نقيب أشراف القدس  وعلي المرادي المفتي بدمشق فالأخير يكتب في إحدى رسائله إلى النقيب  "إنه لما قرر الشيخ مصطفى الداغستاني التوجه إلى زيارة بيت المقدس  بادرنا بتحرير أحرف الخلوص للجناب ليكن مشمولاً بأنظاركم  و تستغتنموا  خير دعاه لأنه رجل من الصلحاء" ثم يضيف المرادي كلمات أخرى  للتوصية بهذا الشيخ  ويختم رسالته "بإبلاغ سلامنا إلى  المخاديم  الكرام  أنجالكم حرسهم الله تعالى" وفي مقابل هذا المعروف الذي يطلبه من النقيب  فإنه يعرض خدماته أيضاً قائلاً "ومهما يبدو أو يعرض لكم من الأغراض  في هذا الجانب عرفونا بها نقضي بمشيئة تعالى".

 

 أما بالنسبة إلى علماء الأزهر في أوائل  القرن التاسع عشر فقد ضمت مجموعات الوثائق الشخصية المحفوظة في القدس مراسلات لثلاثة بارزين  منهم هم الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر المؤرخ  عبد الرحمن  الجبرتي الشيخ حسن العطار وكانت رسالة عبد الله الشرقاوي خادم العلم والفقراء بالأزهر كما وقع رسالته المؤرخة في 25جمادى الثانية  1227هـ 6تموز(يوليو) 1812م، يتيمة من صاحبها إلى أفنديات القدس وفي رسالة شيخ الأزهر تلك إلى محمد طاهر أفندي المفتي في الديار المقدسة وبعد السؤال عن الخاطر والشوق الكبير يذكر وصول رسالة من المفتي إليه  وحصول السرور التام لذلك  ويضيف "وقد صلنا ما تفضلتم به علينا فلا زلتم  متفضلين وللخيرات والإحسان مانحين" ثم يطلب الشرقاوي استمرار المراسلات وعد انقطاع الأخبار عنه في المستقبل ويتابع في ثنائه على الأسرة الحسينية قائلاً "ولا زلتم منهلاً للواردين وكعبة للقاصدين" وفي ختام رسالته

 

يرجو أبناء تلك الأسرة "أن تشملوا السيد محمد زين بأنظاركم السعيدة  وآرائكم السديدة إكراما لخاطرنا"
تشير هذه الرسالة بوضوح إلى سببين رئيسين دفعا كبار علماء العصر بمن فيهم مشايخ الأزهر إلى الاهتمام بالمحافظة على العلاقات الوثيقة بأفنديات القدس وعلى رأسهم أبناء الأسرة الحسينية فأول هذه الأسباب هي الهدايا كالصابون وغيره التي أرسلها هؤلاء الأفنديات إلى مشايخ الأزهر تقديراً  لهم وعرفانا بالجميل بسبب الرعاية لهم ولمقربيهم حين دراستهم في ذلك المعهد المهم الذي درس فيه كثيرون من أفنديات القدس وكما قدم آل الحسيني الهدايا  والأموال لرجال الدولة في إسطنبول ودمشق ولحفظ  مصالحهم ووظائفهم فإنهم دأبوا على إقامة علاقات مشابهة بكبار مشايخ الأزهر أما السبب الثاني في حفظ العلاقة فهو عادة نقيب الأشراف وغيره من أفنديات القدس فتح داره ومنزله للضيوف والواردين لزيارة القدس والمجاورة فيها وهكذا خدمت هذه العلاقة مصالح الطرفين المادية بالإضافة إلى تبادل الكتب والمعلومات الثقافية  كما سيأتي لاحقاً.

 

أما العالم الأزهري الذي حفظ أكبر عدد من رسائله في القدس فهو الشيخ حسن العطار وفي بداية ثمانينيات القرن العشرين كنت نشرت مقالة بالإنكليزية عن العلاقات الثقافية بين علماء مصر وبيت المقدس فيها قراءة  لثلاث رسائل ألحقتها بالمقالة وهي رسالة عبد الله الشرقاوي إلى مفتي القدس سنة 1812، وأشير إليها أعلاه  رسالة للمؤرخ الجبرتي  سيأتي الحديث عنها لاحقاً إحدى رسائل الشيخ  حسن العطار التي لا تحمل تاريخاً ثم قام المؤرخ بطرس أبو منة مؤخراً بنشر أربع رسائل من مجموع رسائل حسن العطار إلى الشيخ طاهر الحسيني مفتي القدس هدف المؤرخ من خلالها إلى إلقاء الضوء على الأوضاع التي حملت هذا الشيخ على كتابة تلك الرسالة  حين كان بعيداً عن مصر ورسائل العطار إلى مفتي القدس شخصية جداً تشمل معلومات خاصة  لا يبوح كاتبها بها عادة إلا لمن يثق به وبصداقته ومعرفته القديمة ولما كانت أغلبية رسائل العطار قد نشرت فلا حاجة إلى تكرار ما جاء فيها لكن الإشارة إلى مضمونها والاقتباس من كلماتها أدناه يهدفان إلى إلقاء الضوء على بعض ما احتوته ويتعلقان بموضوع العلاقات  الخاصة لهذا العالم البارز  بآل  الحسيني  في القدس.

 

إن الرسالة الأولى إلى الشيخ طاهر من حسن العطار بعد زيارة الأخير للقدس في صيف سنة 1810، وخلال وجودة في يافا تحمل تاريخ 20ذي الحجة 1225هـ /كانون الثاني1811م، وبعد عودة العطار إلى دمشق أرسل مكتوباً غير مؤرخ إلى مفتي القدس المذكور يطلب فيه إرسال من يقوم  بمساعدته في "نقل بعض كتب نحب أن نرسلها إليكم  تكون عندكم أمانة لنا وليكن ذلك سراً بيني وبينك لا يطلع عليه أحد وتكون عندكم في بيتكم" وقبل هذه الرسالة هناك أخرى محفوظة في القدس أرسلها العبد الفقير حسن العطار إلى العالم الفاضل حضرة مفتي أفندي  بتاريخ 7جمادى الثانية 1226هـ/29حزيران يونيو 1811م، بعد أن وصل إلى دمشق الشام  وأرسل العطار مع كتابه هذا فتوى مرفقة  "وبضمنه أيضاً مكاتيب تسلمونها  لأربابها  كما هو المأمول من جنابكم الشريف قد أرسلنا لكم صحبة بعض الأتراك رسالة بخطنا تحتوي على بعض منظومات وبعض رسائل إن  شاء الله تكون وصلت" أما بالنسبة  إلى بعض الكتب التي طلبها  مفتي القدس من الشام فيقول العطار "فنحن  متى وجدناها أخذناها لأن الكتب الآن قليلةُ جداً  وغالية الأثمان" ويختم  كاتب الرسالة كلامه  "بالسلام على نقيب وغيره  من الأحباب ويسلم عليكم محمد الشهابي".

 

وكانت الرسالة التالية المحفوظة في القدس والمرسلة من دمشق بخط حسن العطار وتوقيعه وتحمل تاريخ صفر 1227هـ/ آذار مارس 1812م، وتشمل  ذكراً لوصول  الكتاب من طاهر أفندي  والهدية الشريفة العظيمة بتمامها  مختومة مربوطة ويشكوا العطار عدم قدرته  على تلبية  طلب إرسال  الفتوى مع الرسالة بسبب  أحوال مفتي الشام إذ يقول وليس كل واحد يقضى له غرضه سريعاً وليس في وسعي إلزامهم بل أحتاج للصبر ويستفيض هذا الشيخ العالم في شكواه من الأحوال في دمشق قائلاً ما كل ما يعلم يقال ثم يضيف "قد صار العلم الآن  يحصل بأحد الطريقين  أما الوراثة وإما التوالي  بطريق المنصب  ولله الأمر من قبل ومن بعد وحال  الشكوى  تضيق عن الرقاع  وتكل منه الأسماع"  ومرة أخرى  ينهي العطار رسالته  إلى مفتي  القدس بالسلام على بعض أفندياتها من معارفه "أولهم والدنا العارف بالله  الشيخ  محمد اليعقوبي وعلى  حضرة نقيب  أفندي وغيرهما".

وكانت طريق الحج  قد أعيد فتحها بعد حملة محمد علي باشا على الوهابيين ونجاح  جيوشه  في استعادة مدن الحجاز من أيديهم  فقام  حسن العطار  برحلة الحج مع القافلة الشامية سنة 1228هـ/1813م، وبدلاً من العودة إلى مصر مباشرة من الحجاز من القافلة المصرية بعد أن قام بفريضة الحج عاد مع القافلة الشامية ووصل إلى معان في شرق الأردن وهناك انفصل عن القافلة وتوجه إلى مدينة الخليل ومنها سار إلى القدس فوصل إليها في أوائل ربيع سنة 1814 ليتسلم كما يبدو كتبه وأمتعته ونزل ثانية في دار نقيب أشراف القدس السيد عمر أفندي الحسيني وليس ثمة دار آهلة للواردين  سواها بحسب قول مبارك ويضيف المؤرخ  أبو منة  في محاولة تتبعه   خطوات العطار وزياراته في بلاد الشام أنه لم يمكث طويلاً هذه المرة في القدس  ففي أواخر  آذار مارس 1814، ترك المدينة عائداً إلى مصر عن طريق الخليل فسيناء والسويس لكنه لم يصل إلى القاهرة حتى 21ربيع الثاني 1229هـ/12نيسان أبريل1814م، ويستنتج أبو منة ذلك من رسالة بعث بها صديق العطار المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي من القاهرة إلى مفتي  القدس الشيخ  طاهر أفندي تحمل ذلك التاريخ وتحتوي شؤوناً أخرى تتعلق بالكتب والثقافة يمكن العودة إليها بنصها الحرفي لأنها نشرت  مرتين  كما ذكرنا  سابقاً.

 

وقبل أن يضل الشيخ محمد العطار إلى القاهرة  بعد أن غادر القدس توقف مدة في مدينة الخليل وبعث من هناك برسالة أخرى إلى الشيخ طاهر تحمل تاريخ 11جمادى الأولى 1229هـ/1أيار1814م، يقول فيها إن كتاب مفتي  القدس وصله مع الهدية التي تضم قمر الدين والنشوق ثم يضيف "وإن  عتبكم علينا من جهة وعدم توارد المراسلات ونحن  ببلدة الخليل فمعذرة  لكم سيدي فإننا كل يوم في أهبة التوجه وخاطرنا مشغول من جهة التوجه  لجهة السويس" أما سبب تخوفه  من السفر  كما يوضحه  في الرسالة "فعائد  إلى استثقال مرافقة البدو دمرهم  الله  فإننا  تجرعنا من صحبتهم  الغصص  بطريق معان" ويتابع العطار "إن طريق العريش لو كانت مسلوكة  لسلكنا  لكن"  وفي إشارة إلى الوهابيين  الذين انقطعت  الطرق بسببهم يقول "نسأل الله تدمير من قطع طرق السفا  وعجل به إلى جهنم وبئس القرار"  ثم ينهي  كاتب الرسالة أقواله  بوعد الكتابة حين يصل إلى مصر وكذلك بإرسال كتب طلبها الشيخ طاهر "إن  لم يكن  أرسلها  الشيخ  عبد الرحمن"  في إشارة إلى المؤرخ المعروف الجبرتي وقبل أن يختم  العطار رسالته ويوقعها "يبعث  كالعادة بسلامات لحضرة محبنا وعزيزنا حضرة نقيب أفندي وإلى السيد حسن كمال" وغيرهم  من أفنديات القدس أما من الخليل فيضيف العطار  "سلامات من الحاج محمد الجزري ويسلم عليكم الشيخ إسماعيل المحتسب وكل من طرفنا من أحبابكم  يسلمون عليكم"  وبعد أسابيع قليلة من تاريخ  هذه الرسالة  سافر  العطار إلى مصر ووصل إليها  سالماً وأرسل  من هناك رسالة إلى طاهر أفندي نشرها  أبو منة ضمن الرسائل الأربع
المذكورة وقد استمرت العلاقة  بين الشيخ حسن العطار ومفتي القدس طاهر أفندي  الحسيني عدة سنوات أخرى وهو ما نعرفه من رسالة أخرى موجودة  ضمن مجموعات الرسائل الخاصة المحفوظة في القدس وتحمل تاريخ 13محرم 1235هـ/2تشرين الثاني 1819م، أي بعد أكثر من خمس سنوات  على تاريخ الرسائل السابقة  بـ العبد الفقير  حسن محمد العطار أما طاهر أفندي المرسل فزادت ألقاب التفخيم  والتكريم المرافقة  لاسمه الأمر الذي يشير كما يبدو إلى ارتفاع مكانته  فهو "الأمام الهمام الفاضل الكامل العالم العامل صدر العلماء كبير العظماء والوجهاء السيد  والدعاء إلى الله الوقاية  والرعاية واللطف لنا ولكم ولساير الأحباب" بعد ذلك يذكر العطار "توجه لدي الشيخ عبد الرحمن السدودي من قرية أسدود  وأصحبناهم كتاباً لكم"  ويشكوا أنه لم يصله منذ مدة مراسلات  من طرف طاهر أفندي ربما تكون لعدم مواصلة كاتب الرسالة الرد على رسائله كما تقتضيه الصحبة المحبة  ويقدم العطار عذره لعدم مواصلة الكتابة  فيقول "إنه كان وكل سابقاً ولدنا العلامة الشيخ حسين المغربي وأخبرناكم أنه يبسط لنا العذر ويشرح لكم الأسباب" ثم يطلب من مفتي القدس "أن يعجل في عودة الشيخ حسين المغربي  إلى مصر فإن والده ووالدته وأخاه الجميع قدموا في شهر رمضان للحج  ولقيه وسافرا ذلك الشهر إلى مكة  وسيعودون إنشاء الله عن قرب فيحتاج  الحال أن يقدم إلى طرفنا"  ثم يذكر العطار بعض  أخباره في الأزهر والكتب  التي قرأها على طلبته والحواشي  والشروحات التي كتبها على بعض الكتب التي درسها كما يشير إلى تبادل الكتب بين العلماء فيقول  "إن كتابين من الكتب التي طلبناها وصلانا من حضرة عارف بك قاضي القدس سابقاً"

 

يعود حسن العطار إلى الإلحاح في ضرورة رجوع الشيخ حسين المغربي إلى الأزهر إن كان ما زال باقياً في القدس ويكرر طلبه من المفتي السعي لذلك ثم يخاطب هذا الشيخ في الرسالة قائلاً  "وعن يا محبنا لا يليق بكم  ترك العلم في الأزهر فإنه أحسن من غيره وأنتم تعلمون إنا نصبر على  تجرع الغصص في إقامتنا  بمصر إنما هو لأجل الهيئة التي تحصل بها في الأزهر لا تقاس بغيرها"  ويختم العطار كلامه  كعادته  بتوجيه السلام إلى حضرة النقيب  السيد عمر وراغب أفندي  وشاكر أفندي  وكل من يلوذ بكم ويتابع  "ويا محبنا لازم من إرسال كتاب يخبرونا  فيه عن حقيقة الشيخ حسين المغربي  أهو باق عندكم  أم سافر إلى وأي محل سافر ولا تقطعون عادة إرسال الصابون وأن قل فإن العادة  تثبت بمرة وعادات السادات  سادات العادات ترسلونه مع محبنا السيد عمر وبصحبته مكتوب مبسوط فيه كامل أخباركم وأخبار الشيخ حسين والسلام ختام"  

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »