منطقة خان الأحمر (معاليه أدوميم) بين الأطماع "الإسرائيلية" والحق الفلسطيني

تاريخ الإضافة الأربعاء 4 حزيران 2008 - 1:02 م    عدد الزيارات 16893    التعليقات 0

        

لا تفوت "إسرائيل" فرصة إلا وتدّعي أن لها أطماعاً اقليمية في الضفة الغربية، خاصة عندما يتحدث العديد من الساسة "الإسرائيليين" ومن يقف خلفهم من صانعي الاستراتيجية "الإسرائيلية" عن أهمية بعض المناطق في الضفة الغربية لأمن "إسرائيل" ومستقبلها. وقد حاولت "إسرائيل" خلال السنوات العشر الأخيرة، أي بعد توقيع اتفاقية طابا 1995، تشكيل رأي عام داخل "إسرائيل" يدعم هذا التوجه، حتى أنّ بعض الأحزاب "الإسرائيلية"، إن لم يكن كلها، طرحت تصوراتها ورؤيتها لطبيعة الحل الإقليمي مع الفلسطينيين مدّعية أن هناك مناطق حيوية في الضفة الغربية يجب أن تضم لـ"إسرائيل" في أي حل نهائي قادم. ويبدو أن "إسرائيل" نجحت إلى حد ما بتشكيل رأي عام داخلي يدعم هذا التوجه.

 

ومنذ تولي شارون سدة الحكم في "إسرائيل" بدأت الحكومة "الإسرائيلية" بحملة خارجية لإقناع العالم وخاصة الولايات المتحدة بأنّ هناك مناطق في الضفة الغربية لا يمكن لـ"إسرائيل" الاستغناء عنها لأسباب ديمغرافية واستراتيجية دفاعية ومائية حسب ادعائها، وبالتالي يجب أنْ تضم هذه المناطق لـ"إسرائيل" في أي حل نهائي مع الفلسطينيين، مستندة بذلك على ماكينة إعلامية قادرة على تزييف الحقائق وقلب الأمور. ويبدو أن "إسرائيل" استطاعت إلى حد ما إقناع الولايات المتحدة بهذا التوجه، واستطاع شارون الحصول من الرئيس الأمريكي جورج بوش على ما يسمى برسالة الضمانات التي تحمل في طياتها اعترافاً أمريكياً بوجود مناطق داخل الضفة الغربية يجب أنْ يؤخذ الوجود الاستيطاني فيها بعين الاعتبار عند الحديث عن الحل النهائي، والأمر الذي فسر من الجانب "الإسرائيلي" على أنه موافقة أمريكية ضمنية على ضم بعض المناطق الفلسطينية لها.

 

إن محاولات "إسرائيل" تشكيل رأي عام داخلي، وإقناع العالم الخارجي بوجهة نظرها كانت في معظم الأحيان تسندها بمبررات وبيانات حتى وإنْ كانت قائمة على الخداع والتزييف، الأمر الذي يستدعي من الجانب الفلسطيني وضع استراتيجية لحملة مضادة تهدف إلى دحض الادعاءات "الإسرائيلية" تستند بالإضافة إلى التسلح بقرارات الشرعية الدولية بالمنطق والبرهان من خلال القرائن والبيانات التي تؤكد أنّ المناطق التي تدّعي "إسرائيل" بأنها مهمة لأمنها عدا أنها في الأصل أراضي فلسطينية فإنها أكثر حيوية وأهمية لمستقبل الكيان الفلسطيني وتطوره. وتأتي هذه الدراسة كمساهمة متواضعة لتوضيح أهمية منطقة الخان الأحمر (معاليه أدوميم) لمستقبل الدولة الفلسطينية، وهي من أهم المناطق التي تطمع "إسرائيل" في ضمها، وتفند الادعاءات "الإسرائيلية" في المنطقة وأنها مخالفة للمنطق والقانون، وجاءت لتحقيق أهداف توسعية محضة.

 

محافظة القدس- معلومات أساسية

تقع محافظة القدس وسط الضفة الغربية بمساحة قدرها 345 كم2، تعادل 5.9% من مساحة الضفة الغربية، وتضم هذه المساحة 51 تجمعاً سكانياً فلسطينياً بعددٍ إجمالي للسكان قدر في عام 2004 بـ389.7 ألف نسمة. وتعتبر محافظة القدس من الناحية الطبيعية جزءاً من السلسلة الجبلية التي تمتد من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، وتقع أعلى نقطة في محافظة القدس في منطقة الطور بارتفاع 826م عن سطح البحر بينما أدنى نقطة تقع في عين اللوزة "سلوان" بارتفاع 610م.
ونظراً لعدم اكتمال الدراسات الشاملة في محافظة القدس ولأغراض إحصائية، تم تقسيم المحافظة إلى جزأيْن الأول (منطقة J1) وتشمل ذلك الجزء من المحافظة الذي ضمته "إسرائيل" عنوة بعيد احتلالها للضفة الغربية في عام 1967، وتضم منطقة J1 تجمعات (بيت حنينا، مخيم شعفاط، شعفاط، العيسوية، الشيخ جراح، وادي الجوز، باب الساهرة، الصوانة، الطور، البلدة القديمة (بيت المقدس)، الشياح، رأس العامود، سلوان، الثوري، جبل المكبر، السواحرة الغربية، بيت صفافا، شرفات، صور باهر، أم طوبا) وتبلغ مساحة هذا الجزء الذي يطلق عليه (القدس الشرقية) نحو 70.5 كم2. ويشمل الجزء الثاني من محافظة القدس (منطقة J2) باقي المحافظة وتضم تجمعات (رافات، كفر عقب، مخماس، مخيم قلنديا، التجمع البدوي جبع، قلنديا، بيت دقو، جبع، الجديرة، الرام وضاحية البريد، بيت عنان، الجيب، بيرنبالا، القبية،  أم اللحم، بدو، النبي صموئيل، حزما، بيت حنينا التحتا، قطنة، بيت سوريك، بيت إكسا، عناتا، التجمع البدوي الخان الأحمر، الزعيم، العيزرية، أبو ديس، التجمعات البدوية في العيزرية وأبو ديس، السواحرة الشرقية، الشيخ سعد).

 

وتمتد المحافظة من بيت عنان في أقصى الغرب إلى السواحرة الشرقية في الشرق والتي تمتد أراضيها حتى تصل إلى مشارف البحر الميت، ومن كفر عقب ورافات في الشمال حتى صور باهر وأم طوبا في الجنوب.

 

استعمالات الأراضي

تعتبر طبيعة استعمالات الأراضي في منطقة ما مؤشراً على نمط الحياة السائد في هذه المنطقة وطبيعة النشاط البشري فيها، والجدول التالي يوضح استعمالات الأراضي في المحافظة:

 

نوع الاستعمال المساحة (كم2) الأراضي الفلسطينية المبنية 38.6 الأراضي التي تسيطر عليها المستوطنات "الإسرائيلية" 109.3 الغابات والأحراج -2.0 الأراضي الزراعية 18.1 استعمالات أخرى 177

جدول يوضح مساحة الأراضي في محافظة القدس حسب نوع الاستعمال للعام 2003[1].

 

يتضح من خلال الأرقام الواردة في الجدول السابق أنّ مساحة المناطق التي تسيطر عليها المستوطنات "الإسرائيلية" تبلغ 109.3 كم2 تمثّل نحو 32% من مساحة المحافظة، مع الإشارة إلى أنّ الأجزاء المستغلة من هذه المساحة  الخاصة بالمستوطنات لا تتجاوز 43 كم2 تمثّل 39% من المساحة الإجمالية التي تسيطر عليها المستوطنات، وهو ما يوفر مساحة واسعة من الأراضي كاحتياطي للتوسع الاستيطاني في المستقبل.

 

كما يلاحظ أنّ الأراضي المخصصة للبناء اليهودي تفوق مساحة الأراضي المخصصة للبناء العربي رغم أن عدد التجمعات السكانية العربية يفوق عدد التجمعات الاستيطانية اليهودية وكذلك عدد السكان الفلسطينيين يفوق عدد المستوطنين اليهود وهو ما يجعل نصيب المستوطن اليهودي من الأراضي المستغلة أضعاف نصيب المواطن العربي. أما فيما يتعلق بالطرق كنوع من أنواع استعمالات الأراضي فإن أطوال الطرق المعبدة في محافظة القدس بلغ في عام 2003 نحو 409.4 كم منها 38.1 كم طرقاً رئيسية، و27.9 كم طرقاً إقليمية، 223.3 كم طرقاً محلية، أما الطرق الالتفافية فبلغت نحو 120.1كم، وهذه الأخيرة يتم استخدامها في الغالب من قبل المستوطنين اليهود فقط.

 

أما فيما يتعلق بالتجمعات السكانية الفلسطينية الموجودة في محافظة القدس وتحديداً خارج حدود البلدية والتي لها علاقة مباشرة بموضوع الدراسة والبالغة 29 تجمعاً، وهي تجمعات بالإضافة إلى أنها تنتشر بصورة نسبية لصيقة بمدينة القدس، فهي في مجملها تمثل تجمعات سكانية صغيرة في عدد سكانها بحيث يتراوح ما بين 25 ألف نسمة إلى عدة مئات وهو ما يتضح من خلال الجدول التالي:

 

جدول يوضح عدد السكان ومساحة الأراضي الخاصة بالتجمعات السكانية في منطقة J2 (راجع [2])

التجمع عدد السكان مساحة الأراضي والمناطق المبنية(كم2)[3] 2002 2005 مساحة الأراضي مساحة المناطق المبنية مجموع محافظة القدس 376.877 402.721 345 38.6 كم2 مجموع منطقة (J1) 239.591 251.289 70.4 14.1 مجموع منطقة (J2) 137.786 151.423 275 24.5 رافات 1904 2093 3777 447 كفر عقب 9333 10257 5472 1922 مخماس 1684 1851 13479 406 مخيم قلنديا 9126 8930 - 320 قلنديا 1034 1137 3940 190 بيت دقو 1435 1577 5393 450 جبع 2903 3191 13407 342 الجديرة 1902 2090 2044 288 الرام وضاحية البريد 22944 25217 5598 3178 بيت عنان 3823 4201 10105 1545 الجيب 4162 4573 8205 4075 بيرنبالا 5460 6000 2682 1158 بيت إجزا 601 661 2382 379 القبية 1855 2038 3084 477 خربة أم الفحم 334 367 - 5 بدو 5709 6274 5392 1601 النبي صموئيل 196 215 2150 104 حزما 5466 6007 10438 644 بيت حنينا البلد 1242 1365 15839 393 قطنة 6720 7385 4550 2740 بيت سوريك 3422 3761 5700 777 بيت إكسا 1407 1546 8473 279 عناتا 8626 9479 30728 1275 الكعابنة 875 961 - - الزعيم 2204 2422 - 287 العيزرية 15597 17142 11179 2101 أبو ديس 10858 11932 28232 2033 السواحرة الشرقية 4671 5133 - 307 الشيخ سعد 2157 2370 - 387 تجمعات أخرى 56 61 - -

 

يلاحظ من خلال الأرقام الواردة في الجدول السابق عدم التناسق بين الوحدات الإدارية وعدد سكانها، إذ يلاحظ وجود وحدات إدارية ذات مساحات كبيرة وعدد سكان قليل في مقابل وحدات أخرى عدد سكانها كبير ومساحات صغيرة. وهذا يرجع إلى طبيعة الأرض ومدى قربها أو بعدها عن مدينة القدس. كما يلاحظ من خلال أرقام الجدول أن معظم المناطق المبنية في التجمعات السكانية مقتربة تماماً من مدينة القدس من جهة الغرب، أما المناطق الشرقية من هذه التجمعات فتعتبر شبه خالية من السكان، وهو ما سهل عمليات مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات كما سنرى فيما بعد، كما يلاحظ مدى التركز السكاني في مدينة القدس الشرقية (J1) مقارنة بالمناطق الأخرى المحيطة (J2) حيث يعيش في الحدود البلدية للمدينة نحو 250 ألف نسمة (فلسطيني) في حين يعيش في باقي المحافظة فقط 150 ألف نسمة، رغم أن مساحة باقي المحافظة تعادل أربعة أضعاف مساحة المدينة وهذا ليس بغريب في مدينة تمتاز بالبعد الديني ومستوى المعيشة المرتفع ونوع الخدمات المتميز.

 

أما عن الوجود الاستيطاني في المحافظة بوجه عام، فنجد أن عدد المراكز الاستيطانية في محافظة القدس بلغ في عام 2004 أربعين تجمعاً استيطانياً بغض النظر عن حجم التجمع، بمساحة تصل إلى نحو 109 كم2، وتشكل المناطق المبنية نحو 42% من إجمالي المساحة، ويقيم في هذه المستوطنات ما يربو على 235 ألف مستوطن، ونجد أن نصيب منطقة (J1) من المحافظة 183 ألف مستوطن والبقية نحو 50 ألف موزعة على المستوطنات المحيطة بالمدينة داخل حدود المحافظة.

 

تجمع مستوطنات "معاليه أدوميم"

تعتبر منطقة "معاليه أدوميم" والمستوطنات المحيطة بها منطقة ذات أهمية خاصة لوقوعها في مجال مدينة القدس ولتأثيراتها الاستراتيجية على الجانب الفلسطيني من نواحي متعددة، في المقابل فإن الجانب "الإسرائيلي" يدّعي أن هذه المنطقة حيوية واستراتيجية لأمنه وبخاصة أمن مدينة القدس، ولديه قناعة بأنّ المنطقة المحيطة بمدينة القدس سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل مدينة القدس (كعاصمة موحدة لدولة "إسرائيل")، فإذا تم فصل محيط المدينة خاصة من جهة الشرق حيث منطقة "معاليه أدوميم" والمستوطنات المحيطة فإنّ ذلك سيحرم المدينة من رصيد من الأراضي الضرورية لتنميتها وتوسعها في المستقبل، دون الاكتراث بمصالح الجانب الفلسطيني، كما أن فصل هذه المنطقة سيعيد مدينة القدس إلى الوضع الذي كان سائداً قبل عام 1967، أي بدلاً من أنْ تكون المدينة واقعة على محور طريق رئيسي، فإنّها ستكون واقعة في نهاية طريق رئيس مسدود في أقصى ممر القدس، وهو ما سيحدّ من تطور المدينة وانتعاشها.

 

إنّ الجانب "الإسرائيلي" ما زال يعتقد أنّه إذا لم يكنْ لمدينة القدس عمق استراتيجي باتجاه الشرق فستصبح مهددة، وأن الجهة الشرقية ما زالت تمثل التهديد الأكبر للقدس ومن خلفها "إسرائيل"، فالمسافة بين نهر الأردن والسهل الساحلي تصل إلى نحو 80 كم بينما لا تتعدى هذه المسافة حتى القدس 28كم. وللتغلب على هذا الوضع تقول "إسرائيل" إنه يتوجب عليها أن تسعى لخلق نوع من التواصل الجغرافي الدائم بين منطقة القدس الأمنية وشمال البحر الميت. وهذا الاقتراح الأصلي هو الذي قدّمه يغئال ألون إلى حكومة ليفي أشكول في 26/7/1967 وما يعرف بمشروع ألون، الذي يهدف إلى تعزيز  السيطرة على محيط القدس الدفاعي والاقتصادي.

 

إن ما سبق يدلل على أن "إسرائيل"، منذ اللحظة الأولى لاحتلالها الضفة الغربية، وضعت المخططات وسنت القوانين كي تجعل العديد من المناطق في الضفة الغربية في قبضتها وتحت تصرفها، وعلى رأس هذه المناطق منطقة الخان الأحمر (معاليه أدوميم) والمناطق المحيطة بها. هذا الموضوع يستدعي الحديث عن النظام القانوني والمؤسساتي في الأراضي الفلسطينية، حيث إن النظام القانوني والمؤسساتي المسؤول عن تخطيط المناطق الفلسطينية منذ قدوم الاحتلال هو النظام نفسه المسؤول عن التخطيط في المستوطنات "الإسرائيلية" داخل الأراضي الفلسطينية، ومع ذلك فإن المعايير المطبقة في الحالتين تختلف اختلافاً جذرياً حيث يتم استخدام الخطط الهيكلية كأداة لتقييد حرية البناء في التجمعات السكانية الفلسطينية، ولتعزيز ودعم إنشاء المستوطنات وتطويرها، ومنطقة "معاليه أدوميم" غير مستثناة من هذا النظام بل إنه يطبق بها بطريقة فجة كما سنرى.

 

من حيث الأطر المؤسساتية، فإنّ الخطط الهيكلية الخاصة بالمستوطنات تناقش ويصادق عليها من قبل اللجنة الفرعية الخاصة بالمستوطنات، وهي إحدى اللجان الفرعية العديدة التي تعمل تحت إشراف مجلس التخطيط الأعلى، علماً بأن الإدارة المدنية "الإسرائيلية" في الأراضي الفلسطينية أصدرت بنداً يحدد السلطات المحلية اليهودية في مستوطنات الضفة الغربية كلجان تخطيط خاصة يجوز لها إعداد ورفع الخطط الهيكلية المفصلة والخطط الهيكلية العامة إلى مجلس التخطيط الأعلى، وإصدار تصاريح البناء للسكان على أساس هذه الخطط، مع أنّه لم يحدث أنْ حدد حتى ولو مجلس قروي فلسطيني واحد كلجنة تخطيط خاصة كما ينص على ذلك هذا القانون.

 

وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أنّ أهم شرط لعرض الخطط الهيكلية على مجلس التخطيط الأعلى، كي يتسنى المصادقة عليها، يكمن في وجوب أن تكون المنطقة المخططة خاضعة لولاية نفوذ السلطة المحلية، وهذا من المفترض أن ينطبق على المستوطنات وعلى التجمعات السكانية الفلسطينية وإذا كان الأمر غير ذلك، أي عدم خضوع المنطقة لولاية السلطة المحلية، يتعيّن على الإدارة المدنية إعادة ترتيب الحدود الإدارية للسلطات المحلية من أجل تعديل هذه الخطط الهيكلية الجديدة. فعلى سبيل المثال، وصف مكتب المستشار القضائي للحكومة "الإسرائيلية" الطريقة التي عرضت بها آخر خطة هيكلية محلية خاصة بمستوطنة "معاليه أدوميم" على المحكمة العليا "الإسرائيلية" للتصديق عليها كالتالي:

 

في بداية عام 1990 اتصل رئيس مجلس مستوطنة "معاليه أدوميم" بالإدارة المدنية طالباً توسيع منطقة نفوذ المستوطنة بـ18 ألف دونم أخرى، علماً بأن المنطقة التي طلبت "معاليه أدوميم" إلحاقها بنفوذها كانت خاضعة آنذاك لمنطقة نفوذ مجلس إقليمي بنيامين (منطقة رام الله) ومجلس إقليمي غوش عتسيون (منطقة بيت لحم). وفي 16 أكتوبر 1991، وبعد إجراءات قامت بها المكاتب المعنية بهذا الأمر وقع قائد الجيش "الإسرائيلي" في الضفة الغربية على قرار استبدال الخارطة، حيث تم بموجبها توسيع منطقة نفوذ "معاليه أدوميم" بنحو 13500 دونم.

 

كما أن هناك صعوبات أخرى قد تنشأ عند إقامة المستوطنات في مناطق حددت كمناطق زراعية أو موارد طبيعية في الخطط الهيكلية الخاصة بالمناطق أيام الانتداب البريطاني. غير أن هذه الصعوبات تم تذليلها من قبل السلطات "الإسرائيلية" العسكرية عند تعديل الخطة الهيكلية الإقليمية رقم 10-0-RJ، حيث سمح ذلك لنظام التخطيط العسكري بإصدار التصريح بإقامة مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة دون التخلي عن الخطط الهيكلية للانتداب التي استغلت استغلالاً فعلياً لتقييد حرية توسيع التجمعات السكانية الفلسطينية، بحيث تقابل المرونة التي تبديها السلطات العسكرية "الإسرائيلية" تجاه المستوطنات بتطبيق صارم لنصوص القانون المتعلق بتطوير وتخطيط التجمعات الفلسطينية، وحيث لا تتردد "إسرائيل" في إساءة استخدام نظام التخطيط لخدمة أغراضها[4].

 

مصادرة الأراضي

لقد جاءت عملية مصادرة الأراضي المخصصة لإقامة المستوطنات الواقعة ضمن "تجمع معاليه أدوميم" ضمن الوسائل المعروفة التي اتبعتها سلطات الاحتلال لمصادرة الأراضي التي أقيمت عليها معظم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، فمستوطنة "معاليه أدوميم" وهي المستوطنة الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان أقيمت نواتها من خلال كرافانين وضعا في المكان في عام 1974 بمباركة من حكومة العمل آنذاك، ثم تطور الوضع إلى إقامة نواة لمنطقة صناعية على قطعة من الأرض هي الآن جزء من مستوطنة "معاليه أدوميم"، وفي عام 1977 قامت جهات مختصة بعملية مسح للمنطقة المجاورة تبين فيها أن مساحة الأراضي الحكومية في المنطقة تبلغ 35 ألف دونم، ومن ثم قامت السلطات "الإسرائيلية" باتخاذ قرار توسيع حدود المستوطنة، من خلال اعتماد مجموعة من المعايير لها علاقة بنوعية الأرض والجوانب البيئية وتوفير الأرض لغرض التطوير وتكلفة التطوير نفسه. هذه المعايير كانت تؤخذ في الحسبان لتحقيق مصلحة المستوطنة والمستوطنين ولم تأخذ أي اعتبار لحاجات أصحاب الأراضي الفلسطينية الخاصة والعامة سواء في المجال الزراعي أو التطويري.

 

وفي الثمانينات، وبداية التسعينات وضمن إجراءات إعلان الأراضي على أنها أراضي حكومية، عكفت "إسرائيل" على ضم أملاك أخرى للمستوطنة كان قد تم مصادرتها والإعلان عنها أراضي حكومية، وبذلك تصل مساحة "معاليه أدوميم" الآن إلى نحو 53 ألف دونم (إذا أضيف إليها مخطط E1).

 

إن قضية الإعلان عن منطقة كأرضٍ حكومية هي من مهمة مشرف الإدارة المدنية على أملاك الحكومة، وبعد دراسة أعدها قسم الشؤون المدنية في مكتب المستشار القضائي للحكومة "الإسرائيلية"، وبناءاً عليها أبلغ مندوب المشرف وجهاء ومخاتير القرى المعنية بنية الحكومة الإعلان عن أراضيهم أراضي حكومية وللسكان الحق في الاستئناف أمام هيئة الاستئناف العسكرية.

 

وحسب منظمة "بتسيلم" لحقوق الإنسان فإنّ هذه الإجراءات تعتبر إجراءات باطلة لعدة أسباب منها:

 

-      الحكومة لم تعتمدْ في إجراءاتها على القانون الأردني الذي ينبغي على الجيش المحتل تطبيقه.
-      إن عملية المصادرة تتجاوز إجراءات تسجيل الأراضي المنصوص عليها في القانون الأردني والتي علق العمل بها من قِبَل الحاكم العسكري للضفة الغربية عام 1968 والتي لم يتم أيضاً تجديدها منذ ذلك الحين وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
-      "إسرائيل" تفسر حق الدولة في الأراضي على أنه تصريح بالسيطرة على مساحة ضخمة من الأراضي ومصادرتها من أصحابها ونقلها لمصلحة أجانب (المستوطنين) دون الاكتراث بمصالح السكان الأصليين. وهذا تفسير لم يمارسه العثمانيون ولا الإنجليز ولا الأردنيون.

-      تشترط "إسرائيل" إظهار دليل يثبت تسجيل الأراضي من قِبَل أيّ فلسطيني يدّعي ملكيته للأرض، ونتيجة لذلك فإنّ الفلسطينيين الذين أعلن عن أملاكهم أراضي حكومية لن يكونوا مسلّحين بأي وسيلة للدفاع عن حقوقهم خاصة أنّ جزءاً كبيراً من الأراضي التي بحوزة الفلسطينيين لم يتم تسجيلها في الماضي، ورفضت "إسرائيل" تسجيلها فيما بعد.

 

وحتى لو كانت إجراءات المصادرة شرعية وقانونية، فيجب أن تخصص هذه الأراضي كأملاك عامة، والعامة الذين هم أصحاب هذه الأملاك في الضفة الغربية هم الفلسطينيون لا المستوطنين "الإسرائيليين". ولكن سلطات الاحتلال تتصرف على العكس تماماً بمجرد الإعلان عن أرض "أراضي عامة"، وهذا بالتأكيد جزءٌ من إجراءات حرمان الفلسطينيين من حقوقهم في هذه الأراضي حتى أنها تمنعهم من الدخول إليها.

 

إن الإجراءات التي اتبعتها "إسرائيل" في مصادرة الأراضي في منطقة "معاليه أدوميم" لا تتناقض فقط مع القوانين المحلية، ولكنها تتعارض تعارضاً واضحاً مع نص المادة 55 من بنود اتفاقية "لاهاي" التي تؤكد على أن القوة المحتلة ملزمة بتأمين الممتلكات العامة ولا يحق للمحتل إلا التمتع بحقوق محدودة جداً من ثمار هذه الممتلكات (حق الانتفاع) شريطة عدم إجراء أي تغيرات ملحوظة أو دائمة عليا. فبناء المنازل وشق الطرق وإقامة المجمعات الصناعية والمقابر وما شابه يؤدي إلى تغيير دائم. وبما أنّ بناء المنازل وشق الطرق كالذي حصل في مستوطنة "معاليه أدوميم" جاء لمصلحة سكان جُلِبوا من طرف الدولة المحتلة وليسوا من السكان المحليّين، فإن ذلك يعتبر انتهاكاًً واضحاً للقانون الدولي.

 

أما تأثيرات هذه المصادرات على المحيط العربي فقد جاءت بصورة سلبية، حيث أتاحت مصادرات الأراضي في هذه المنطقة إنشاء وتوسيع المستوطنات القائمة هناك، وتوفير احتياطي واسع من الأراضي للتطوير والتوسع. وفي المقابل فقد أدى ذلك إلى تقليص مساحة الأراضي التي قد تخصصها سلطات الاحتلال للتوسع الطبيعي للقرى الفلسطينية في المنطقة. فالسياسة "الإسرائيلية" المتبعة هي التي تحدد طابع المعطيات والبيانات التي تؤدي إلى التمييز بين الفلسطينيين والمستوطنين "الإسرائيليين". فعلى سبيل المثال، صادقت الحكومة "الإسرائيلية" عام 1992 على ما يسمى "بخطط التماس لثلاث قرى مجاورة" لمستوطنة "معاليه أدوميم"، والتي جاءت على النحو التالي:

 

اسم التجمع عدد السكان الحجم الكلي للمساحة المخصصة بالدونم معدل نصيب الفرد من المساحة (م2) أبو ديس (خطة 1603/92) 12000 1302 76.5 عناتا (خطة 1503/92) 10000 1156 115  العيزرية (خطة 1634/92) 18000 2133 118.5 "معاليه أدوميم" (خطة 420-420) 27000 53000 2120

جدول يوضح حجم الأراضي المخصصة لمستوطنة "معاليه أدوميم" وقرى عربية مجاورة[5].

 

من خلال الجدول يلاحظ مدى الإجحاف الذي لحق بالتجمعات العربية الثلاثة القريبة من مستوطنة "معاليه أدوميم". فمساحة الأراضي المخصصة للتجمعات الثلاثة لا تتجاوز 4600 دونم كأراضي يسمح فيها بالبناء، في حين أن المساحة المخصصة لمستوطنة "معاليه أدوميم" تبلغ 53 ألف دونم والجزء المستغل في المستوطنة نحو 6000 دونم مع إمكانية توسيعه بمجرد عرض مخطط هيكلي جديد لذلك، كما نجد أنّ عدد سكان التجمعات الفلسطينية الثلاثة يبلغ نحو 38 ألف نسمة وعدد مستوطني "معاليه أدوميم" يبلغ نحو 29 ألف مستوطن، أي نحو 68% من عدد السكان العرب، وهو ما يجعل نصيب المستوطن من الأراضي يعادل عشرة أضعاف نصيب الفرد في التجمعات الفلسطينية الثلاثة.

 

وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى أنّ التجمعات العربية الثلاثة سالفة الذكر، كغيرها من التجمعات السكانية العربية في الضفة الغربية، لديها احتياطي من الأراضي، لكن سلطات الاحتلال تغلق هذه المناطق وتتحكم فيها على أساس أنها مناطق تقع في المنطقة (ج) التي تسيطر عليها "إسرائيل" أمنياً ومدنياً، وبذلك فهي تمنع أي توسع فلسطيني تجاه هذه المناطق مما يدفع السكان الفلسطينيين إلى التوسع في هذه المناطق من خلال بناء بعض المنازل دون الحصول على التراخيص اللازمة بسبب رفض سلطات الاحتلال إعطاء مثل هذه التراخيص، وهذه المنازل في الغالب تقابل بالهدم من قبل سلطات الاحتلال، وعلى الجانب الآخر نجد أنّ المستوطنات "الإسرائيلية" القريبة تمارس فيها أيضاً عمليات بناء غير مرخص، وإنْ كان في نطاق محدود إلا أنّه يتم التغلب عليها من خلال تعديل الخطط ومنح رخص بناء بأثر رجعي، ولا يتم فيها اللجوء إلى سياسة الهدم التي تمارس ضد السكان الفلسطينيين.

 

هذا فيما يتعلق بمجال التخطيط والبناء، أما على مستوى المجالات الأخرى فنجد أن مصادرة الأراضي قد أضرت بالقطاع الزراعي ضرراً مباشراً، حيث قلصت المصادرات مساحة الأراضي الزراعية وأصبح القطاع الزراعي في المنطقة قطاعاً هزيلاً. وتكاد منطقتي أبو ديس والعيزرية تفتقر لأي نوع من أنواع الزراعة رغم خصوبة التربة في هذه المناطق. أما في المجال الصناعي فقد أقامت سلطات الاحتلال منطقة صناعية ضخمة في المنطقة تسمى "ميشور أدوميم"، في حين حرمت التجمعات السكانية الفلسطينية من إقامة منطقة صناعية مماثلة، مما اضطر السكان العرب إلى إقامة مصانعهم وورشهم داخل التجمعات السكانية على الرغم مما لذلك من آثار سلبية على البيئة والقدرة على التطور.

 

هذه الأوضاع الصعبة التي تعيشها القطاعات الاقتصادية في المحيط العربي، سواء في قطاع البناء والتشييد أم في قطاعي الزراعة والصناعة، انعكس بصورة سلبية على قضية العمالة والتشغيل في الوسط العربي، حيث اتجهت معظم القوى العاملة الفلسطينية في المنطقة إلى العمل داخل الخط الأخضر وفي المستوطنات المحيطة وفي مدينة القدس، ولا يخفى على أحدٍ مدى تذبذب سوق العمل في "إسرائيل" خاصة عندما تربطه سلطات الاحتلال بالأوضاع الأمنية السائدة.

 

إن تأثير هذا التجمع الاستيطاني الخطير لا يقتصر على المنطقة العربية المحيطة فقط من حيث مصادرة أراضي القرى العربية المجاورة وضرب اقتصادها وإمكانية تطورها، بل يتعدى ذلك، خاصة إذا ما تم تنفيذ المخطط "الإسرائيلي" بالضم بحيث يشمل تأثيره الأراضي الفلسطينية برمتها، وذلك من خلال الآتي:

 

-      أنّ هذا المخطط سيزيد من عزل مدينة القدس بحدودها البلدية عن باقي أجزاء الضفة الغربية الذي سيؤدي بدوره إلى تراجع دور المدينة الاقتصادي والإداري في الضفة الغربية، وسيطلق يد "إسرائيل" لممارسة المزيد من سياسة التهويد داخل المدينة وتفريغها من سكانها العرب.
-      إن سيطرة "إسرائيل" على هذا التجمع الاستيطاني، الذي يقع في منطقة تعتبر من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية، سوف يجعل "إسرائيل" متحكمة في كيفية التواصل الإقليمي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ومن ثم بين جنوب الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

نموذج "معاليه أدوميم" جزء من سياسة عامة

لا يخفى على أحد حجم الأطماع "الإسرائيلية" في مدينة القدس ومحيطها الفلسطيني، لذلك فهي تقود حملة محمومة من أجل تغيير الواقع الجيوسياسي بما يخدم تصوراتها ومصالحها في المنطقة، فهي تعتبر الزيادة السكانية العربية في مدينة القدس معضلة سياسية أمام مخطط رسم حدود ما يسمى بالقدس الكبرى التي تطمح إلى ترسيخها على أرض الواقع. فبعد أن تم نشر دراسات معهد القدس لأبحاث "إسرائيل" في مطلع العام 1992 تبين بأن الفلسطينيين أخذوا بالتزايد وأن نسبتهم بلغت 35% من المجموع العام للسكان، بعد أن كانوا يمثلون فقط نسبة 25% في عام 1967، وإذ على الرغم من جميع الجهود "الإسرائيلية" لطرد السكان العرب خارج حدود البلدية إلا أن نسبتهم زادت في السنوات الأخيرة، ونتيجة لذلك فقد قامت عدة جهات "إسرائيلية" متمثلة بوزارتي الداخلية والبناء والإسكان وبلدية القدس ودائرة أراضي "إسرائيل" بإعداد خطة رئيسية لمتروبولتيان القدس (2001) جرى إعدادها في شهر شباط 1993 وكان من أهم أهدافها:

 

-      الحفاظ على طريق حرة ومفتوحة للسكان (اليهود) وحرية حركة التجارة والاستثمار.
-      تعزيز وإسناد  مكانة القدس الخاصة كعاصمة موحدة لـ"إسرائيل".
-      خلق تواصل واضح للسكان اليهود، ومنع تكون جيوب سكانية متداخلة قدر الإمكان، وتقليص التقارب والاحتكاك مع العرب.
-      وصل التجمعات الاستيطانية المحيطة، "معاليه أدوميم"، "جفعات زئيف"، "غوش عتسيون"، "بيتار" بمدينة القدس من خلال إيجاد تواصل مع السكان اليهود في محافظة القدس[6].

 

حجم الاستيطان في المنطقة

يرجع الوجود الاستيطاني في منطقة "معاليه أدوميم"، كما سبقت الإشارة، إلى منتصف الثمانينات حين تم وضع كرافانيْن اثنين كنواة أولى لمستوطنة "معاليه أدوميم" في نقطة تبعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود البلدية لمدينة القدس، ثم تلا ذلك مباشرة إنشاء المنطقة الصناعية "ميشور أدوميم"، وفي عام 1979 تم إنشاء مستوطنة "كفار أدوميم"، وفي عام 1983 تم إنشاء مستوطنة "علمون"، أما في عام 1990 فقد أقيمت مستوطنة "ألون" (عناتوت)، وفي نهاية التسعينات أقيمت مستوطنة "نفي برات"، وأخيراً أقرت الحكومة "الإسرائيلية" مخطط (E1) الواصل بين مستوطنة "معاليه أدوميم" ومدينة القدس.

 

اسم المستوطنة الأراضي المقامة عليها المساحة بالدونم المساحة المبنية عدد المساكن عدد السكان النوع "معاليه أدوميم" العيزرية-أبو ديس 53000 6120 10000 29000 مدينة "ميشور أدوميم" العيسوية الطور 4100 3112 - - صناعية "كفار أدوميم" عناتا 0934 784 - 2006 مدينة "علمون" عناتا 1541 751 833 739 مدينة "ألون" عناتا 0845 347 100 550 مدينة "كدار" أبو ديس 0475 053 160 700 مدينة "نفي برات" حزما-بيت حنينا 0751 - 400 - - المجموع   61646 11167 11493 32995 -

جدول يوضح حجم الوجود الاستيطاني في منطقة الخان الأحمر (معاليه أدوميم)[7].

 

يلاحظ، من خلال الأرقام الواردة في الجدول السابق، أنّ عدد المستوطنات الموجودة في المنطقة هي سبع مستوطنات، وإذا أضيف إليها مخطط (E1) يرتفع العدد إلى ثمانية بمساحة قدرها 62 ألف دونم، تحتل مستوطنة "معاليه أدوميم" الجزء الأكبر منه. ومع أن مساحة المنطقة أقل قليلاً من مساحة مدينة "القدس الشرقية" التي يقطنها نحو 380 ألف نسمة (200 ألف فلسطيني و180 ألف مستوطن يهودي) إلا أن عدد المستوطنين في تجمع "معاليه أدوميم" لا يتجاوز 33 ألف مستوطن، ورغم هذه المساحة الكبيرة التي يسيطر عليها التجمع إلا أنّ الجزء المستغل منها (11167 دونم) يمثّل فقط 18% من المساحة الإجمالية، والمساحة المتبقية تمثّل رصيداً للتوسع المستقبلي نظراً للخطط التوسعية التي تعدها الحكومة "الإسرائيلية" في المنطقة.

 

وبالنظر إلى نوعية الاستيطان في المنطقة نجد أنّ معظم المستوطنات هي مستوطنات مدنية، ويقطنها مستوطنون يعملون في حرف مدنية، والجزء الأكبر منهم يعمل في مدينة القدس ومحيطها داخل "إسرائيل"، أما المنطقة الصناعية "ميشور أدوميم" فهي من أكبر المناطق الصناعية في منطقة القدس نظراً للمساحة الكبيرة التي تشغلها وعدد المصانع الموجودة فيها.

 

أما المنطقة التي يطلق عليها (E1)، فقد صدر بتاريخ 28/2/1997 إعلانٌ من الإدارة المدنية "الإسرائيلية" في الضفة الغربية حول الخطة الهيكلية لمستوطنة "معاليه أدوميم" وُقِّع من وزير الحرب "الإسرائيلي" الأسبق إسحاق مردخاي (صاحب الصلاحية) ينص على إيداع الخطة (E-1) بمساحة قدرها 12443 دونماً التي تحمل الرقم 420/4 لتشكل تواصلاً إقليمياً يهودياً في المنطقة لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بمدينة القدس، وذلك ضمن مخطط أشمل يمتد من مستوطنة "جفعات زئيف" غرباً حتى مشارف البحر الميت شرقاً، وذلك بواسطة امتدادٍ أرضي وطرق التفافية. وفي اجتماعها الأسبوعي يوم 13/3/2005 أقرت الحكومة "الإسرائيلية" برئاسة شارون مخطط بدء البناء في المشروع وهو ما صادق عليه وزير الحرب شاؤول موفاز. والمخطط المصادق عليه يتضمن خطة لبناء 1250 وحدة سكنية وإقامة مقر لواء "شاى" للشرطة، ومخطط لبناء 2250 وحدة سكنية أخرى، إضافة إلى 150 وحدة سكنية مستقلة كنزل لكبار السن[8].

 

وجدير بالذكر أنّ الفلسطينيين أصحاب الأراضي المصادرة لصالح المشروع والواقعة ضمن أراضي خمس قرى فلسطينية هي، العيسوية، عناتا، الطور، أبو ديس والعيزرية، تقدموا باعتراضات ضد المخططات الهيكلية، غير أنّ هذه الاعتراضات تم رفضها. وبالمصادقة على الخارطة الهيكلية (E-1) فإنه يمكن القول إنها أصبحت تشكّل خطراً شديداً محدقاً بالواقع العربي في المنطقة، لكونها تخلق تواصلاً جغرافياً ما بين "معاليه أدوميم" ومدينة القدس خاصة من الجهة الشمالية الشرقية حيث مستوطنتي "بسجات زئيف" و"النبي يعقوب" مما يؤدي إلى منع أي تواصل جغرافي فلسطيني-فلسطيني أو تطور سكاني وإسكاني في المنطقة، يضاف إلى ذلك استكمال شارع الأنفاق تحت جبل الزيتون وشارع الطوق اللذان يهدفان بدورهما إلى إحكام التواصل بين المناطق اليهودية الواقعة شرق القدس والمناطق الواقعة جنوبها ثم ربط المنطقتين بشارع رقم 45 الذي يصل مدينة القدس (العاصمة) بمدينة تل أبيب المدينة الأكبر في "إسرائيل". كما أن الهدف الأكبر والأكثر خطورة الذي تسعى الحكومة "الإسرائيلية" إلى تحقيقه، فهو السيطرة على محاور الطرق التي تصل ما بين شمال الضفة الغربية وجنوبها[9].

 

الجدار الفاصل وتأثيراته

تعتبر عملية بناء الجدار الفاصل حول مدينة القدس والمناطق المحيطة، من وجهة نظر المراقبين، خطوة خطيرة على طريق ضم مناطق فلسطينية إلى "إسرائيل"، وفي إطار موضوعنا هنا عن "التجمع الاستيطاني معاليه أدوميم" الذي احتواه الجدار إلى غربه، نجد أنّ مسار الجدار في هذه المنطقة كان الأكثر تغييراً منذ إعلان "إسرائيل" عن عزمها إنشاء الجدار في الضفة الغربية، فقد تمّ الإعلان عن مسار الجدار في هذه المنطقة للمرة الأولى في 30/6/2004 حيث بلغ طول الجدار حول "معاليه أدوميم" 33 كم. وفي اجتماعها الأسبوعي يوم الأحد 10/7/2005 أقرت الحكومة "الإسرائيلية" مسار الجدار في منطقة "معاليه أدوميم" بشكله النهائي، بحيث يمتد بعمق 18 كم داخل أراضي الضفة الغربية مستثنياً أبو ديس والعيزرية ليضم بالإضافة إلى مستوطنة "معاليه أدوميم" سبعة مستوطنات أخرى (الواردة في الجدول السابق) بمساحة تقدر بنحو 62كم2[10].

 

وفي الوقت الذي تسعى فيه "إسرائيل" كل يوم إلى مصادرة المزيد من الأراضي من الفلسطينيين تستمر كذلك بسرد الأكاذيب ونشر معلومات تضليلية خاصة فيما يتعلق بالمساحة المصادرة لما يسمى بالأغراض العسكرية، ففي حين أنّ الأوامر العسكرية الأربعة الصادرة لمصادرة أراضي لخط مسار الجدار حول تجمع "معاليه أدوميم" قد أفادت بأن مساحة الأراضي المصادرة تبلغ 1585 دونماً، إلا أن وحدة المعلومات الجغرافية في معهد الأبحاث التطبيقية (أريج)، وهو معهد متخصص في أبحاث الأراضي والمسوحات، أفادت بأنّ المساحة الفعلية للأراضي المصادرة، وبحسب الخرائط "الإسرائيلية" المرفقة للأوامر العسكرية الأربعة، بلغت 1800 دونم، وهذا دليل على زيف المعلومات التي تبثها "إسرائيل" إلى العالم حول أنشطتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية[11].

 

"معاليه أدوميم" على طريق الضم

على مدى السنوات القليلة الماضية لم تأت مناسبة يتم الحديث فيها عن "معاليه أدوميم" من قِبَل معظم المسؤولين "الإسرائيليين" إلا كان مضمون الحديث يتركز حول وجوب ضم المستوطنة ومحيطها إلى مدينة القدس، وأنّ المنطقة تمثّل رصيداً استراتيجياً للمدينة، سواءً كان هؤلاء المسؤولين من الحكومة أم من الكنيست أم من الأجهزة الأمنية، ولكن الأخطر من ذلك أنّ عملية الضم من الناحية الواقعية تتم بشكلٍ تدريجي على الأرض من خلال سن القوانين والإجراءات المتّبعة في التعامل مع المستوطنين والمستوطنات من قِبَل المؤسسات "الإسرائيلية"، وذلك من خلال الآتي:

إنّ جميع الهيئات الحكومية التي تتولى إدارة الأمور في "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية المحتلة، كالحكومة والكنيست والسلطات العسكرية، وبدعمٍ من محكمة العدل العليا، عملت على إيجاد نوعٍ من الفصل ونوع من الخصوصية للوجود اليهودي في الأراضي الفلسطينية سواء الشخصي منه أم الإقليمي، من خلال سنّ مجموعة من القوانين والإجراءات التي تؤكد هذه الخصوصية. فعلى المستوى الشخصي جعلت كل "إسرائيلي" وكل يهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أينما وُجِد خاضعاً للقانون المدني "الإسرائيلي" وليس القانون العسكري الذي يطبّق هناك، وقد جاءت اتفاقات "أوسلو" لتؤكد ذلك من خلال حرمان السلطة الفلسطينية من أي صلاحية للتعامل مع المدنيين "الإسرائيليين" (المستوطنين وغيرهم) في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك "الإسرائيليين" الذي يدخلون أراضي خاضعة لولاية السلطة الفلسطينية. أما على الصعيد الإقليمي فقد جعلت القوانين المؤسسات "الإسرائيلية" المسؤولة عن المستوطنات كجزرٍ داخل المناطق الفلسطينية تدير شؤونها بذاتها بناءً على القانون "الإسرائيلي" المدني، وبعيداً عن القانون العسكري الذي يطبق على التجمعات الفلسطينية.

 

وتذهب منظمة "بتسيلم" لحقوق الإنسان إلى أبعد من ذلك حين تقول إنّ هذه التركيبة المعقدة من القوانين والأنظمة والأوامر التي أصدرتها السلطات العسكرية والمدنية فيما يتعلق بالمستوطنين في الأراضي الفلسطينية تشكّل صورةً مبسطة للضم، فحياة المستوطنين في أغلب الأحيان هي حياة "الإسرائيليين" الذين يعيشون داخل "إسرائيل" نفسها، إذ يحق للمستوطن انتخاب المجلس المحلي أو الإقليمي ويحق له التصويت في انتخابات الكنيست ويستفيد من جميع الامتيازات والحقوق الاجتماعية التي يتلقاها أي "مواطن" في "إسرائيل"[12].

 

هذا الضم التدريجي لمنطقة مثل "معاليه أدوميم"، الذي كان آخر صوره إقرار البدء في بناء الجدار الفاصل حول هذه المنطقة، دون أن يكون هناك قرار سياسي صريح بالضم، كما حدث بالنسبة للقدس ومرتفعات الجولان، يوفّر على "إسرائيل" لوم وانتقاد المجتمع الدولي بادّعائها أنها تحافظ على الحكم العسكري كما يتطلب القانون الدولي، كما أن هذا الإجراء يساعد "إسرائيل" على التهرّب من إخضاع جميع سكان الأراضي المحتلة للقوانين نفسها، بل يمكّنها من أنْ تظل تغدق الخدمات والمخصصات المالية على المستوطنين، في الوقت الذي تمضي في فرض الحكم العسكري الصارم على الفلسطينيين.

 

الخلاصة والاستنتاجات

-      من أجل أن تحقق "إسرائيل" أهدافها طويلة الأمد في الأراضي الفلسطينية ابتداءً من إحكام السيطرة واستثمار الموارد، وانتهاءً بتوفير إمكانية ضم أراض فلسطينية إلى الجسم "الإسرائيلي"، فقد أنشأت "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة نظام تمييز وفصل عنصري من خلال تطبيق نظامين قانونيين منفصلين في نفس الوقت، معتبرة أنّ حق المواطن يكمن في قوميته، وبالتالي فإنّ هذا النظام يعبر عن تفرقة عنصرية واضحة ضد الفلسطينيين في شتى المجالات بدءاً بالوسائل التي تستخدمها "إسرائيل" للاستيلاء على الأراضي التي تقيم عليها المستوطنات، ومروراً بمؤسسات التخطيط وتطبيق القانون المدني "الإسرائيلي" على المستوطنين والمستوطنات مع بقاء الفلسطينيين خاضعين للتشريعات والقوانين العسكرية الصارمة.

 

-      بدأت "إسرائيل" منذ منتصف تسعينات القرن الماضي بترويج مخططاتها في أوساط الجمهور "الإسرائيلي" بأنها لابد أن تقتطع أجزاء من أراضي الضفة الغربية وتضمها إلى "إسرائيل" لضرورات أمنية واستراتيجية، وذهب معظم الساسة "الإسرائيليين"، في أكثر من مناسبة، إلى التأكيد على أنّ منطقة "معاليه أدوميم" تمثل أهمية استراتيجية لأمن القدس ومستقبلها، دون الاكتراث بما يعكسه أي إجراء لضم هذه المنطقة على مستقبل مدينة القدس  كعاصمة للكيان الفلسطيني وعلى مستقبل الأراضي الفلسطينية.

 

إن موقع المستوطنة أو التجمع الاستيطاني، وليس حجمه، هو الذي يحدد حجم الأطماع "الإسرائيلية" في هذه المستوطنة أو ذاك التجمع، فتجمع "معاليه أدوميم" لا تتجاوز مساحته 1% من مساحة الضفة الغربية إلا أنّ أهميته الاستراتيجية وارتباطه بمدينة القدس وموقعه في الخاصرة الفلسطينية الواقعة بين البحر الميت ومدينة القدس، جعل تأثيراته تتجاوز المنطقة التي يقع فيها لتطال جميع الأراضي الفلسطينية، فهو يتحكم بعملية التواصل بين شمال وجنوب الضفة الغربية سواءً من خلال سيطرته على الطريق المحاذي لمدينة القدس والذي يصل مدينة رام الله بمدينة بيت لحم، أو من خلال سيطرته على طريق وادي النار الذي يمر إلى الشرق من منطقة القدس واصلاً شمال الضفة بجنوبها، وهو ما يؤثر تأثيراً مباشراً على انسيابيّة حركة الأشخاص والبضائع في المنطقة، والذي بدوره سينعكس على شكل الدولة الفلسطينية العتيدة ومضمونها في المستقبل.

 

إضغط لتكبير الخارطة

خريطة توضّح منطقة "معاليه أدوميم" حسب مخطّط الجدار الفاصل (2005).

 

الهوامش:

[1] كتاب القدس الإحصائي (رقم7)، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني- حزيران 2005.
[2] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2005 كتاب القدس الإحصائي السنوي رقم 7– رام الله– فلسطين.
[3] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
[4] التهام الأراضي-السياسة "الإسرائيلية" الاستيطانية في الضفة الغربية- منظمة "بتسيلم"- مايو 2002.
[5] بتسيلم 2002.
[6] الاستيطان الجغرافي والديموغرافي وأخطاره على قضية القدس- جمعية الدراسات العربية- القدس.
[7] الأرقام الواردة في الجدول من عمل الباحث معتمد على مجموعة مصادر.
[8] "يديعوت" 21/3/2005.
[9] جمعية الدراسات العربية- دائرة الخرائط والمساحة- التوسعات الاستيطانية 1999.
[10] "هآرتس"، 11/7/2005.
[11] الاستيطان الحغرافي والديمغرافي وأخطاره في قضية القدس– جمعية الدراسات العربية.
[12] "بتسيلم"، 2002.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »