عبد القادر محاصرٌ في القسطل

تاريخ الإضافة الأربعاء 7 تشرين الثاني 2007 - 3:46 م    عدد الزيارات 13986    التعليقات 0

        

أصبح عبد القادر في حكم المفقود أو المحاصر داخل القرية. فأصيب المقاتلون بالإحباط، فهم لا يستطيعون إعادة الكرّة في النهار والهجوم عالشهيد عبد القادر الحسينيّلى القرية من جديد، وذخائرهم قليلة. وأخيراً قرّروا أنْ يرسلوا في طلب نجداتٍ من كلّ مكان لإنقاذ عبد القادر المحاصر داخل القسطل. فتوجّهت الرسل على جناح السرعة إلى القدس ورام الله والخليل والرملة وجميع القرى القريبة، تستنهض همم المقاتلين. فسارعت النجدات في التوجّه إلى القسطل.. وأصبح مجموع المناضلين يزيد على خمسمائة رجل.

 

 

حركتي إلى القسطل

في صباح الخميس 8 نيسان/أبريل 1948 جاء من يستصرخني لنجدة القائد عبد القادر الحسينيّ (المحاصر في القسطل) فهالني الأمر وتحرّكت بسرعة، فأصدرت إلى قواتي في المصرارة وسعد وسعيد أمراً باتّخاذ أعلى درجات الاستعداد وعدم مغادرة موقعهم تحت أيّ ظرف. كما أصدرت أمراً إلى قواتي في حيّ باب الساهرة بالتجمّع، وانتخبت منهم نحو 30 رجلاً من خيرة المقاتلين، وأعددت من السلاح رشاشيْن براوننغ وأربعة رشاشات برن لتحملها القوات المتحرّكة من مجموعة باب الساهرة ومجموعة المصرارة. وقبل أنْ نتحرّك حضر إليّ الدكتور مهدي الحسينيّ وزوجته وممرّض يعمل في عيادته، وثلاثتهم بالألبسة البيضاء يحملون أدوات الإسعاف وشارة الهلال الأحمر، وطلبوا منّي أنْ يرافقونا إلى القسطل، فأكبرت ذلك ووافقت بكلّ سرور.

 

ركبت وقواتي في المصفّحة اليهوديّة التي أخذتها من كامل عريقات وفي سيّارة شحنٍ كبيرة... وواصلنا السير إلى بيت سوريك القريبة جدّاً من قرية القسطل. ولكنّ الطريق منها إلى القسطل وطولها كيلومتر ونصف كيلومتر تقريباً لا تصلح للسيّارات. ترجّلنا من السيّارات واجتمع من حولنا عددٌ من سكّان القرية، وما كانوا يعرفون أنّنا ننوي التقدّم إلى القسطل حتّى جاء رجلٌ يصيح ويستصرخ الرجال لنجدة النبي صموئيل التي قال إنّ اليهود هاجموها بعد أنْ هاجموا قرية بيت أكسا.

 

وترجّلنا من السيّارات وبدأنا بالتقدّم إلى القسطل بالرغم من تحذير أهالي بيت سوريك لنا بشدّة خوفاً علينا من المواقع اليهوديّة المسيطرة على طريق تقدّمنا التي تحمي مؤخّرة اليهود في القسطل، فلم أعبأ بذلك. وتقدّمنا بانتظام معتمدين على كثافة نيراننا. ونجحت الخطّة، فقد كان قدومنا من شمال القسطل بهذه النيران الكثيفة مفاجئة للعدو، حيث مئات المناضلين في الوقت نفسه كانوا يهاجمون القسطل في الجنوب، ونحن من الشمال ونضرب مستعمرة "موتسا" ومستعمرة "الدلب"، ونقطع إمدادات اليهود من الشرق والغرب. فتملّكهم الرعب وتركوا مواقعهم في القمّة منسحبين إلى الغرب من خلال حرجٍ مكشوف لنيراننا، فأصليناهم ناراً حامية وسقط منهم العديد من القتلى، ودخلنا القسطل من الشمال الغربيّ، أي من ناحية الحرج، وشاهدنا أعداداً كبيرة من القتلى. وفي احد المواقع كالشهيد عبد القادر يتوسّط اثنين من رفاقه المناضلينانت هناك 11 جثّة متقاربة وجريح واحد أسرع الدكتور مهدي والممرّض لإسعافه، لكنّه لم يلبثْ أن فارق الحياة. ووصلنا إلى القمّة حيث التقينا المناضلين القادمين من الجنوب، والتقيت صديقي محمد عادل النجار ورجاله من مناضلي حيّ وادي الجوز، وتملّكتنا فرحة عارمة، فالقسطل عادت لنا وخسائرنا قليلة وجثث الأعداء متناثرة هنا وهناك.

 

عبد القادر الحسينيّ شهيداً

لكن فرحتنا لم تدمْ طويلاً، إذ جاء من يخبرنا أنّ عبد القادر وُجِد شهيداً في الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من القرية أمام بيتٍ لا يبعد عن بيت المختار أكثر من 100 متر. ووقع عليّ الخبر وقْع الصاعقة، فجلست على الأرض حزيناً وطلبت من رجالي ألا يذهبوا ويشاهدوا جثّة قائدهم حرصاً على روحهم المعنويّة وأنْ يبقوا متجمّعين حولي. وبقيت في مكاني جالساً على الأرض وبجانبي محمد عادل النجار، وقد غمرني الحزن والأسى الشديدان وتراءت لي صورة المستقبل شديد الظلام. فخسارتنا مضاعفة بهذا البطل المغوار الذي أمضى حياته مجاهداً باسلاً مطارداً، وختم حياته مستشهداً ببطولةٍ وشهامة في سبيل الحفاظ على أرض الوطن المقدّس. خسارتنا في شخصه عظيمة، وخسارتنا في دوره النضاليّ القياديّ فادحة، فقد كان القطب الذي يلتقي عند قيادته مناضلو جيش الجهاد المقدّس ومناضلو فلسطين بشكلٍ عام. رحمك الله أيّها البطل، فخسارتنا فيك لا تعوّض، لقد بكينا فلسطين حين بكيناك في القسطل. قلتها لي يوماً: (فليمرّوا على أجسادنا). وها أنت تفي بنذرك. فلم يمرّوا القسطل إلى على جسدك...

 

 

 

* بهجت عليان عبد العزيز عليان أبو غربية: مواليد بلدة خان يونس عام 1916، وينتمي إلى عائلة عريقة من مدينة الخليل، أمضى معظم حياته في القدس. يلقب بشيخ المناضلين الفلسطينيين، حيث اشترك في جميع مراحل النضال الفلسطيني المسلح، خصوصاً ثورة (1936-1939) وحرب (1947-1949)، حيث كان أحد قادة جيش الجهاد المقدس وخاض معارك كثيرة منها معركة القسطل التي استشهد فيها القائد عبد القادر الحسيني، كما جُرح عدة مرات، ودخل السجون والمعتقلات.

شارك بدورٍ أساسي في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية مع الرئيس أحمد الشقيري، كما شارك بدور أساسي أيضاً في تأسيس جيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية. انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة ثلاث مرت قبل أن يتخلى عن عضوية اللجنة التنفيذية، وكان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1964 حتى عام 1991، حين استقال احتجاجاً على قبول المنظمة بقرار مجلس الأمن رقم 242 والاعتراف بدولة العدو.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »