عام الجراد..... مذكرات جندي مقدسي في الحرب العظمى

تاريخ الإضافة الأحد 26 تشرين الأول 2008 - 5:08 م    عدد الزيارات 15082    التعليقات 0

        

إحسان الترجمان في لباس العسكريّة العثمانيّة- القدس 1915. المصدر: مجموعة صالح الترجمان.جنديان في الجيش العثماني النظامي أتيا من الأطراف العربية لأقاليم الدولة: الملازم ثاني محمد الفصيح, الذي ولد ونشأ في مرسين -سنجق الإسكندرون-, والعسكري إحسان الترجمان, الذي ولد ومات في البلدة القديمة من القدس، تتجلى في حياتهما مظاهر التحول الكبير الذي أحدثته الحرب العظمى في مصير وهوية رعاياها: الانغماس في سياسات الجمهورية التركية الأتاتوركية عند الأول، والانحياز للقومية العربية عند الثاني.

 

المصير الذي جمع بين الفصيح والترجمان هو أنّ كليهما دوّن. بأمانة ودقة، يوميات الحرب كما شاهداها، وبذلك نقلا للأجيال اللاحقة سجلاً غنياً لتحول الخطاب القومي الذي فصم عري هذه الإمبراطورية المتعددة الإثنيات والقوميات.

 

ولد الفصيح والترجمان في العام ١٨٩3 نفسه(1)، وتجنّدا في تموز ١٩١4. عند إعلان النفير العام وانضمام تركيا إلى دول المحور المركزي (ألمانيا والنمسا) ضد الحلفاء الروس والإنجليز. انحدر الاثنان من الشرائح الوسطى والتجارية. والد الفصيح كان موظفاً كبيراً في الجمارك، بينما كان حسن الترجمان، والد إحسان، تاجراً في البلدة القديمة وصاحب أطيان داخل البلدة وخارجها(2).

 

لا شك أنّه من الظواهر الفريدة أنْ يدوّن جنديان عاديان من الجيش النظاميّ مفكرة يومية لتجربتهما العسكرية في بلاد كانت تسود فيها الأمية. ولا شكّ أنّ بقاء هاتين المفكرتين، ونجاتهما من التلف والتدمير، ووصولهما إلينا بعد مائة عام من تدوينهما، يعتبر شبه معجزة، لما يحتويانهما من الأسرار الدفينة والآراء الحميمة. وتقع أهمية هذه المذكرات في أنها سجلّ لتأثير الحرب العظمى على مجتمعنا، وعلى التحول الذهني الذي أصابه، وعلى الصدمة النفسية التي خاضها المدنيون والعسكريون في لحظة حدوثها.

 

مولد إحسان الترجمان في سجلّ النفوس العثمانيّة- القدس.بعكس الترجمان، الذي أمضى سنوات الحرب "وأنا ألعب بشواربي" حسب قوله، ثم استعان بعلاقاته الاجتماعية ليتهرّب من الخدمة في جبهة السويس، كان محمد الفصيح جندياً مثالياً ومقاتلاً عنيداً، تلقّى أوسمة عديدة مكافأة على استبساله في معارك جناق قلعة في بداية الحرب، ثم في جبهات القتال في غزة وبير السبع عند نهاية الحرب. ولم يتردّد الفصيح في التعبير عن استعداده للتضحية بحياته في سبيل السلطان والأمة العثمانية. وتظهر مذكرات الجنديين أنّ القيادة العثمانية نجحت، على الأقل في سنوات الحرب الأولى، في استقطاب الولاء من قبل مواطنيها العرب والأتراك معاً لصالح مستقبل مشترك في دولة متعددة القوميات.

 

ومن المفارقة أنّ خلفية هذين الجنديين تعكس تعقيد التركيب الإثني للإمبراطورية بشكلٍ يصعب تصوّره اليوم. فعائلة الترجمان -حسب بعض الروايات- كانت عائلة معرّبة من أصل تركي، جاءت إلى فلسطين من منطقة حلب، بينما كانت عائلة الفصيح من أصول عربية مختلطة. وعلى الرغم من أن الفصيح كتب مذكراته بالتركية العثمانية، إلا أنّ نصوصه مليئة بالاستعمال العربي السائد في تلك الفترة(3). فعندما أراد أن يرفّه عن رفاقه القابعين، طوال أيام وشهور عصيبة، في خنادق جناق قلعة، فقد غنى لهم أغاني شعبية دمشقية بمصاحبة رفيقه المرسيني المدعو أجاتي(4). وكانت مرسين في تلك الفترة مدينة مختلطة من عرب وأتراك في سنجق الإسكندرون. ويبدو أنّ والد الفصيح كان عربياً بينما كانت أمه تركية، ذلك أنه انتقل إلى السكن معها في استنبول عندما توفّي والده. وفي عام ١٩٣٤ اضطر الفصيح إلى تغيير اسمه إلى محمد قيابالي تمشياً مع تعليمات تتريك الأسماء التي أصدرتها الجمهورية التركية حينذاك(5). وفي كل الأحوال فإنّ الغموض الذي يحيط بخلفية الفصيح الإثنية، والالتباس الذي يظهره الترجمان في هويته المقدسية، يشكّلان علامات فارقة في طبيعة الانتماءات العثمانية في الأطراف العربية للدولة.

 

في خدمة القائد علي روشن بيك:

ولد إحسان حسن الصالح الترجمان ونشأ في باحة الحرم المقدسي الشريف عام ١٨٩٣، وتجند في الجيش النظامي العثماني في تشرين الثاني عام ١٩١٤. وعند إعلان النفير العام كان عمره ٢١ سنة. كانت بداية خدمته العسكرية في الظاهرية قضاء الخليل، ثم إلى نابلس، إلى أنْ استطاع أن يستعمل اتصالات أبيه وأخواله آل الخالدي لنقله إلى أركان القيادة العسكرية في القدس. وهناك استطاع أنْ يلتزم بالدوام الوظيفي اليومي في القيادة، وأن ينام بعد ساعات العمل في بيت العائلة قرب باب السلسلة داخل ساحة الحرم.

 

في بداية عام ١٩١٥ بدأ إحسان في تدوين أفكاره ونشاطاته اليومية للتنفيس عن ضجره من بؤس الحياة العسكرية(6). وقد فعل ذلك تماثلاً مع أمثولة معلّمه خليل أفندي السكاكيني مدير الكلية الدستورية (المعروفة لاحقاً بالوطنية) الذي بدأ بتدوين يومياته عام ١٩٠٦، وكان قد اعتاد على قراءة شذرات من هذه المفكرة على أصدقائه المقربين.

 

عرفت عائلة الترجمان باسم آل الصالح في سجلات المحاكم الشرعية. وهي عائلة مقدسية معروفة، قدّمت عدة أجيال من المترجمين من التركية إلى العربية للمحاكم الشرعية وسلك موظفي الدولة. ونتيجة لهذا التخصّص عرف آل الصالح بدار الترجمان(7). ومن أجداد إحسان المعروفين قاسم بيك الترجمان، الذي أوقف سبيل الترجمان باسمه بالقرب من باب السلسلة عام ١٧٠١. كما امتلك ساحة بالقرب من باب العمود، وملكيات عديدة أخرى متناثرة في أنحاء البلدة القديمة(8). ومن أجداده أيضاً أحمد بيك الترجمان، الذي عاش في حارة الشرف، التي أصبحت تُعرَف لاحقاً بحارة اليهود. وهناك أوقف ساحة واسعة عرفت بساحة أحمد بيك(9).

 

اشتهر قاسم وأحمد بيك كمترجميْن في محاكم القدس مثل العديد من أبناء العائلة. أمّا والد إحسان، حسن بيك الصالح، فقد ورث بعض هذه العقارات من جده. وبما أنها في معظمها عقارات موقوفة، فقد وجد نفسه يعيل عائلة كبيرة دون أنْ تتوفّر له سيولة مادية. وهذا يفسّر شكوى ابنه إحسان المستمرة في يومياته هذه من ضيق ذات اليد.

 

عاشت العائلة في إحدى سكنات الحرم الشريف الملاصقة لباب السلسلة في بيت من ثلاث طوابق، يطلّ مباشرة على قبة الصخرة من ناحية، وعلى ساحة الحرم من ناحية أخرى.

 

وإلى جنوب المسكن تقع حارة المغاربة وحائط البراق. أمضى حسن بيك عقديْن من الزمن مع زوجته الأولى دون أنْ ينجب أولاداً، إلى أنْ أقنعته زوجته (حسب الرواية العائلية) باتخاذ زوجة ثانية هي نبيهة الخليلي من سلالة الشيخ على الخليلي، وهو من وجهاء القدس المعروفين، وأول من انتقل للسكن خارج السور في حي البقعة الجنوبي في بداية القرن التاسع عشر. أنجبت السيدة نبيهة ستة أطفال (ثلاثة أبناء وثلاث بنات) كان إحسان أكبرهم(10). إلا أنّ حسن بيك بقي مخلصاً لزوجته الأولى، صفية، واستمر في العيش معها في شقة خاصة في الطابق العلوي من منزل العائلة، إلى أن توفيت خلال الحرب.

 

نشأ إحسان في رعاية السيدة صفية، واعتبرها والدته الثانية. درس القرآن في كتاّب الحرم، ثم انتقل إلى المدرسة النظامية لمتابعة دراسته الابتدائية. وفي عام ١٩٠٩ انضم إلى المدرسة الدستورية التي أنشأها خليل السكاكيني بعد إعلان الدستور العثماني. وظلّ إحسان، إلى نهاية حياته، يعتبر السكاكيني معلمه وصديقه ورفيق دربه.

 

وعندما أعلنت الحكومة النفير العام في تشرين الأول من عام ١٩١٤ تجنّد إحسان، وعيّن في الخدمة العسكرية في الظاهرية ونابلس. وكان على وشك أنْ يرسل للقتال في جبهة السويس عندما نُقِل إلى أركان القدس الشريف تحت قيادة الأمباشي على روشن بيك.

 

كان روشن بيك ضابطاً ألبانياً ترقّى داخل أركان الجيش العثماني بسرعة، نتيجة ذكائه وقدراته التنظيمية والإدارية، إلى أنْ وصل إلى منصب قائمقام عسكري مسؤول عن لوجستيات الجبهة الجنوبية. وكان مقرّه في عمارة دير النوتردام دي فرانس مقابل باب الجديد، وهي عمارة فرنسية حديثة البناء تمت مصادرتها خلال الحرب(11). وبحكم منصبه الإداري كان روشن بيك أعلى سلطة عسكرية في فلسطين العثمانية، ويتبع مباشرة لرئاسة جمال باشا الكبير قائد الجيش الرابع في دمشق. وكان الأخير يزور القدس دورياً خلال الحرب، متخذاً من مبنى الأوغستا فكيتوريا النمساوي في جبل الطور مقراً له.

 

رسالة مشفّرة من القيادة العسكريّة إلى القائد علي روشن بيك- 1919. المصدر: من أرشيف المخابرات العسكريّة في أنقرة.عُرِف علي روشن بلقب "مفتش المنزل" وكانت مهامه تشمل: تعبئة الجنود في جميع إنحاء فلسطين، وتدريبهم للقتال في جبهة بير السبع وصحراء سيناء، والإدارة العامة للوجستيات الجيش من إطعام العسكر ونقل للذخائر والمعدات وإنشاء للمعسكرات في سوريا الجنوبية(12). وينسب عمر الصالح الانتصارات الأولى للجيش العثماني في معارك الجبهة المصرية إلى قدرات روشن بيك التنظيمية(13). ومن المعلومات القليلة المتوفرة عنه نعلم أنه قاتل في القدس حتى النهاية، وشوهد وهو يقود كتيبة في معركة النبي صموئيل الشهيرة. وبعد انتصار الجيش الإنكليزي بقيادة اللنبي انسحب روشن مع جنوده إلى قرية الجيب، ثم اختفت آثاره من فلسطين(14). ولم أستطعْ أنْ أجد أي إشارة إلى مصير روشن بيك في الأرشيف العسكري العثماني سوى أربع برقيات سرية (مشفرة) تشير إلى أنّه قاد حملة ضد مجموعات مسلحة متمردة في منطقة سيواس (شمال حلب) بالتنسيق مع القائد مصطفى كمال(15).

 

خدم إحسان الترجمان تحت قيادة روشن بيك بمنصب مساعد كاتب في قيادة المنزل العسكرية. وكانت وظيفته مقتصرة على مراجعة طلبات الإعفاء من الخدمة العسكرية، وتنظيم الملفات والأضابير داخل بيروقراطية الجيش. سمح له عمله هذا أنْ يطلع عن قرب، وأحياناً أنْ يشارك، في النقاشات السياسية اليومية الدائرة بين الضباط المتواجدين في فلسطين من أتراك وألبان وبلغار وسوريين، وفي أوساط الضباط الألمان والنمساويين لاحقاً. كما كان شاهد عيان على تردي المعنويات القتالية بين الجنود إثر الهزائم المتراكمة بعد عام ١٩١٥.

 

تنبع أهمية هذه اليوميات، التي دوّنها صاحبها على ضوء الشمعة ليلاً بعد انتهاء الدوام اليومي، في أنّها تعكس عالم جندي عادي ومواطن مقدسي في إحدى أهم لحظات التحول التاريخي في فلسطين؛ وهي نهاية أربعة قرون من الحكم العثماني، وبداية حقبة جديدة مجهولة الهوية حينذاك- عندما أوشك الجيش البريطاني الزاحف من غزة وبير السبع على الوصول إلى القدس، في الوقت الذي كان الأسطول الإنجليزي يقصف يافا وحيفا من البحر.

 

بالإمكان الجزم، دون مبالغة، بأنّ جميع السّيَر والمذكرات التي وصلتنا من هذه الفترة كانت من تأليف زعماء سياسيين (من أمثال عوني عبد الهادي، سجن القشلة العثماني في باب الخليل- القدس 1915. المصدر: أرشيف مكتبة الكونجرس في واشنطن: مجموعة إريك واديث ماتسون.محمد عزة دروزة، ورستم حيدر) أو قادة عسكريين (فوزي القاوقجي (أو رواد فكريين) خليل السكاكيني ونجاتي صدقي). بذا تنفرد يوميات الترجمان بأنها وحيدة زمانها. فهي مشاهدات عسكري بسيط ورؤيته الحميمية لمدينته المحاصرة، دونها بأمانة، ودون أنْ يتوخّى أن يراها أحد. بهذا تصبح هذه المذكرات سجلاً نادراً للأصوات الشعبية المهمشة -أصوات التابع- التي وصلتنا من الحقبة العثمانية. وما يزيد من أهمية هذه الشهادة أنّها تجمع بين عالمين انتقل بينهما الكاتب في حياته اليومية: عالم الدوائر العسكرية التي عمل بها في دوامه الوظيفي، وعالم الشارع المقدسي الذي كان يعود إليه في نهاية كل يوم. وهي تحوي سجلاً غنياً من الملاحظات والمشاهدات التي عاشتها فلسطين في عامي ١٩١٥ و١٩١٦: ظروف العوز التي خاضها فقراء المدن خلال الحرب، المصائب والمجاعات التي رافقت غزو الجراد، والحرمان الذي نتج عن مصادرة الجيش للمحاصيل والدواب ووسائل النقل.

 

المذكرات تحتويً جانباً آخر مستتراً، هو تفاصيل الحياة الخاصة التي تظهر نسيج الحياة
الاجتماعية في تلك الفترة: حب الكاتب لبنت الجيران، زياراته اليومية لمعلمه وزملائه، اشمئزازه من نمط الحياة المترفة التي كان يعيشها الضابط بينما الأهالي في جوع؛ محاولاته المستمرة والفاشلة للهروب من الخدمة العسكرية؛ دور الإشاعات في بث الذعر (وأحياناً الأمل) في حياة المدينة، تحقيقاته للوصول إلى هوية السارق الذي اعتدى على بيت أهله- وشعوره بالعار عندما اكتشف من هو الفاعل، خلافه مع والده وعائلته حول هذا الموضوع، وأخيراً الانهيار والتفكك الاجتماعي الذي صاحب المجاعة والأوبئة والنفي الجماعي لمدن فلسطين. استطاع العسكري إحسان أنْ يحافظ على عزته وانتمائه لمدينته وتفاؤله بمستقبل بلده دون أنْ يعلم أن بانتظاره رصاصة ضابط ستودي بحياته في لحظة انسحاب الجيش العثماني من القدس في نهاية عام ١٩١٧، ولم يكنْ قد بلغ عامه الخامس والعشرين بعد(16).

 

عالم إحسان مشبّع برائحة الحرب وببشائر الكارثة المقبلة. نشعر بذلك في مشاهد الجوع في المدينة، وفي اختفاء الأكل و(التبغ) من الحوانيت، وفي تدنّي دخل عائلته، وفي فقدانه الأمل في الزواج من حبيبته. وفي محنة إحسان نسمع صدى المقولة الواصفة للحرب العظمى "إنّ الوظيفة الأخلاقية للحرب كانت في استعادة البشر للحقيقة المهيمنة على وجودهم: إن العنف الكامن في طبيعتنا يتفجر برؤية التاريخ كسلسلة من المآسي"(17).

 

تربية العسكري إحسان

تميزّ عالم إحسان برؤيا علمانية معادية للحرب وكل ما تمثله. ومن المفارقة أنّ نشأته التقليدية في عائلة محافظة ومتدينة سمحت له -وربما حفزته- على أنْ يتبنّى نمطاً تفكيرياً منفتحاً وانعتاقياً. والغالب أنّ ذلك يعود، بدرجة كبيرة، إلى التعليم الذي تلقاه في صغره في مدارس القدس. نعلم من سجلات العائلة أنّ أباه، حسن بيك الصالح، أرسل أبناءه وبناته للتعلم في كتاتيب الحرم، قبل أنْ ينتقلوا للتعلم في مدارس علمانية(18). أمّا توجّهه المسالم والمعادي للحرب فلا شكّ أنّه نتج عن تعرضه وعائلته لكوارث الحرب من بدايتها، بما فيها فتك الأمراض المعدية التي انتشرت خلال الحرب العظمى. وقد اعتاد إحسان أن يدون أسبوعيا خبر وفاة صديق أو جار أو قريب بسبب أوبئة الحرب.

 

أمّا تفكير الترجمان التحرري فقد تكوّن، بتقديري، من خلال تفاعله مع نخبة من المثقفين الرائدين في هذه الفترة: عمر صالح البرغوثي، عادل جبر، موسى العلمي، خليل السكاكيني، إسعاف النشاشيبي، بالإضافة إلى ابن خالته حسن شكري الخالدي، الذي كان قد أنهى تدريبه الطبي في بيروت. في هذه المجموعة كان إحسان مستمعاً ومراقباً، لا يدلي بدلوه إلا نادراً، ربما بسبب صغر سنه. بالإضافة إلى هؤلاء المثقفين يجب إضافة اسم رستم حيدر، نائب رئيس الكلية الصلاحية في دمشق، الذي زار القدس في أكثر من مناسبة حيث التقاه الترجمان في بيت المعلم خليل، وأعجب به وبأفكاره الجريئة.

 

إلا أنّ الفضل الرئيسي في تربية الترجمان الفكرية يعود، بدون شك، إلى السكاكيني أستاذه في الكلية الدستورية التي أنشئت عام ١٩٠٩. كان إحسان يزور معلمه ورفيقه ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع خلال سنوات الحرب. وعنه أخذ فكرة تدوين تجاربه في يوميات. والأهم من ذلك أنه استوعب من السكاكيني موقفه النقدي اتجاه الفكر القومي الضيق، ورؤيته الانعتاقية بخصوص التعليم المنفتح للأطفال، وضرورة تحرير المرأة من "أغلالها الشرقية".

 

الأفكار المتداولة في حلقة رفاق الترجمان تشكّل تحدياً للرؤيا الخاطئة عن نهاية الحقبة العثمانية، وللمقولة السائدة التي ترى أن الحداثة العلمانية في المجتمع العربي و(التركي) كانت مقتصرة على مدارس الإرساليات التبشيرية (مثل السيمنار الروسي في الناصرة وبيت جالا، ومدارس الفرير في القدس ويافا، ومدرسة المطران في القدس). فالسكاكيني برفقة زملائه من أقطاب النهضة العربية، من أمثال المعلم نخلة زريق، استطاع أنْ يؤسس لنظامٍ تعليمي وطني واجه نظام الإرساليات المذهبي، لكنه التزم بالحداثة التربوية. أُنشئت الكلية الدستورية عام ١٩٠٩ (وعرفت لاحقاً بالكلية الوطنية) تماثلاً مع رياح الحرية والتغيير الآتية مع الحركة الدستورية العثمانية، واحتجاجاً على ضيق أفق التعليم الأرثوذوكسي الإكليركي، الذي نشأ السكاكيني في أحضانه. في هذه الكلية تشبع الترجمان بأفكاره، وبقي على اتصال مع أستاذتها وطلابها بعد تخرجه منها.

 

أمّا التيار الثالث الذي أهملته الدراسات التربوية فهو التيار العثماني المحدث الذي أدخل إلى النظام التعليمي بعد ثورة ١٩٠٨.  فبعد هذا التاريخ بدأت المدارس الحكومية في إدخال منهاج تربوي علماني على أسس حديثة. وكانت أهم المدارس الحكومية في القدس حينذاك المدرسة الرشيدية، التي تخرج منها عدد من الإصلاحيين. كما برز اسم رواد تربويين من الذين تأثروا بأفكار محمد عبده والأفغاني، مثل الشيخ محمد الصالح. أسس الشيخ الصالح مدرسة "الروضة الفيحاء" في الفترة نفسها، واشتهر بتحويله مناهج تدريس التاريخ والجغرافيا والأدب والدراسات الفقهية من التركية إلى العربية(19).

 

أمّا أهم المدارس العثمانية في فلسطين خلال الحرب الأولى فكانت المدرسة الصلاحية -المعروفة رسمياً "بكلية صلاح الدين الأيوبي الإسلامية" وقد أنشأها أحمد جمال باشا بمبادرة شخصية في مبنى القديسة آن- وهو صرح فرنسي مقابل للحرم الشريف تعود أصوله إلى الفترة الصليبية. أسست الصلاحية بهدف تخليق نخبة عربية وإسلامية (من الهند وإيران) ذات توجهات عثمانية. اشتملت الصلاحية على قسم دراسات عليا مدته سنتان بعد إنهاء الدراسة الثانوية، واحتوى على منهج فقهي ومنهج علماني، وبذلك تكون أول مؤسسة للدراسة الجامعية في فلسطين في تلك الفترة(20).

 

تأسست الصلاحية عام ١٩١٣، وأشرف على إدارتها ثلاثة رجالات موالين لسياسات جمال باشا شخصياً: الشيخ عبد العزيز الشاويش، شكيب أرسلان وعبد القادر المغربي. وكان ثلاثتهم من أنصار تركيا الفتاة، ومن دعاة حزب الاتحاد والترقي. أمّا أهم أساتذة الصلاحية فكان رستم حيدر (١٨٨٦-١٩٤٠) المذكور أعلاه، والذي أنشأ جمعية العربية الفتاة السرية عام ١٩١١،  بالتعاون مع عوني عبد الهادي وأحمد قدري(21). ويظهر حيدر بشكلٍ بارز في يوميات الترجمان كداعية للاستقلال العروبي. كما يظهر أيضاً في مذكرات السكاكيني عندما هرب الاثنان من الحكم العثماني في دمشق للالتحاق بركب الثورة.

 

ومن معلمي الصلاحية أيضاً إسعاف النشاشيبي وعادل جبر. وكلاهما من الشخصيات الثقافية البارزة التي نلتقيها في مذكرات الترجمان. درّس الأول اللغة والأدب العربي، بينما درس الثاني اللغة الفرنسية والجغرافيا. السكاكيني أيضاً كان من أساتذة الكلية الصلاحية، عندما كان يسمح له برنامجه التعليمي المكتظ في الكلية الدستورية.

 

يعبّر الترجمان في يومياته عن عداءٍ مكتوم اتجاه النشاشيبي وجبر بسبب سلوكهم "الاستعلائي والمتعجرف"، إلا أنّ عداءه وصل إلى ذروته اتجاه عادل جبر الذي كان الترجمان يراه من أعوان جمال باشا المخلصين، واتهمه مرتين بأنه عميل للدولة!(22) وفي إحدى الروايات، التي دوّنها في ١٥ أيار ١٩١٥، يذكر أنّ جبر سافر إلى يافا في مهمة لجمال باشا. ويبدو من السياق أنّ سفره كان له علاقة ببعض الترتيبات الإدارية للكلية الصلاحية. وفي نهاية هذا الإدخال ينسب الراوي حديثاً إلى ابن خالته حسن شكري الخالدي يدّعي فيه أنّ عادل جبر "جاسوس عثماني"(23). أما جبر نفسه فلم يكنْ يخفي تأييده العلني لجمعية الاتحاد والترقي، ودفاعه عن الحكومة العثمانية وسياستها في نقاشات حامية مع النشاشيبي والسكاكيني وموسى العلمي. وبقي على موقفه هذا إلى نهاية الحرب.

 

وتعكس حدّة هذه النقاشات المواجهة الصاعدة في ذلك الحين بين أنصار الانفصال العربي عن الدولة وأنصار الفكرة العثمانية داخل النخبة الفلسطينية والسورية. ولا يوجد أي دليل مقنع على اتهامات الترجمان والخالدي ضدّ عادل جبر. ومن الجائز أيضاً أنّ هذا العداء كان مبعثه سبب شخصي، وهو منافسة الأخير لإحسان على حب ثريا، معشوقته.

 

من ناحية أخرى، فإنّ جمال باشا ساهم في تأجيج الصراع بين التجمعات السياسية العربية عن طريق تبنيه لما اسماه "التيارات الوطنية المعتدلة" ضد "المجموعات العربية المتطرفة"(24).

 

وكان يرى في الكلية الصلاحية التجسيد التربوي لبناء كادر من العرب الوطنيين الموالين للنظام العثماني الجديد(25). هدف آخر للصلاحية كان تعزيز القاعدة الفكرية لحركة إسلامية مجددة تدين بالولاء للدولة العثمانية. ويرى المؤرخ الألماني مارتين ستروماير أنّ هدف جمال من إنشاء الكلية كان تدريب كادر "من المثقفين دينياً والمشبعين بأفكار محمد عبده لمعالجة المفاهيم العلمية والعلمانية الحديثة"(26). وكان معظم المساهمين في حلقة السكاكيني الفكرية -وهم "نواة حزب الصعاليك" الذي أنشأه عام ١٩١٨- من المعجبين بعبده والأفغاني، إلا أنّ العديد منهم تجاوز هذه الرؤيا وفكرة الإصلاح الإسلامي باتجاه ثقافة علمانية وطنية ناقدة للفكر الديني برمته.

 

عندما هدّد الجيش البريطاني منطقة القدس من الجنوب أمر جمال باشا بنقل الكلية بمعلميها وإدارتها وطلابها إلى دمشق. وفي النهاية فشلت الصفحة الأولى من يوميات الترجمان.الصلاحية في تحقيق أهدافها لسببين:

 

فهي لم تنجحْ، أولاً، في اجتذاب طلاب من خارج المناطق السورية-الفلسطينية (وتحديداً من الهند وإندونيسيا)، كما ابتغى لها جمال باشا. كما لم يكتبْ لها، ثانياً، أنْ تحافظ على وجودها لفترة كافية تسمح لها بالتطور ككلية رائدة ذات منهاج خاص بها.

 

وعندما اقتربت القوات البريطانية من المدينة اضطر جمال باشا أنْ ينتقل بالكلية وطاقمها إلى دمشق. إلا أنّ معظم مدرسيها- بمن فيهم السكاكيني وحيدر سرعان ما تركوا الكلية والتحقوا بقيادة الثورة العربية في جبل الدروز.

 

نعود إلى تربية الترجمان. تابع إحسان قراءاته الفكرية في المنزل العسكري بعد تجنيده بشكلٍ متقطع وعشوائي. واحتوى بيت العائلة على مجموعة قيمة من الكتب، بدليل أنّ إسعاف النشاشيبي وموسى العلمي كانا يستعيران المجلدات منها. كما أضاف إحسان بعض المقتنيات إليها خلال دراسته في الكلية الدستورية. وفي الساعات الطويلة والمملّة التي كان يمضيها في الدوام العسكري اعتاد إحسان أنْ يطالع في الزمخشري وفي كتب أخرى من التراث العربي يذكرها في يومياته، منها: "تاريخ الحضارة العربية" لمحمد كرد علي الذي كان من أنصار اتجاه التجديد الإسلامي في الإصلاحية. كما كان الترجمان معجباً بكتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين (القاهرة ١٨٩٩)، إلا أن شغفه الأساسي كان بالروايات الغرامية التي بدأت تتوفر بطبعات رخيصة مستوردة من مصر في هذه الفترة. وكثيراً ما نجده يطالع الكتب الجنسية المتوفرة في عناوين مختلفة مثل "اختيار الزوجة" و"ليلة العرس" و"حياتنا التناسلية"، والغالب أنّ هذه السلسلة كانت من كتب مترجمة محلياً عن الفرنسية والإنكليزية، كان يطالعها بالسر خلال ساعات العمل خوفاً من رقابة أبيه. يخبرنا إحسان كيف كان الضباط في قيادة الأركان، من عرب وأتراك وألبان، من أمثال (فارس أفندي وإسماعيل ألماني) يوبّخونه كلما باغتوه وهو يطالع خلال ساعات الدوام، لدوافع معادية للقراءة بشكلٍ عام، أكثر من كونها دوافع الحرص على الانضباط العسكري. على الأقل هذا ما يدعيه صاحب المذكرات.

 

أخيراً كان الترجمان شغوفاً بمتابعة الصحافة السياسية الهزلية وعلى رأسها جريدة "الحمارة القاهرة"، التي كانت تصدر في يافا، والتي اعتادت أنْ تهزأ بقيادة حزب الاتحاد والترقي، مما يدلّ على أنّ الرقابة العثمانية على المطبوعات لم تكنْ تطبّق تعليمات الحكومة خلال سنوات الحرب بالصرامة التي أشيع عنها في ما بعد.

 

اندثار الهوية العثمانية

تتميّز يوميات الترجمان بشراسة موقفها المعادي لجمال باشا وقيادة "الاتحاد والترقي". وفي هذا المجال يجب مقارنتها ليس بخطاب التأريخ القومي لفترة ما بعد الحرب، وإنما بمثيلاتها من كتابات مؤلفين معاصرين مثل محمد عزة دروزة ومذكرات رستم حيدر. استهل المؤلفان الأخيران حياتهما السياسية بالتماثل مع أهداف اللامركزية العثمانية، ثم انتقلا إلى المعسكر القومي العربي. وفي دائرة إحسان ألف السكاكيني (معلمه) وعمر صالح البرغوثي (صديقه) مذكرات كانت تعكس موقفا ملتبساً تجاه اللامركزية العثمانية خلال الحرب. ومع تطور الأحداث الدموية ازداد الاستقطاب العربي-التركي مما دفع بالسكاكيني والبرغوثي للانضواء تحت قيادة الأمير فيصل والثورة العربية. وفي النهاية انضم حيدر للثوار في جبل الدروز، وأصبح السكرتير الخاص للأمير فيصل. وعندما أخلي سبيل السكاكيني من سجنه العثماني في دمشق عام (١٩١٨) التحق هو أيضاً بالثوار، وساهم في صياغة عدة بيانات باسم الثورة بما فيها تأليف نشيد الثورة العربية "أيها المولى المفدى". المرحلة الحاسمة في جميع هذه التحولات كانت محاكمات "عاليه" العرفية والحكم بالإعدام على الثوار العرب في آب ١٩١٦.

 

مع هذا فقد استمر العديد من المثقفين الفلسطينيين، والمقدسيين تحديداً، على ولائهم لبقاء فلسطين كإقليم ضمن الإمبراطورية العثمانية، حتى بعد نهاية الحرب وهزيمة الأتراك. من هؤلاء "العثمانيين" نجد أسماء لامعة مثل عادل جبر، محرر "الحياة" في القدس ويافا، والشيخ محمد الصالح، صاحب "روضة المعارف"، وعبد العزيز الجاويش، مدير الكلية الإصلاحية.

 

وفي مذكراته يصف عمر صالح لقاء أحمد جمال باشا بالقيادات العربية المحلية في القدس ودمشق عامي ١٩١٦ و١٩١٧ للتداول حول إنشاء كونفدرالية عربية-عثمانية على أنقاض الدولة العثمانية(27). إلا أنني لم أجدْ معالجة لهذا الموضوع في مذكرات جمال باشا نفسه(28).

 

أما مذكرات الترجمان فهي مليئة بالهجوم على جمال وأنور باشا. يبدأ نقده على خلفية انتكاس الجيش الرابع في جبهتيْ السويس وسيناء، حيث كان يقاتل العديد من أقرباء ومعارف الترجمان. وكان هاجس الكاتب الخوف من إرساله للقتال في الجبهة. نرى هنا صورة متناقضة لشخصية جمال باشا. من ناحية، يأخذ عليه الكاتب محاباته للجنود اليهود والمسيحيين، في محاولته لاستدرار مساندة الأقليات في الولايات الشامية، وذلك عن طريق إعفائهم من الخدمة العسكرية، أو توظيفهم في مناصب كتابية وإدارية. ومن ناحية أخرى، نرى إحسان يهاجم أنور وجمال للمذلة التي خضع لها يهود القدس ومسيحيوها بعد أن جندهم في "طوابير العملة"، حيث أجبروا على القيام بأعمال شاقة ومضنية مثل بناء الطرق، وحفر أساسات سكة الحديد، وجمع القمامة في الشوارع العامة. ونعرف من تقارير وكتابات معاصرة أنّ العديد من مجنّدي الطوابير نفقوا خلال هذه الخدمة. في إحدى مفكرات السكاكيني مثلاً يشير إلى هذه الأيام الحالكة: "أخذوا عدداً كبيراً من المسيحيين كزبالين إلى بيت لحم وبيت جالا، وأعطوا كلاً منها مكنسة وقفّة ومجرفة ووزعوهم على الطرق والأزقة، مما جعل أحدهم يصيح في بيت لحم "من عنده زبالة". فكانت نساء بيت لحم تطل من النوافذ وتبكي. لا شك أنّ هذه نهاية  (ذروة) الذل. وما مثلهم إلا مثل الأسرى في عهد الأشوريين والمصريين والرومان"(29)، وعندما عيّن الترجمان كاتباً مؤقتاً في القيادة العسكرية في القدس مسؤولاً عن الإعفاءات من الخدمة، حاول أنْ يخفّف من معاناة هؤلاء الجنود المسخرين، لكن دون جدوى.

 

في إحدى رواياته يخبرنا إحسان عن زواج جمال باشا من "مومس يهودية" من القدس، كدليلٍ على محاباته لليهود. ويبدو أنّ الإشارة هنا إلى عشيقة جمال السيدة ليا تننباوم، وهي من عائلة يهودية مقدسية نشطت في جمعية الهلال الأحمر المساندة للمجهود الحربي العثماني. وفي حالات أخرى يصف الكاتب جمالاً كشخصية اعتباطية حيث كان -برأي الكاتب- مهووساً بتمجيد ذاته على حساب الآخرين. فهو يمدّد ساعات دوام الجنود، ويلغي إجازاتهم الأسبوعية يوم الجمعة بدون مبرر. ويصف جمالاً بالنفاق حين يوزّع الذبائح والحلوى على الجنود خلال الأعياد الرسمية والسلطانية، بينما هم جياع ومتدنّو الأجور في بقية الأيام. ويظهر الترجمان عداءه واحتقاره لقيادة "الاتحاد والترقي" بسبب استغلال الحزب للدين من أجل تحقيق مكاسب رخيصة لصالح المجهود الحربي في الولايات العربية. وهناك وصف مضحك لحفلة أقامها روشن بيك ودعا إليها مجموعة من بغايا القدس على شرف أحمد جمال باشا، وجمال باشا الصغير (المرسيني).

 

يصل غضب الكاتب ذروته على جمال باشا بعد أنْ بدأ حملته ضد التجمعات العربية السرية. تبدأ الحملة بشنق جنديين في باحة باب العامود في ٣٠ آذار ١٩١٥ بتهمة التجسس لصالح الجيش البريطاني. ثم تمتد الحملة بقمع أعضاء "الجمعية العربية" ومجموعة "العهد" من الضباط العرب، ومحاكمة العديد منهم في المحاكم العسكرية التي أنشئت لهذا الغرض.

 

لكن موقف الترجمان الناقد توازنه إشاراته المتعددة الإيجابية والمتعاطفة مع قادة ورفاق أتراك وألبان ساعدوه وتضامنوا معه خلال محنته. من هؤلاء القائد علي روشن بيك (ألباني الأصل) ونهاد بيك (قائد حامية القدس)، وهو تركي الأصل، والعديد من الضباط الأتراك الذين زاملهم.

 

وعندما تعرّض إحسان للضرب والملاحقة من ضابطه الأرناؤطي (لا نعرف اسمه) نجده يلجأ لحماية قائده الألباني، وليس إلى معارفه من الضباط العرب.

 

تهيمن على يوميات الترجمان الإشارات إلى الخنوع العربي للقمع العثماني، فنجده يصف أهالي سوريا وفلسطين "بالأمة الذليلة الخانعة". ويذكر القارئ بأنّ أيّ شعبٍ يحترم نفسه يجب أن يثور على ظروف اضطهاده. إلا أنّه -بالرغم من طبيعته اللاعنفية- يغتبط ويهلّل للانتصارات العثمانية في الدردنيل وكوت العمارة (جنوب العراق) ضدّ الإنجليز. هذا الارتباك في الهوية ينعكس أيضاً في إشاراته لانتمائه القومي- فهو يتماثل مع "الأمة العثمانية" أحياناً، ومع "الأمة العربية" أحياناً أخرى. لكنه، بالرغم من هذا التناقض، لا يرى نفسه جزءاً من الأمة الإسلامية بالرغم من محاولات جمال باشا الجاهدة في سوريا لأنْ يزرع هذا الانتماء، أملاً في  تقوية التكاتف العربي والهندي والفارسي دعماً للمجهود الحربي العثماني. على العكس، نجد إحساناً يركّز هجومه على العلماء ورجال الدين الداعين لحملة جمال باشا. ويشير تحديداً إلى (نفاق) الشيخ أسعد الشقيري -مفتي الجيش الرابع- وحاشيته من الفقهاء والصحافيين عندما نظّموا رحلة وفد فلسطيني-سوري لزيارة جاليبولي والدردنيل لدعم القوات العثمانية المحاربة هناك.

 

فقط عندما ثارت القبائل الحجازية بزعامة الشريف حسين ضد العثمانيين نرى أنّ إحسان قد استعاد فخره بانتمائه العربي. "باركك الله أيها الشريف... أنتم أيها العربان برهنتم للعالم أجمع أنكم رجالاً لا ترض الذل والهوان... تدافعون عن أمتكم العربية، تفدونها بأرواحكم حتى تتخلص هذه الأمة من نير البربرية العثمانية" ولكنه يسميهم "العربان"، ويعي في الوقت نفسه أنّ ثورة العربان" لها جذور غير قومية": "أما هياجهم فأسبابه كثيرة... فمن يقول إن الشريف حسين: "ترجّى باشا في العفو عن صدور الحكم بإعدام أبناء العرب فأبوا (يقصد جمال باشا). ومنهم من يقول إنّ الحكومة كانت تدفع في كلّ عام دراهم إلى العربان عوضاً عمّا لحقهم من الخسران في إنشاء السكة الحديدية الحجازية... وفي هذا العام امتنع جناب حضرت قائد الجيش الهايموني الرابع وناظر البحرية الجليلة دولة أحمد جمال باشا عن الدفع"(30). لكن هذه الدوافع لم تمنعْ الكاتب من الاندفاع في الدفاع عن الثورة الحجازية بكل جوارحه.

 

بالإمكان أنْ نتابع تأثير هذا الانقطاع في الهوية العثمانية على العلاقات التركية-العربية على الجانب التركي من خلال مجموعةٍ ثالثة من يوميات الحرب، هي مذكرات الضابط فالح رفقي، السكرتير الخاص لجمال باشا في دمشق والقدس، وهو معاصرٌ لإحسان الترجمان، ومحمد الفصيح وهو بالصدفة مولود في العام نفسه، ١٨٩٣(31)، تتميز مشاهدات رفقي بأهمية خاصة بسبب قربه من الأحداث وعملية صنع القرارات السياسية والعسكرية الحاسمة. كما أنّه كان متابعاً دقيقاً للعلاقات العربية-التركية داخل الجيش. وكان رفقي -بسبب اهتماماته الفكرية- متابعاً أيضا لتأثير الدين على صياغة الحياة اليومية لسكان فلسطين والجزيرة العربية. نراه في أحد فصول يومياته يقارن تأثير الحج على البنية الاجتماعية في القدس والمدنية بلهجة ساخرة:

"لا شك أنّ حجّاج القدس ليسوا بأحسن حالاً من حجاج المدنية المنورة. فإنّ أتباع المسيح ينتابهم نفس الجوع الذي ينتاب أهل محمد، والاثنان محكوم عليهم أن يعانوا من البؤس معاً. الفرق الوحيد هو أنّ متسولين القدس أعلى شأناً وأحسن منظراً من متسولي المدينة.

شنق الجنود في باب العمود- القدس 1915. المصدر: مجموعة خليل طوطح.
 

أصبحت المدينة المنورة بازاراً آسيوياً نجح في تحويل الدين إلى بضاعة تجارية. أما القدس فقد تحوّلت إلى مسرحٍ غربي نشاهد الدين فيه وكأنه مسرحية لدرجة أنني تخيلت كهنة كنيسة القيامة وكأنهم أصحاب لحى مزيفة. وعندما ينحنون إلى أسفل تستطيع أنْ تشاهد بوضوح مسدساتهم المخفية بأحكام تحت أثوابهم الطويلة(32).

 

يبرر رفقي، بشكلٍ عام، حملة القمع التي قادها جمال باشا ضدّ الحركة العروبية بزعم أنها كانت خطوة ضرورية للحفاظ على الانضباط العسكري والاستقرار للإدارة العثمانية في سوريا. وهو يرى أنّ استعمال العنف مع القوى الوطنية كان ناجحاً في ضمان هذا الاستقرار. ونراه هنا يفسر سياسة جمال بلهجة قاطعة: "في فلسطين استعملنا سياسة النفي، في سوريا الإرهاب، وفي الحجاز استعملنا الجيش. أمّا اليهود فكانوا حذرين كعادتهم ينتظرون إعلان وعد بلفور في سواحل يافا. وفي النهاية ثار أهل الحجاز. أما سوريا فبقيت هادئة"(33).

 

ويعزو رفقي هذا "الهدوء" لسياسة ترحيل السكان القسرية التي مارستها السلطة على سكان الساحل الفلسطيني -خصوصاً في منطقة غزة ويافا- حيث كان الأسطول البريطاني يحاصر المنطقة متربصاً بالتحركات العثمانية وتحركات حلفائها الألمان.

 

وكان هذا الترحيل، برأي صاحب المذكرات، موجّهاً بدرجة خاصة نحو السكان اليهود الذين كانت القيادة العثمانية تشكّك بتواطئهم مع أجهزة مخابرات الحلفاء في رصد تحرّكات العساكر العثمانية(34). ويهتم رفقي بمعوّقات اندماج التجمعات التركية والعربية كمكونات ضرورة لاستقرار المجتمع العثماني: "يهيمن على السلطنة العثمانية جهاز بيروقراطي جامد. إلا أنّ نصف هذا الجهاز البيروقراطي هنا (في فلسطين) مكوّن من العرب. لم أرَ خلال إقامتي كلها عربي واحد مؤترك- بينما لم أرَ إلا أتراك قلائل لم يتعرّبوا، ونحن لم ننجحْ في استعمار هذه المنطقة ولا في جعلها جزءاً عضوياً من بلادنا. فالدولة العثمانية هنا هي حارس المزارع والمدن بدون أجر"(35).

 

وعندما ينتقل المؤلف للوضع في مدينة القدس، يتحوّل لتشخيص قدرة المجتمع العربي على استيعاب الآخرين ومقاومته لانصهار العرب داخل المجتمعات الأخرى. ثم ينتقل إلى الاحتجاج على وضع الأتراك خارج الأناضول. يكتب رفقي بمرارة تذكّرنا بشعور الروس تجاه تهميش وضعهم في مدينة موسكو خلال الحقبة السوفياتية نتيجة هجرة الأقليات إلى العاصمة: "بما أنّه كانت لجميع الأقليات في الإمبراطورية العثمانية امتيازات، بينما حُرِم الأتراك من هذه الامتيازات، أصبح من المفضل لأيّ مواطن أن ينتمي إلى إحدى الأقليات المسلمة من أنْ يكون تركي الأصل"(36).

 

قد تبدو هذه الملاحظات مبالغاً فيها، إنْ لم تكن مستهجنة، من قِبَل أيّ مؤرخ عربي يسترجع نهاية الحقبة العثمانية، إلا أنّها تعكس رؤيا متكررة في أوساط النخبة التركية العثمانية.

 

ويبدو أنّ هذا موقف تبنّاه جمال باشا نفسه في محاولته المستميتة للحفاظ على مبدأ وحدة الكيان العثماني ضدّ المحاولات الانفصالية. أمّا أهمية اندماج التجمعات العربية في هذا الكيان فكان نابعاً من اعتقاد هذه النخبة بأنّ المجتمع العربي كان "خط الدفاع الأخير" للتحالف العثماني الداخلي القادر على الحفاظ على مستقبل الإمبراطورية ضد محاولات التجزئة الغربية.

 

هنا كان الشعور بالخيبة مضاعفاً نتيجة لما أصبح يعتبر في إستانبول "خيانة عربية". في هذا التصوّر كان العرب هم الذين تخلّوا عن الأتراك، لا أنّ الأتراك هم الذين قوّضوا الفكرة العثمانية عن طريق حملة التتريك، وأنّ عملية التتريك هذه كانت بدورها سبب هذا التخلي وليس نتيجته. هذا التشخيص واضح المعالم في مذكرات رفقي "لا تظن أنّ هنالك "قضية عربية" في هذه الأراضي الواسعة الممتدة من حلب إلى عدن... كلّ ما هناك هو تيار معادي للأتراك. فإذا قضيت على هذا التيار سترى العرب ينهارون في دوامة الفوضى"(37).

 

لا تفيدنا مذكرات رفقي في التعرف على مخطط جمال باشا في بناء تحالف فدرالي عربي-تركي لتعزيز الصرح العثماني المتهاوي، كما لمح إلى ذلك المؤرخ عمر الصالح(38). الواضح من يوميات رفقي بيك أنّ هزيمة جمال العسكرية كانت أيضاً هزيمة لأي كيان عربي-تركي محتمل. يخبرنا رفقي عن المرارة التي انتابت قائده عندما عزلته القيادة في إستانبول، وأحلّت محله الجنرال الألماني ڤون فولكينهاين: "رفض جمال باشا أنْ يتخلّى عن الحلم السوري، بل أراد أن يعود إلى إستانبول في نهاية الحرب وهو يحمل الحفاظ على سوريا كهدية للسلطنة. وربما استغلّت القيادة ميله تجاه التبجيل والاستعراض، فعيّنوه قائداً عاماً لسوريا وللحجاز".

 

وهي رتبة كانت بمثابة رئيس أركان من الدرجة الثانية. ولم يكنْ جمال باشا هو الذي انهار وإنما ولاية الشام. وبما أنّ سوريا كانت مهووسة بالرتب العسكرية والميداليات لم تنهارْ كما تنهار القرى الأناضولية في صمت وفي وحدة قاتلة، وإنما انهارت بصخب محاطة بالأبهة الاحتفالية وفي بزة الجنرالات(39). وفي مقدمة مذكراته التي أعطاها عنوان "زيتون داجي" (جبل الزيتون) يشير فالح رفقي إلى رمزية الهوية التركية في فلسطين. "أولبرج هو التعبير الألماني للكلمة العربية جبل الزيتون. أما "زيتون داجي" فهو تعبير من اختراعي، استنبطه كعنوان لكتابي، إذ لم يكنْ هناك أبداً "قدس تركية"(40) لكن كانت هناك بالطبع قدس عثمانية، وهي المدينة والهوية التي التبس تعريفها على فالح رفقي.

 

نهاية مرحلة البراءة

تشكّل مذكرات الترجمان صرخة مدوية ضد أخلاقيات الحرب. لكنّه لم يبنِ موقفه هذا على فكر أيديولوجي يدعو إلى السلام، بقدر ما كان تمرداً ضد الظروف السياسية التي أدّت إلى التشرذم الاجتماعي وفقدان الشعور بالاستقرار الذي ساد مدينته قبل الحرب. ونراه ينسب كلّ هذا التدهور إلى هوس القيادة العثمانية التي بالغت في قدراتها العسكرية على حساب الجندي والمواطن العادي. النتيجة في تصوّره كانت سياسة التطرف القومي والقمع الإثني ودمار الحرب الذي جاء في ركابها والذي أدّى، حسب تعبير بيرجير، إلى "قلب السياسة على رأسها" والدخول في عالم يسوده الضياع واللاعقلانية.

 

هذه الظاهرة اللاعقلانية انتقلت من الجبهة الأوروبية -في بلجيكا وفرنسا- إلى الدردنيل والمشرق الغربي، حيث خلقت أجواء كارثية أدّت إلى شعورٍ بفقدان سيطرة الفرد على حياته ومستقبله. في حالة فلسطين، نشهد تقويضاً للقناعات الراسخة نتيجة انهيار السلطة وتشرذم وحدتها الجغرافية. يقوم بيرجير في هذا المجال بالتعبير عن التبعات الوجدانية للحرب العظمى:

لم يتصوّرْ أحدٌ الأبعاد الطويلة المدى لقلب السياسة على رأسها -بمعنى هيمنة الأيديولوجيا على السياسة. في الحالة الأوروبية نتج عن الحرب نهاية ما أسماه حقبة البراءة. سرعان ما دخلنا في شروط جعلت من الصعب تبرير البراءة. تراكمت الأدلة التي منعتنا من الحفاظ على هذه البراءة. وعلى رأسها كانت مسيرة الحرب الأولى والإذعان الجماهيري لظروفها. فالذي حدث هو أنّ معظم الناس حافظوا على عذريتهم السياسية عن طريق إنكار ما يروه بأم أعينهم من الفظائع، وهذه الظاهرة ساهمت بتعزيز قلب السياسية إلى أيديولوجيا(41). في فلسطين ساهم الشعور باقتراب الكارثة، أيضاً، بالرضوخ الشعبي للوضع كما نلمسه من ملاحظات الترجمان عن ظروف الحياة اليومية في القدس: المصادرة الواسعة النطاق للقمح من المزارعين لإطعام الجنود أدّت إلى رفع أسعار الحبوب والحاجيات في المدن، ومن ثم اختفاء الخضروات واللحوم من السوق. المشاهدات اليومية لطوابير النساء والأطفال (أما الرجال فقد اختفوا من الشارع نتيجة التجنيد) أمام الأفران، واقتتالهم على رغيف الخبز، ثم انتشار المجاعة في مدن سوريا وفلسطين وجبل لبنان. وكما لاحظ إحسان فإنّ المجاعة كانت مصطنعة، ونتجت عن الإجراءات التعسفية للحكم العسكري، وليس من نتاج الأحوال الطبيعية. في لبنان و(بشكلٍ أقل في فلسطين) تضاعفت آثار المجاعة بعد تضييق حصار الأسطول البريطاني على الساحل السوري، وإجراءات جمال باشا داخلياً عقاباً على ما رآه تآمراً للتيارات الوطنية مع السلطات الفرنسية العدوة(42). وفي صيف ١٩١٥ وصل الجراد إلى القدس، وتبعه انتشار وباء الكوليرا والتيفوس، فقضى على ما تبقّى من الأمل عند الناس. ظهر الشحاذون في جميع أطراف المدينة، خصوصاً في الشوارع والأسواق. وقد يتراءى للمرء أنّ التسول ظاهرة أزلية من مشاهد المدينة المقدسة. على الأقل هذا هو الانطباع السائد في أدب الرحالة والحجاج إلى القدس. لكن لو كان هذا صحيحاً لما لفتت الظاهرة انتباه كاتب اليوميات، هو الذي أمضى معظم حياته في المدينة. الواقع هو أنّ ظروف الحرب هي التي أدت إلى تفكك العائلة المقدسية ومصادر قوتها، وخلقت جيوشاً من المتسولين في طرقاتها. وكما هو الحال في المدن الإقليمية للسلطة العثمانية، اعتمد الفقراء والمعوّزون على سلسلة من التكايا التي كانت توفر الطعام والخبز اليومي المجاني لذوي الحاجة بالإضافة إلى ذلك، حافظت المدينة على نظام التعاضد التقليدي الذي كان ينبري للدفاع عن أبناء طوائفه، وعن شبكات القرابة في محلات (جمع محلّة) البلدة القديمة. إلا أنّ اشتداد الأزمة الاقتصادية والمجاعة بعد عام ١٩١٥ بدأ في تفكيك فعالية هذه العصبيات الاجتماعية. وكان على رأس عوامل التفكيك غياب عددٍ هائل من الذكور من أرباب هذه العائلات الذين تم تجنيدهم في الجيش. ولم تكنْ ماهية الجندي العادي -٨٥ قرشاً عثمانياً- أو حتى الضابط تكفي لسد رمق العائلات المستورة الحال. ونرى الترجمان يشكو أنّ معاشه الشهري لم يكنْ يغطي حتى نفقات استهلاكه اليومي من السجائر.

 

خلال سنوات الحرب، أصبح التبغ سلعةً مطلوبة ونادرة يتهافت عليها السكان في السوق السوداء، ومادة مقايضة رئيسية بين العساكر. في مفكرة الحرب التي بين أيدينا توجد ١٢ يومية حول غياب التبغ وتأثيره على معنويات الجنود والمدنيين. مثلاً في يوم الجمعة ٢٣ نيسان ١٩١٥ يدخل إحسان هذه الملاحظات في مفكرته:

"نفذ الدخان من القدس، ولم يعدْ أحد يجد دخاناً مطلقاً. وقد استاء الجميع من ذلك وضجّوا لفقدانهم التوتن، فقد نفذت عدة أشياء من قبل مثل السكر والكاز والأرز وما شاكل، ولكنه لم يهمهم ذلك كالدخان. إنّه والحق يقال لأمر عجيب، حتى أنّ البعض صار يصخب على الحكومة ويلومها لإعلان هذه الحرب(43). كانت القيادة العسكرية تعطي أولويات التوزيع للضباط عند وصول شحنات جديدة من السجائر. وكان هؤلاء يستخدمون مخصصاتهم من الدخان لمضاعفة معاشاتهم الشهرية المحدودة عن طريق بيعها إلى الأنفار، خصوصاً عندما تصل الماركات الفاخرة من استانبول مثل سجائر (سامسون) و(مراد)".

 

ومع انهيار الاقتصاد المحلي ظهرت في القدس، أسوة بالوضع السائد حينذاك في دمشق وبيروت، ظاهرة جديدة هي الدعارة العلنية. كان الجيش العثماني قد استحدث في المدينة المقدسة دوراً مخصصة للبغاء لخدمة المجندين. ولدينا كتابات معاصرة تشير إلى انتشار ظاهرة العشيقات في أوساط الضباط وأعيان المدينة(44). لكن في السنة الثانية للحرب انتشرت ظاهرة البغاء لخدمة جميع مرتبات العسكر -خصوصاً على ضوء عزلة هؤلاء الأنفار عن عائلاتهم  وزوجاتهم في الخدمة العسكرية. وبمناسبة ذكرى اعتلاء السلطان محمد رشاد الخامس للعرش، في ٢٧ نيسان ١٩١٥، أمر جمال باشا بإحياء هذه المناسبة في حفلة ضخمة أقامها في المنزل العسكري دعا إليها كبار الضباط العثمانيين والنمساويين الحلفاء ورهطاً من وجهاء القدس.

 

وتم استدعاء خمسين سيدة من مومسات القدس العاملات في دور البغاء المحلية للترفيه عن الضباط، بينما دُعِي إلى الحفل أيضاً زوجات الوجهاء المحليين. ويعبّر إحسان عن استهجانه لهذا الخلط "الفاضح" بين السيدات المحصّنات وبغايا القدس، خصوصاً وأنّ المناسبة ترافقت مع استشهاد الآلاف من المقاتلين العرب والأتراك في جناق قلعة (جاليبولي) وفي هذه الأثناء يشاهد الكتاب انتشار الدعارة في شوارع البلدة القديمة(45). للتدليل على تدنّي المستوى الأخلاقي في المدينة في هذه الفترة يستشهد الكاتب أيضاً بحادث أساتذة المدرسة الحكومية في البقعة، الذين ضبطوا برفقة مومسات دعوهن إلى المدرسة خلال ساعات الدوام المدرسي. حينذاك اضطر قائمام القدس أنْ يطرد المعلمين الثلاثة من وظائفهم، ومن ضمنهم أستاذ العلوم الدينية الشيخ يعقوب الأزبكي. وتدخل رئيس البلدية السابق فيضي العلمي أفندي -وكان حينذاك ممثل القدس في البرلمان العثماني في الأستانةفأعيدوا إلى منصبهم في التعليم مقابل دفع غرامة عينية قيمها ١٥٠ قرشاً. على إثر هذه الحادثة كتب الترجمان محتجاً: "أنا أعجب كيف يصوغ للمعلم أنْ يفعل مثل هذه الأشياء؟ يجب على المعلم أنْ يكون قبل كلّ شيء أديباً محمود السيرة، وفي الدرجة الثانية أنْ يكون عالماً له إلمام بتعليم وتربية الأولاد الصغار. أما نحن، والحمد لله، فمعلمونا شخصيتهم خالية من جميع هذه الخصال، فلا علم ولا أدب. نعم إن المعلم رجل ويجب أن يتلذذ ويقضي شهواته الحيوانية. ولكن يجب أن يضبط نفسه عن مثل هذه الرغبات الدنيا. وإذا لم يتمكنْ كان من الواجب عليه بأن لا يدخل المومسات إلى المكاتب (قاعات الدراسة) أمام الأولاد الصغار ويعلمونهم الرذائل قبل الفضائل". ومعلوم أنّ الإنسان ميال للشر والسفالات قبل الخير والترفعات عن الأشياء الدنيئة، فكيف بالأولاد الصغار؟"(46). في تلك الفترة شوهد العديد من أرامل الجيش القاطنات في الأحياء الملاصقة لبيت الترجمان، وفي باب العامود، وهن يبعن أجسادهن في الطرق مقابل قروش زهيدة. وكان إحسان يشاهد هؤلاء النسوة يومياً في طريقه إلى الدوام مقابل باب الجديد. وفي إحدى الأمسيات، عندما كان مدعوّاً للعشاء في بيت السكاكيني بصحبة ابن خالته حسن الخالدي، يلتقي بمومسٍ تتسكع بالقرب من الهوسبيس النمساوي. قلت لحسن: "مسكينة هذه المرأة، فإنها تنتظر شقاءها". فأجاب "ماذا تقدر أن تعمل؟ فهي تريد أن تعيش. ستأخذ ربع مجيدي أو أكثر تصرفه على نفسها". مسكينة حالة المومسات، يبعن أعراضهن لقاء بعض دريهمات يأخذوهن من العشيقة الفاجرة ويقضون معهن ويلتذون الملذة الحيوانية. نعم إن هؤلاء المسكينات لهن من أتعس خلق الله وأشقاهن. إني أعتقد بأنّ أكثر المومسات، إنْ لم يكن كلهن، لم يدخلوا المهنة إلا عن احتياج، أو أنهن فرّطن بأعراضهن لأحد الرجال الذين كانوا يوعودهن بالزواج. فبعد أنْ يفعلوا بهم ما يريدون يتركوهن وشأنهن. والله إنّ سبب شقاء النساء وتعاستهن ليس إلا من الرجال فقط، ولا عتب من هذه الجهة على النساء"(47). ويبدو هنا أنّ عطف الترجمان على مومسات القدس يعكس تعاطفاً مع أوضاع المرأة المسلمة بشكل عام. وكان قد اطّلع في الفترة نفسها على دعوة قاسم أمين لتحرير النساء ("تحرير المرأة"، القاهرة ١٨٩٩)، وأعتقد أنّ تخلف المجتمع العربي بشكلٍ عام متعلق بعزلة النساء فيه. وكان يدعو إلى نزع الحجاب عنها، رابطاً الدعوة لحقوق المرأة بالنضال الوطني ضدّ الهيمنة التركية لحزب الاتحاد والترقي. المناسبة التي جعلته يستفيق لهذا الوضع كان الحظر الذي فرضته إدارة المعارف في فلسطين على العروض المسرحية في المدارس الحكومية التي تحيي البطولات العربية في التاريخ وفي هذه الحالة منع عرض رواية مسرحية تشخّص دور طارق بن زياد في غزو الأندلس(48). "عجيب أمر هذه الحكومة... نحن نعتقد أنّ وجودنا تحت هذا النير التركي يضرّ بصوالحنا، فهل تقدر أن تغيّر ذلك؟ لا أظنها تقدر إلا إذا عدلت وأظهرت ميل للحق أو صارت تعاملنا كما تعامل الأتراك... فهي الآن اتخذت بلادنا كمستعمرة من مستعمراتها، ونحن لسنا كذلك بل إنما نحن شركاؤها في الملك". ثم يضيف: "تكلمت مع حلمي أفندي عن المرأة المسلمة وعن إصلاحها، وقلت له يجب الآن تعليمها وتربيتها، ثم تركها لتعتني بنفسها. وقلت أيضاً إنّ الحجاب هو المانع لترقيتها، ولكن يجب أنْ لا ينزع بالمرة لأن ذلك يضرها... ثم قلت له "كيف نرتقي نحن إذا كان نصفنا جاهلاً؟ كيف نحي إذا كان نصف أعضائنا قد شُلّت ولم تعد تصلح لشيء؟"(49).

 

يلاحظ القارئ أنّ الترجمان لم يكنْ يدعو إلى الانفصال في هذه المداخلة، وإنما إلى العودة إلى وضع من المساواة بين الأتراك والعرب، كان سائداً قبل إنشاء الحكم العرفي. وفي ربيع عام ١٩١٥ ساد في القدس، وفي سائر أنحاء الأقاليم الشامية، شعور باقتراب الكارثة. تضافر ضحايا المعارك مع نكبات الطبيعة أفرز شعورا عاما بالشلل في أوساط المدنيين. "حياتنا مهددة بالأخطار من كل صوب فحرب أوروبية وحرب عثمانية وغلاء معيشة وأزمة مالية وجراد منتشر في البلاد. وزد على ذلك انتشار الأمراض السارية في البلاد العثمانية وقانا الله منه". مع تراكم المصائب تبلور بين الأهالي إحساس باللامبالاة وكأنه آلية دفاعية لما سيأتي. "من عادتي إذا نزلت عليّ أقل بليّة لا يهدأ لي بال. أما الآن وقد أصابني وأصاب الجميع ما أصابنا لم أعد أكترث بشيء. إن ذلك نابع على ما أظن لتراكم المصائب علينا. فكلما أتذكر واحدة وأفكر بالأخرى تنسيني الثانية الأولى لأنها أعظم منها. وهكذا إلى أن تمر على خاطري جميع هذه البلايا حتى لم أعد أهتم بشيء"(50). وبعد مضي سنة كاملة على هذه الملاحظات تتدهور الحالة إلى الأسوأ.

 

الإثنين ١٠ تموز ١٩١٦: انقطاع الأغلال (الغلال). لم ترى القدس أياماً أمرّ علينا وأصعب من هذه الأيام من جهة الأكل والشرب. انقطع الخبز والقمح بالمرة في هذه المدة حتى أنّ البلدية كانت توزع الخبز على الأهالي والفقراء بعد الساعة التاسعة العاشرة. وإني أذكر مرة كنت نازلاً من المنزل العسكري إلى البيت في الساعة الحادية عشرة، رأيت النساء أتيْن من الأفران، ولا أعلم إذا كنّ أخذن خبزاً أسمراً لم أرَ طول حياتي مثله. وقد كانت الأهالي تتصارع على أخذ مثل هذا الخبز وينتظرن حتى منتصف الليل(51). فيما استحوذت شراسة الحرب على حياة الناس اليومية، تناما الشعور المعادي للأتراك، وتحوّل إلى نقمة ضد إجراءات جمال باشا بحق الوطنيين. أدّى تكثيف القتال في سيناء وعلى جبهة السويس إلى تجنيد من تبقّى من رجال القدس، وإرسالهم إلى الجبهة، أو إلى "كتائب العملة" لإنجاز الأشغال العامة في الخطوط الخلفية. في أيلول من عام ١٩١٥ صدرت الأوامر من قيادة الجيش الرابع بمنع تعيينات العساكر في مناطق سكنهم. وهو إجراء كان سيؤدّي عملياً إلى نقل إحسان من عملة المكتبي في القدس وإرساله إلى جبهة القتال في السويس. عندما وصل الأمر إلى قيادة المنزل ازدادت قناعاته ضد النظام:
اذهب إلى الجول (الصحراء)  ولماذا أذهب؟ أذهب لأدافع عن وطني؟ أنا لست عثمانياً إلا بالاسم فقط، لأنّ وطني العالم [...] والله لو خيرت، وقيل لي لو ذهبت يا إحسان إلى هناك لأخذنا مصر، لو قيل لي هذا وتأكدت من ذلك وعلمت بأنني لا أتعب مطلقاً لما ذهبت(52).

 

أما التعبير "لست عثمانياً إلا بالاسم" فلا بد أنّه تسلل إلى لغة الترجمان من أستاذه خليل السكاكيني، الذي استعمله في مذكراته في أكثر من مرة، "لست أدري علام الحكومة العثمانية تريد إبعادي من القدس"؟ كتب السكاكيني قبل إبعاده من القدس. "أينما كنت فأني لست إلا إنسانا محضاً... أعد نفسي وطنياً أينما كنت، وأشتغل في ترقية الوسط الذي أنا فيه، سواء كان أميركياً أو إنكليزياً أو عثمانياً. لا أشتغل إلا في خدمة العلم والعلم لا وطن له..."(53). وفي مكان آخر يقول "لست عربياً ولا إنجليزيا ولا فرنسياً ولا ألمانيا ولا تركياً، بل أنا فرد من أفراد هذه الإنسانية"(54). وإحسان كما نعلم كان على اتصال مستمر بأستاذه، وكان يردّد شعاراته، ويدافع عن موقفه المعادي للحرب.

 

إنّ "عصر البراءة" السابق للحرب يهيمن على طيف الأفكار المثالية التي حملها الترجمان من مواقفه الناقدة للقومية، والمساندة للنساء والمتضامنة مع الفقراء. ومجملها يشع بإنسانية هلامية مبتورة عن أي التزام أيديولوجي اتجاه الأفكار الاشتراكية أو القومية أو الدينية المنتشرة في زمنه. فقد كان متحرراً من إطار فكري ضابط. ربما بسبب طبيعة تربيته الانتقائية، أو في الغالب نتيجة انتصار إيمانه بمفاهيم إنسانية مجردة تشوبها البراءة الساذجة، كما كان الحال مع اثنين من مفكري جيله: السكاكيني وميخائيل نعيمة، فيلسوف الفريكة، وهو تيار فكري لم يكتب له أن يعيش طويلاً. بعكس الوضع الذي نتج عن الحرب العظمى في أوروبا الوسطى والغربية، حيث مهدت فظائع الحرب لنمو أجهزة الدولة الحديثة القامعة، ولظهور حركة تضامن أُممية ممتزجة بإمكانيات التحرر الاجتماعي الواعد، فقد فجرت الحرب رؤى مخالفة للتوقعات في المشرق العربي. فمقابل الحركات الاشتراكية الأممية، ولّدت الحرب هنا تشكيلات قومية وحركات متعطشة لنيل الاستقلال الوطني. ومقابل التيار الداعي إلى الانعتاق الاجتماعي في أوروبا، نرى في الشرق احتضان النخبة المثقفة العربية لمفاهيم الحداثة المختلفة، وهو احتضان ساهمت آلية الحرب بتسريعه عن طريق تقويض العصبيات المحلية وخلق المجتمع الجماهيري -مجتمع الحداثة- وما يرافقه من مؤسسات: الصحافة الشعبية، التعليم العمومي، ومفهوم المواطنة الحديثة، وهي كلها مؤسسات كانت المجتمعات الأوروبية قد دخلت فيها -بدرجات متفاوتة- في القرن السابق. إلا أنّ هذين التيارين: تجربة الانعتاق الاجتماعي وبروز هوية قومية مستحدثة (سواء كانت عربية، شامية أو فلسطينية) امتزجا معاً فقط على المستوى المفاهيمي المجرد. ففي وجدان العسكري إحسان وجيله -كما سنرى- ظهرا وكأنهما تجربتين منفصلتين.

 

اكتشاف الذات

تمحورت حداثة الحرب في دخول إيقاعات جديدة وغير مألوفة على الحياة اليومية. تحدثنا في ما سبق عن هذه الإيقاعات في مفهوم جديد للزمن (تقسيم اليوم إلى ساعات محددة (وللجغرافيا )إعادة ترسيم موقع فلسطين والقدس في الحيز السلطاني) وفي الحراك (الذي نتج عن استخدام وسائل النقل الجديدة مثل سكة الحديد والسيارة)، وفي إدخال نمط جديد من انضباط العمل سواء على المستوى العسكري، وهو أمر لم يعتده الجنود في السابق، أو على المستوى الجماهيري الواسع. وأخيراً، احتلال حيز الليل من خلال الإنارة الكهربائية، وتأمين الحراسة في الشوارع خارج أسوار المدينة(55). دلالة هذا الاستحداث الأخير هو أنّه أصبح بإمكان سكان المدن أن يمارسوا أنماطاً اجتماعية وترفيهية بعد ساعات النهار المعهودة وتغيير مفهوم الزمان والمكان(56). ومن تبعات هذا الإحساس الجديد بالحراك أنّ أنماط العمل والاختلاط الاجتماعي بدأت تتجاوز الحدود الضيقة للضيعة والمدينة. نرى أنّ الترجمان مثلاً عندما كان يرتّب خططه للزواج عند اقتراب نهاية الحرب بدأ في البحث عن شريكة لحياته من خارج القدس -وهي إمكانية كانت نادرة وغير مستساغة للجيل الذي سبقه. أدخلت الحرب أيضا الجرائد والمنشورات والكتب ذات التوزيع الجماهيري الواسع النطاق. في بداية الحرب كانت الصحيفة اليومية تقرأ من منبر عمومي في المقاهي العامة للزبائن الأميين، وللرواد الذين لم يملكوا ثمن الجريدة. بالطبع، كانت الصحف اليومية منتشرة بشكلٍ محدود في مصر وفلسطين وسوريا وجبل لبنان. لكن توزيعها ازداد بشكل ملحوظ نتيجة تعطش الجمهور لمعرفة أخبار الجبهات القتالية في العراق والسويس والدردنيل، حيث أرسل أفراد من أقربائهم ومعارفهم للقتال. من مطالعات إحسان نتعرف إلى القصص الشعبية (والعديد منها معرّب عن روايات غرامية ذات أصول أوروبية) والكتب التربوية التي كانت متوفرة للشباب والشابات في ذلك الحين. وقد انتشرت في أوساط الجنود تحديداً كتب مثل "دليل اختيار الزوجة"، وهي إرشادات عن الحياة الجنسية والعاطفية المتوقع التحضير لها. كما رأينا انتشار الدعارة بسبب الفقر المتزايد من ناحية وابتعاد الأزواج (أو اختفائهم في ساحات القتال) عن زوجاتهم وعائلاتهم. وساهمت القيادة العسكرية العثمانية في هذه الظاهرة عن طريق إنشاء دور البغاء لخدمة احتياجات الجنود (وخصوصاً الضباط)، الذين انقطعوا لأشهر وسنوات عن الحياة الاجتماعية العادية.

 

تعكس يوميات العسكري إحسان اهتماماً محموماً بالعناية الجسدية تكاد تقارب الهوس. ولا شك أنّ السنوات التي قضاها في الكلية الدستورية ساهمت في تعزيز هذا الشغف الذي نلمسه من خلال التركيز على الرياضة الجسدية والتدريب "العسكري" في المنهاج الدراسي.

 

وفي روضة المعارف التي أنشأها الشيخ محمد الصالح في القدس أُدخلت أيضاً التدريبات البدنية والعسكرية للطلاب من الصفوف الأولى(57). وكان معلمه خليل أفندي مشهوراً بنظامه الجسدي الصارم. فقد كان يبدأ نهاره بالاستحمام بالمياه الباردة -شتاءً وصيفاً- وبالتمارين السويدية، التي حاول إحسان الالتزام بها. وكانت المصارعة الحرة من هوايات السكاكيني المعروفة، والتي كثيراً ما كان يفرضها على زملائه وطلابه ومدرسيه. وكان إحسان يعاني من حالات متوسطة من الهوس المرضي -المعروفة بالهايبوكوندريا. وكثيراً ما نجده يفحص جسمه يومياً بحثاً عن دلائل المرض في أطرافه. وكان هاجسه المستمرّ الإصابة بأحد الأمراض المنتشرة في فلسطين خلال الحرب: الملاريا والكوليرا والتيفوس. ولا شك أنّ هذا الهاجس كان مبرراً، فقد مات العديد من معارفه ورفاقه منها.

 

تميزت القدس عن جميع العواصم الإقليمية العثمانية بتوفّر مرافق صحية متطورة، وذلك بسبب وجود مستوصفات ومستشفيات حكومية وإرسالية أعطت للفلسطينيين خيارات صحية متعددة(58). وكان إحسان على اتصالٍ دائم بطبيبين من أقربائه هما: حسن شكري وحسين فخري الخالدي -ابنا خالتيه- وكانا قد تخرّجا حديثاً من الكلية الطبية في بيروت والتحقا بالطاقم  الطبي للجيش العثماني بالقدس. وكانت علاقته قوية بجاره الأجزخاني (الصيدلي) رستم أفندي أبو غزالة، الذي لعب دوراً في محنته الأخيرة التي أدّت إلى مقتله عام ١٩١٧. وفي زياراته العديدة إلى عيادة الدكتور توفيق كنعان -الباحث المعروف ومدير المستشفى العسكري في القدس- الذي كان طبيب العائلة. وقد اعتمد إحسان على كنعان في الحصول على إجازات صحّية سمحت له بالهرب من الدوام العسكري بين الفينة والأخرى. وعندما اكتشف إحسان التهاباً في خصيته في أحد الأيام انتابه الرعب، خصوصاً بعد أنْ عاينه الدكتور حسن، وأخبره أنّه يعاني من "الداء الإفرنجي"، نجده يحتجّ على هذا التشخيص للداء مستعملاً التعبير المنسوب إلى مريم العذراء عندما أخبرها ملاك الرب أنّها حامل "كيف أصاب وأنا لم يمسسني بشراً!!"(59)، وهنا يلمح الخالدي إلى أنّه ربما حصل عليه "من معاشرة الجنود"، مما يدفع إحسان إلى التهديد بالانتحار. وكان هاجسه حينها أنْ يصاب بمرض يمنعه من الزواج من محبوبته ثريا. في النهاية اختفى الالتهاب بعد العلاج وعاد إحسان إلى رشده. يبدو من الملاحظات المعاصرة أنّ الممارسات المثلية كانت منتشرة في حامية القدس العسكرية، كما هو الوضع في تجمعات الجيوش بشكل عام. لكن عندما بدأ أحد الضباط الأرناؤوط (الألبان) في مغازلة إحسان، ثم ملاحقته بدون هوادة، وجد نفسه في مأزق عويص. كان الأرناؤوطي يكتب له رسائل غرامية يعبر فيها عن رغبته في اللعب بشعره "وتقبيله بين عينيه". وعندما صدّ إحسان الضابط بجفاء، تحول الأخير إلى نغمة التهديد، وأخذ يضطهده في ساعات الدوام وبعد العمل في بيته. ثم اعتاد هذا الأخير أنْ يزوره ليلاً ويهدده بالقتل. أخيراً عندما ضاقت الدنيا بإحسان لجأ إلى الشكوى لقائده الأعلى، على روشن بيك -وكان ألبانياً أيضاً مثل الضابط- بالرغم من خوفه من انتقام خصمه هذا.

 

في هذا المعطف الدرامي تتوقف اليوميات فجأة. ويلقى الحادث ظلاً قاتماً على ظروف اختفاء الترجمان، خصوصاً على ضوء الرواية المتداولة في العائلة والتي تقول إنّ ضابطاً عثمانياً اغتال إحسان قبيل انسحاب الجيش ودخول قوات الجنرال اللنبي إلى القدس في ٩ كانون الأول ١٩١٧.

 

يحتل البحث عن الحب جزءاً كبيراً من يوميات الترجمان. وتجربته هنا لا تختلف في جوهرها عن معاناة أي شاب عربي في مطلع القرن الماضي. وكما هو الحال في مذكرات محمد الفصيح، بالرغم من انشغال هذا الأخير بتدهور الوضع العسكري في جبهة القتال، نرى التعطّش لبدء حياة طبيعية مع زوجة وأبناء يشاركونه حياته، خصوصاً على ضوء ظهور النساء في حيّز العمل والميادين العامة، ولو بشكلٍ محدود. وسمح انتشار التعليم والكتابة لرجال ونساء الطبقات الوسطى في المدن أنْ يتبادلوا الرسائل، ثم بالالتقاء علناً، بمباركة عائلاتهم. ونستشف من الرسائل الغرامية المتبادلة في العقدين الأولين من القرن العشرين أن تطلعات الشباب نحو الحب قد تأثرت بقراءة الروايات الرومانسية الأوروبية المنتشرة حينذاك(60). كما ساهم المصورون المحليون، من أمثال الصوابيني وخليل رعد وكارابديان، في توفير صور البورترية النصفية، التي اعتاد الأصدقاء والعشاق أن يتبادلوها بمناسبة الأعياد وعند السفر. أصبحت الصور الشمسية عربوناً للصداقة، ورمزاً لتذكر المحبوب في فترات الغياب الطويلة. وغالباً ما نرى الجندي وقد لبس أحسن ما عنده (وقد تكون البزة مستأجرة)، أو لبس اللباس العسكري الرسمي، وحمل البندقية من جهة وسيفاً مرصعاً باليد الأخرى(61). بعكس كتابات الحب التي وصلتنا في رسائل معاصرة بأقلام مثقفي الطبقة الوسطى في ذلك الحين، من أمثال السكاكيني والصيداوي وجبران، كانت تجربة الحب عند الترجمان مكتومة ومحاصرة، لأن معشوقته، ثريا، كانت بعيدة المنال. ولم تكنْ عائلتها على استعداد للتجاوب معه -بالرغم من شعورها نحوه- لأنّ مهنته كجندي عادي لم تؤذن بمسّتقبل واعد أو دخل محترم. ومما عقّد الأمور أنها كانت متحجبّة معظم الأوقات، ولم يكن باستطاعته استراق النظر إليها إلا في لحظات نادرة عندما كانت تدخل إلى حوش منزلها حيث كان يختبئ مترصداً قدومها. استطاع أخيراً أنْ يترك لها صورته مع أخيها، على أمل أن تبادله بصورتها. وما زاد إحباطه كان ظهور أحد منافسيه في طلب ودّها، وهو شاب أكبر منه وأوفر حظاً في الدخل والمقام -يشير إليه الكاتب بالأحرف الأولى من اسمه أ.ب. ويبدو من السياق أنّ أ.ب. قد يكون إشارة مخفية إلى اسم عادل جبر الذي كان أستاذاً في الكلية الصلاحية وصديقاً مقرباً من السكاكيني، وعضواً بارزاً في حلقة "حزب الصعاليك". من حسن طالع الترجمان أنّ ثريا وأمها لم تتجاوبا مع مبادرة أ.ب. لكسب ودها. لكن الخطر بقي قائماً لأنّ الأب كان يتحدث عن إمكانية زفافها على خاطبين آخرين. وفي كل الأحوال، يبدو أنّ هجوم الترجمان الشرس على توجّهات عادل جبر المؤيدة للسياسات العثمانية كان غطاءً لنفوره الشخصي من الأخير، وغيرته على تودده نحو ثريا. أصبحت محبة إحسان لثريا، وفشله في الحصول عليها، رمزاً لبحثه الدؤوب على حياة طبيعية. وقد حرمته الحرب وحياته في الجندية من هذا المبتغى. ونرى في أحلام اليقظة التي كان يعيشها يومياً مادة خصبة للهروب من الخدمة العسكرية -وللانتقال إلى دعة الطبيعة الريفية، حيث كان يتخيل نفسه وقد أصبح مزارعاً، واستقر في بيت السعادة مع ثريا. نرى هذا المشهد مكرراً أيضاً في تخيلات محمد الفصيح بالرغم من انضباطه العسكري -أو ربما بسبب هذا الانضباط- حيث كانت تنتابه غالباً رغبات دفينة في الانتقال المفاجئ من ميدان المعركة إلى هدوء الحياة الزوجية. وفي حالته كان الحلم في الوصول إلى حياة عائلية مستقرة أكثر إلحاحاً، على ضوء الحياة المزرية والموت المتوقع الذي كان يواجهه يومياً في خنادق جناق قلعة: "اليوم انتابتني أحلام اليقظة، وتخيلت نفسي سعيداً في وسط أسرتي محاطاً بالأطفال. يا ترى هل سأعيش لأرى هذا اليوم؟" (٢٢ تشرين الثاني ١٩١٥. "يا إلهي! هل سيأتي اليوم الذي أنجب فيه طفلاً، ويناديني يا أبي؟" (٢٤ تشرين الثاني.) "هل سأحيى لأرى حبيبتي؟ يا رب خالق السموات والأرض وكل المخلوقات التي تسكنها. حقق لي هذا الرجاء. إن حياتي الطافحة بالأسى ستبقى مجرد حسرة وتمنيات (4 كانون الأول ١٩١٥)(62).

 

بالمقارنة، تظهر نهاية الحرب في مخيلة الترجمان، الذي أمضى كل سنوات شبابه في الحرب، كَبَّر أمان الذي لا يمكن أنْ يوجد إلا في بلاد أخرى. وهي في الغالب تأخذ شكل بيت زوجي سعيد في الريف السويسري، بالرغم من أنّ الكاتب لم يغادر فلسطين في حياته قط. ولا شك أنّه كان يستعير هذا التصور -كما هو الحال في تعابيره في الحب- من قراءاته الرومانسية. نراه أيضاً في مناجاته لثريا، وهي المنعزلة عنه في بيتها، والمحرم عليه أنْ يراها، وهو يعمم وضعها على وضع المرأة العربية والمسلمة بشكل عام. وقد أصبحت حقبة ما بعد الحرب مرتبطة في ذهنه بقضية تحرير النساء. والتحرير عنده كان يعني انعتاق المرأة من عزلتها المنزلية. أصبح السعي إلى حياة طبيعية الهاجس الملح للأغلبية العظمى من الشباب -عساكر ومدنيين- ممن خاضوا أهوال الحرب العظمى. وارتبطت نهاية الحرب في أذهانهم بتحقيق سحري للحريات المفقودة الواعدة، ولعالم السكينة الذي افتقدوه في سنوات الحرب. كما بدت نهاية الحقبة العثمانية الآن وكأنها بداية لنظام جديد عقلاني، بالرغم من هلامية هذا النظام في الجدل السياسي السائد حينذاك: الوطن السوري، أم الاتحاد المصري الفلسطيني، أم نهضة جديدة للأمة العربية؟ بعكس العديد من معاصريه ورفاقه عبر الترجمان عن آماله هذه برغبة سلبية: الهزيمة النكراء لجيشه، والانحلال السريع "لدولته" السلطانية.

 

الخلاصة

عالجت في هذه الدراسة تأثير الحرب العظمى من خلال أكثر من مستوى من مستويات الرؤيا: مستوى بلورة الهوية الوطنية القومية، ومستوى استبطان تجربة الحداثة في أحاسيس الناس. يظهر هذان المستويان للوعي، بعد مضي قرن من الزمن، وكأنهما خطاب واحد متكامل، بالرغم من كونهما تجربتين منفصلتين في وجدان الناس الذين عاشوا أهوال الحرب العظمى.

 

فأحاسيس الحداثة التي شملت ظهور الفردانية، والحب الرومانسي، وزيادة فرص الحراك المهني، والحياة المستقلة عن العائلة (وإن كانت حياة تعتمد على حيّز العائلة) كلها تحولات خاضها الناس كتجارب لم ترتبط في أذهانهم، بالضرورة، بتبلور وعي قومي جديد في فلسطين، مع أن الظاهرتين تزامنتا. ذلك أنّه على الرغم من ارتباط هذين الحدثين معاً -بمعنى أن التغيير الأول أوجد الإطار الهيكلي لحدوث الثاني فالواقع أنهما كانا منفصلين كتجربة حياتية. فقد كان ظهور الفردانية المستقّلة عن إطار العائلة والقوم تجربة حادة وواضحة المعالم واتخذت شكل التمرد الإبداعي والاستقلال الفردي، في حين كان التعبير عن الهوية الوطنية كانتماء متعد للارتباطات المحلية -بعكس المتوقع- هلامي ومجرد.

 

تتميّز أهمية يوميات العسكري إحسان (كما هو الوضع مع يوميات الفصيح وآخرين من المقاتلين) في بعدين: أولاً، في أنّ مؤلفيهما كانا جنديين عاديين وغير مساءلين اتجاه السلطة من خلال آرائهما أو أعمالهما، إلا بالمعنى الأخلاقي الضيق. وثانياً، أنّ كتاباتهما دُوِّنت في لحظة حدوث الحدث، وبذلك سمحت لنا أنْ نستمع إلى خطاب ذلك الزمان بلغته، وأنْ تعيش التجربة كما تجلت للكتابة آنياً. فهي بالنهاية أفكار وأحاسيس لا تشوبها الرقابة الذاتية، ولا تخضع لعملية إعادة الصياغة على ضوء التجربة الاسترجاعية.

 

تلقي يوميات الحرب أضواء جديدة على التغيرات التي اجتاحت الحياة اليومية في مدن المشرق العربي في نهاية الحقبة العثمانية. نرى ذلك في وصف محمد الفصيح ليوميات القتال في جبهة جاليبولي، وفي يوميات الحياة اليومية لإحسان الترجمان في القيادة العسكرية العثمانية في القدس، بالرغم الاختلاف الجذري في رؤيا الكاتبين، وتجربتهما المتباينة في الحرب. فهذه اليوميات تعكس تحديداُ تمايز التركيب الإثني، والتغيير في الوعي والانتماء الوطني في أوساط جنود وضباط الجيش العثماني. قاتلت، وقُتَلت، أعداد كبيرة من العرب في الجانب العثماني، تجاوزت بعدة مرات أعداد أولئك الذين قاتلوا في صفوف الثورة العربية المناهضة للأتراك، وذلك بالرغم من اختلاف درجات الانتماء والتماثل لهؤلاء الجنود مع أهداف الجيش السلطاني، كما نرى بوضوح في يوميات الفصيح والترجمان. إلا أنّ الحرب والدمار الذي خلفته المعارك خلقا أوضاعاً جديدة أدت إلى إحداث انفصام في أشكال الانتماءات الإثنية والقومية. وخلافاً للإجماع الشائع حول تأريخ تلك الفترة، فإن الجدل الذي نستشفه من هذه اليوميات حول مستقبل فلسطين وسوريا يظهر تبايناً واضحاً بين التيارات الفكرية في المدن الرئيسية. ويبدو أنّ محاولات جمال باشا لبلورة وتشجيع التيار الإسلامي العثماني في أوساط المثقفين الشاميين -من خلال منهاج الكلية الصلاحية ومشاريع تربوية مماثلة- كان لها مريدون وأتباع. ومن الممكن القول إنّ انتصار التيار العروبي الانفصالي لم يكنْ بالدرجة الأولى ناتجاً عن التحريض السياسي لمناصري هذا الاتجاه بقدر ما كان يشكّل ردة فعل مناهضة لقمع المثقفين الوطنيين وجمعياتهم وأحزابهم، والامتعاض الشعبي الواسع من أساليب السلطة في ضرب هذه الجمعيات.

 

كذلك لعب فشل الحملة العسكرية العثمانية لاحتلال مصر في معارك السويس وبير السبع دوراً هاماً في خلق مناخٍ لفكرة "الخيانة العربية" في أذهان القيادة العثمانية، مما مهّد الطريق للتحالف الحجازي-البريطاني ضد القوات العثمانية. وتلقي مذكرات فالح رفقي بيك -سكرتير جمال باشا الخاص- إضاءة هامة على هذه الرؤيا من الجانب التركي. بالرغم من هذا التحول في العلاقات التركية-العربية، فإنّنا لا نرى إجماعاً معادياً للفكرة العثمانية في أوساط النخب السورية-الفلسطينية المثقفة. ومع أنّ الجماهير العربية كانت متعطّشة للخلاص من الحرب، ومجيء حقبة سلام، لاستعادة حياتها الطبيعية إلا أنّ التيار الراعي للانفصال السوري كان واحداً من عدة تيارات سياسية، اشتملت تلك التي كانت تدعو إلى الوحدة مع مصر، وبالطبع تلك التيارات التي رأت مستقبل فلسطين في حكومة عثمانية لا مركزية تحوز الأقاليم العربية فيها على الحرية والإدارة الذاتية. والملفت للنظر أنّ أنصار هذا التيار العثماني بقوا على ولائهم خلال الحرب والسنوات التي تلتها. فوق كل شيء، شكّلت الحرب العظمى انفصالاً واضح المعالم مع الحقب السابقة. عبّر عن هذا الانفصال ضابط عربي من قرية عنبتا بعد انتهاء الحرب بعدة عقود. خدم الأومباشي محمد علي عوض في جبهات السويس وجناق قلعة (جاليبولي) قبل أنْ يعود إلى مسقط رأسه في فلسطين. «قاتلت في الدردنيل ضد جيوش الإنكليز من أجل وطنٍ عثماني لم يعد له وجود ومع ذلك بقيت أقطن نفس الأرض»(63).

 

تقودنا يوميات الحرب التي ناقشناها هنا إلى (بلد آخر) لا نكاد نستطيع التعرف إلى ملامحه في حاضرنا بعد مرور قرن من الزمن وأربعة حروب عنه. ففي هذه البلاد العثمانية لم يكن هناك وجود فعلي للمشروع الصهيوني، وكانت العلاقات الاجتماعية والتحالفات معرّفة بحدود البلدة أو المدينة أو الناحية التي ينتمي إليها المرء. أما الحدود الجديدة فقد انطبعت في ذهن المواطنين بمواقع القتال العسكرية في الدردنيل (غرباً) وكوت العمارة (شرقاً) والسويس وصحراء التيه (جنوباً). إلا أنّ فظاعة الحرب جعلت المواطن يتساءل حول المسلمات الأساسية في استيعابه لمفاهيم مثل العائلة والعمل والأمة. اتخذ هذا الانفصام عدة سمات. من جهة، انحسمت الخيارات السياسية المتعددة خلال الحرب بمجيء السلطات الانتدابية في سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن. كما انحسمت التوقعات الشعبية حول التحالفات المتوقعة بين سوريا (أو فلسطين) ومصر بترسيم حدود جغرافية فاصلة بين المحميات الانتدابية. ولم تعدْ المدينة هي البوتقة الأساسية لتحديد مفهوم المواطنة، وإنما أصبحت قاعدة الانطلاق التي تربط شبكة من الأقاليم والمدن في إطار وطن جديد مبتور عن انتماءاته الشامية. وبدلاً من الحراك الذي أنتجته الحرب، من خلال التعبئة العسكرية والتهجير العنصري للمدنيين، نشأ حراك آخر طوعي، يرتكز إلى التجارة والمهنة والبحث عن فرص العمل المأجور. فجأة أصبح حلم إحسان الخيالي في إيجاد شريكة لحياته خارج حدود مدينته احتمالاً وارداً، بل واقعاً جديداً.

 

أمّا بالنسبة للتحولات في الوعي، فنستطيع الجزم بأنّه ما من حرب خاضتها فلسطين كان لها هذا الأثر الجذري على حياة الأمة. حتى حرب النكبة، عام ١٩٤٨ ، التي أدّت إلى تدمير بنية المجتمع وتشريد أهالي الساحل عن مدنهم وقراهم وخلق أجيال من أبناء المهجرين كلها، لم تؤدِّ إلى مثل هذا الانقطاع والانفصال عن الماضي القريب.


--------------------------------------------------------------------------------

1) احتسبت تاريخ ولادة إحسان الترجمان من وثائق العائلة التي زودني بها السيد صالح الترجمان.

٢) جميع المعلومات عن حياة محمد الفصيح مستمدة من الترجمة الانجليزية ليومياته "مذكرات الملازم محمد الفصيح، الجيش الخامس السلطاني، ١٩١5" تحرير إحسان الترجمان ١٩١٥-١٩١6، وسأشير إلى هاتين المجموعتين أدناه بيوميات الفصيح ويوميات الترجمان.

3) حسن دانشمان، مقدمة يوميات الفصيح، المصدر السابق صفحة ٨.

4) يوميات الفصيح، صفحات ١٣٦-١٣٩.

5) دانشمان، صفحة ٢٠٩.

٦) جميع المادة حول حياة الترجمان مستمدة هنا من يوميات إحسان الترجمان.

7) حسب إفادة السيد صالح الترجمان، وهو ابن أخي إحسان، عُرِف آل الترجمان باسم دار الصالح وكانوا من الأسياد. وفي القرن الثامن عشر اضطر شريف العائلة أنْ يبرز وثائق ثبوتية في محكمة حلب تظهر انتماء العائلة السلالة الشريفة. مقابلة مع صالح الترجمان في ٢٢ كانون الثاني ٢٠٠٦.

٨) حجّة وقف قاسم بيك الترجمان، محكمة القدس الشرعية، الملف رقم ٢٠١، صفحة ١٣٠ أشكر الدكتور محمد غوشة لتزويدي بهذه الوثائق من محكمة القدس.

٩) حجة وقف أحمد بيك الترجمان ١٧٣٥، سجلات محكمة القدس الشرعية، رقم ٢٢٧ صفحة ٢٨٩.

١٠) من مقابلة مع السيدة هدى الخالدي عبد الشافي والسيد صالح الترجمان حفيد حسن بيك (تشرين اول ٢٠٠٤ ، وكانون الثاني ٢٠٠٦).

11) حتى اليوم ما تزال تُعرَف الطريق الموصلة باب الجديد بباب العامود عند العامة وكبار المقدسيين "بعقبة المنزل".

12) عمر صالح البرغوثي، "المراحل": المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ٢٠٠١، صفحة ١٥٤.

١٣) المراحل صفحة ١٦٥.

14) مذكرات الضابط سركيس بوغوسيان، ضابط أرمني من القدس، مخطوطة، وقد زوّدني بهذا المصدر السيد جورج هنتليان (المصدر الأرمني).

١٥) نظارة الداخلية، مديرية المراسلات العمومية، برقية رقم ٤٥٦٢- 9٥٤، ٨ حزيران ١٣٣٥ (حزيران ١٩١٩) الأرشيف العسكري العثماني.

١٦) السجل الوحيد لموت الترجمان يظهر في مذكرات خليل السكاكيني عندما كان يقبع في سجنه العثماني في القدس يوميات السكاكيني، المجلد الثاني، صفحة ٣٤٨ (الخميس ١١ تموز ١٩١٨) مؤسسة الدراسات المقدسية ومركز خليل السكاكيني.

17) وليام بغاف، "أنشودة الرصاصة" (سيمون وشوستر نيويورك ٢٠٠٥) أشار إليها بنكاج ميشرا في نيويورك ريفيو أوف بوكس، ٢٦ أيار ٢٠٠٥.

18) زوّدني بهذه المعلومات السيد صالح الترجمان، مقابلة في ١١ كانون الثاني ٢٠٠٦. وقد درس إحسان في الكلية الدستورية بإدارة السكاكيني، أما أخواه عادل وعارف فقد درسا في كلية المطران، في حين تلقت أخواته الثلاث، اسمى وسيرت ويسرى، علومهن في مدرسة راهبات صهيون في القدس.

١٩) يعقوب العودات "الشيخ محمد الصالح" في "أعلام الفكر والأدب في فلسطين"، دار الأسماء، القدس ١٩٩٢- صفحات ٣٤٣-٣٤٢.

20) مارتين ستروماير "الكلية الصلاحية: جامعة عثمانية في القدس" في "القدس العثمانية: المدينة الحية ١٥١٧-١٩١٧" (بالانجليزية)، تحرير سلڤيا أولد وروبرت هيلينيراند، منشورات التاجر لعالم الإسلام، لندن ٢٠٠١، الصفحات ٥٧-62.

2١) سترو ماير، المصدر السابق، صفحة ٦٠.

22) يوميات الترجمان؛ "عادل جبر يدافع عن الحكومة" ٥ أيار ١٩١٥، "وهل عادل أفندي جاسوس عثماني؟" ١٥ أيار ١٩١٥.

٢٣) يوميات الترجمان، الصفحات نفسها.

24) استعمل محمد عزة دروزة هذا التعبير في يومياته، كذلك ستروماير، لكن من وجهة نظر مغايرة. غير أنّ الإثنين يشتركان في التقييم نفسه لأهداف جمال باشا.

٢٥) ستروماير، صفحة ٦١.

26) ستروماير، الصحفة نفسها.

٢٧) المراحل، صفحة ١٨٧.

28) مذكرات جمال باشا، الدار العربية للموسوعات، بيروت ٢٠٠٤. راجع خصوصاً الفصل الثامن "الثورة العربية" الصفحات ٢٤٤-٢٢٩.

29) يوميات السكاكيني، ٢٨ آذار ١٩١٥، المجلد الثاني الصفحات ١٥٨-١٥٩.

30) المصدر نفسه ١٩١-1٩٢.

31) فالح رفقي [أتاي]، زيتون داجي، إستانبول ١٩٣٢. اعتمدت على ترجمة جيفري لويس في مقالته عن رفقي "ضابط عثماني في فلسطين، ١٩١٤- ١٩١٨" في كتاب دافيد كوشنر "فلسطين في الفترة العثمانية المتأخرة" القدس ١٩٨٦ (بالانجليزية).

32)  فالح رفقي، المصدر السابق ذكره، صفحات 407-408.

33) فالح رفقي، صفحة ٤٠٥.

34) فالح رفقي، صفحة ٤١١.

35) فالح رفقي، صفحة ٤١٢.

36) فالح رفقي، صفحة ٤١٢.

37) فالح رفقي، صفحة ٤١٢.

38) المراجل، صفحة ١٨٧.

39) فالح رفقي، صفحة ٤١٣.

40) فالح رفقي، صفحة ٤١٤.

41) جون بيرجر "إيمان مسبق" في كتابه "حول الرؤيا" (بالانجليزية) دار نشر ڤيكنج، نيويورك ١٩٩١ صفحة ١٣٠.

42) محمد عزة دروزة، المذكرات.

43) يوميات الترجمان "الحكومة تفرض ضريبة الجراد على أهالي القدس" الجمعة ٢٣ نيسان ١٩١٥، صحفات ٣٣-34.

44) الجوهرية، القدس العثمانية، صفحات ٢٠٠-201.

45) الترجمان "بغايا القدس يحتفلن بذكرى اعتلاء السلطان محمد رشاد إلى العرش"، الثلاثاء ٢٧ نيسان ١٩١٥ ، صفحة ٤٧-٤٨.

46) الترجمان "المعلمون يدعون البغايا إلى قاعات الدراسة"، أيار ١٢ مايس ١٩١٥، صفحة 72-٧٣.

47) الترجمان، "لقاء مع مومسة" الخميس ٢٩ نيسان ١٩١٥، صفحة ٥٠ وكان المجيدي يساوي ٢٠ قرشاً عثمانياً.

48) الترجمان، المصدر نفسه.

49) الترجمان، "عندما يسكر روشن بيك تتعطّل الدائرة العسكرية" الأربعاء ٢٨ نيسان ١٩١٥، المخطوطة، صفحة ٤٨.

50) الترجمان، "المصائب تعزونا مرة واحدة: حرب وغلاء وجراد وأمراض سارية"، ٩ مارس ١٩١٥. المخطوطة، صفحة ٦٨.

٥١) الترجمان، "ثورة الشريف حسين علي السلطة العثمانية" ١٠ تموز ١٩١٦، المخطوطة صفحة ١٨١.

52) الترجمان، "لست عثمانياً" إلا بالاسم لأنّ وطني العالم، الجمعة ١٠ أيلول ١٩١٥، المخطوطة صفحة ١٣٠.

53) خليل السكاكيني، اليوميات، الكتاب الثاني ١٩١٤-١٩١٨، مؤسسة الدراسات المقدسية ٢٠٠٤ وصفحة ١٨٦-١٨٧.

54) السكاكيني- اليوميات، الكتاب الأول صفحة ٣.

55) "القراءة في فلسطين: الطباعة وانتشار التعليم ١٩٠٠-١٩٤٨" ٢٠٠٤.

٥٦) يستفيض في تحليل تبعات اكتشاف حّيز الليل على الحياة الاجتماعية يانس هانسون في دراسته "الأخلاق العامة والهامشية الاجتماعية في بيروت في نهاية القرن [التاسع عشر]" في كتاب "الخارج والداخل: على هوامش الحداثة في الشرق الأوسط" تحرير  يوجين روجان؛ ي.ب. توراس، لندن ٢٠٠٢ الصفحات 189-195.

57) يعقوب العودات، "الشيخ محمد الصالح" في "أعلام الفكر والأدب في فلسطين"، القدس ١٩٩٢ صفحات ٣٤٢-٣٤٣.

58) كامل العسلي، "مقدمة في تاريخ الطب في فلسطين حتى ١٩١٨" منشورات الجامعة الأردنية، عمّان ١٩٩٤.

59) يوميات الترجمان، "قصتي مع الداء الإفرنجي- لم أمسّ بشراً" ٨/10/1915.

60) لم أجد الاّ ثلاث مجموعات من الرسائل الغرامية المتبادلة بين معاصري هذه الفترة في فلسطين: رسائل خليل السكاكيني وسلطانة عبده (١٩٠٧- ١٩٠٨)، رسائل موسى العلمي وخطيبته الحلبية ابنة الجابري، ورسائل الفونسى ألونزو إلى خطيبته في القدس عفيفة صيداوي (١٩١٠-١٩١٢).

61) راجع كتاب عصام نصار "لقطات مغايرة"، بيروت ٢٠٠٦.

62) يوميات الملازم محمد الفصيح، استانبول ١٩١٥، المصدر السابق الصفحات 110، 123، ١٦٢-163.

٦٣) من مراسلات مع حفيد الضابط، الدكتور سمير عوض، رام الله ١٦ تموز، ٢٠٠٦.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د.أسامة الأشقر

الأمير الجرّار ! إنه أمير ابن أمير، شهيد ابن شهيد !

الثلاثاء 6 شباط 2018 - 12:48 م

 أسرة أزديّة قحطانية يمانية قديمة استوطن أجدادهم في بلقاء الأردن قبل الإسلام وانتقل فرع منهم في بدايات القرن الثامن عشر إلى جنين وما حولها وتولى أحد أعيان مشايخهم سنجق جنين، وكثيراً ما يطلق عليهم لقب … تتمة »

محمد أبو طربوش

جرار على خطى القدس

الثلاثاء 6 شباط 2018 - 12:28 م

  دم جديد يسيل على خطى تحرير القدس، لينهض العالم من جديد من براثن سبات طال، دم كتب حقيقة غابت عن الكثرين الحالمين بالسلام، وهي أن حربنا مع العدو الصهيوني هي حرب عقائدية وليست حربًا ضد الفلسطينيين أو ض… تتمة »