القدس في ذكرى "النكسة": أما آن لقيدها أن ينكسر؟

تاريخ الإضافة الأحد 7 حزيران 2015 - 11:33 ص    عدد الزيارات 14957    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 تعيش القدس منذ استكمال احتلالها عام 1967 مسلسلاً متواصلاً من التهويد تنفّذه  "إسرائيل" بعد أن أفرغت الشطر الغربي من المدينة من الوجود العربي عقب احتلال عام 1948 لتستمر محاولاتها لتكريس القدس "الموحدة والكاملة" عاصمة للدولة العبرية. وترزح القدس اليوم تحت ثقل احتلال يصادر أرضها، ويستغلّ مقدراتها، وينتهك مقدساتها، ويقسّم أحياءها ويضيّق الخناق على أهلها ويهدم بيوتهم ويهجرّهم. 

يعمل مشروع التهويد في القدس على مستويين يهدف الأول إلى التلاعب بالهوية الدينية والثقافية للقدس فيما يركّز الآخر على التحكم بالميزان الدّيمغرافي عبر كمّ من السياسات التي تبرز بشكل خاص في الاستيطان، والتهجير، بالإضافة إلى الجدار العازل. وتعتبر هذه الآليات أهم وسائل الاحتلال في إعادة رسم الخارطة الديموغرافية للقدس بما يضمن تفوّقًا عدديًا لليهود مع ما يترتب على ذلك من تغيير وجه المدينة العربي والعبث بمكوّناتها الإسلامية والمسيحيّة.

ويعيش في شرق القدس اليوم حوالي 300 ألف مقدسي يشكلون 37% من إجمالي السكان في القدس، فيما يبلغ عدد المستوطنين في الشطر الشرقي ما يقارب 200 ألف تمكنت سلطات الاحتلال من زرعهم في البلدة القديمة وفي أطواق تحيط بها وتصل إلى أطراف القدس عبر سياسة الاستيطان. ويبلغ عدد المستوطنات حوالي 29 مستوطنة علاوة على مئات البؤر الاستيطانية التي يقيمها بعض المستوطنين ثم لا تلبث سلطات الاحتلال أن تمنحها شرعية قانونية. ويتوالى قادة الاحتلال على تأكيد تمسّكهم بالاستيطان كسياسة ثابتة وجزء من المشروع الصهيوني على قاعدة أن "لليهود الحق في البناء في أي مكان في القدس، عاصمة إسرائيل".

وفي مقابل تعزيز الوجود اليهودي في شرق القدس، تعمل سلطات الاحتلال على تقليص الوجود العربي عبر سياسات متنوعة لعل أبرزها سياسة هدم المنازل وتهجير المقدسيين وحملهم على ترك مدينتهم. فسلطات الاحتلال صادرت حوالي ثلث أراضي الفلسطينيّين في القدس منذ عام 1967 لتبني عليها آلاف الشقق للسكّان اليهود، وهي تمنع المقدسيين من البناء وتتقشف في منحهم التراخيص ومن ثم تعمد إلى هدم ما بنوا بحجة عدم الترخيص. وقد بلغ عدد المنازل المهدمة بين من 2004 حتى أوائل 2013 حوالي 442 وحدة سكنية وتشرد نتيجة لذلك 1,764 شخصًا. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل سلطات الاحتلال على تقليص عدد المقدسيين عبر نزع بطاقات الإقامة حتى تجاوز عدد البطاقات المسحوبة 14,300 ما بين عامي 1967 و2014. ويضاف إلى هذه الممارسات إقدام سلطات الاحتلال على تطويق القدس بجدار الفصل العنصري الذي عزل ما يزيد على 90,000 مقدسي عن مركز المدينة بات عليهم عبور الحواجز في كلّ يوم للوصول إلى المدارس ومراكز الاستشفاء وغير ذلك. ولا يتوقف الجدار عند إعادة رسم حدود المدينة والتأثير في البنية الديمغرافية بل إنه يرسم هذه الحدود لمصلحة الاحتلال. فهو وإن أقيم بذريعة المحافظة على الأمن الإسرائيلي إلا أن تعرج مساره يوضح دوره في معركة التهويد حيث إنّه يعزل أحياء مقدسية كاملة كما يضم بالمقابل مستوطنات الضفة الغربية بما يساهم في تعديل الديمغرافيا لمصلحة اليهود فيما يقصي المقدسيين عن مدينتهم.

وقد انعكست السّياسات الاحتلالية المستمرة منذ بدء احتلال القدس على حياة المقدسيين فقرًا، وتهميشًا، واقتصادًا متراجعًا. فالأرقام تشير إلى أن حوالي 75% من المقدسيين يعيشون تحت خط الفقر فيما تصل النسبة إلى85% بين الأطفال.

وبموازاة التهويد الديمغرافي يعتمد الاحتلال سياسات لا تقل خطرًا لتهويد القدس دينيًا وثقافيًا، وينال المسجد الأقصى حظًا وافرًا من مساعي التهويد هذه عبر الاقتحامات شبه اليومية، والدعوات إلى تقسيمه وبناء المعبد، والمطالبة بالسماح لليهود بالصلاة فيه، وبناء الكنس حوله، وإقامة الحفريات أسفل منه وفي محيطه. وفي خضمّ محاولات السيطرة على الأقصى تعمل سلطات الاحتلال على استهداف حركة الرباط فتبعد المرابطين والمرابطات، وتصدر أحكامًا بمنعهم من دخول الأقصى كما تنقضّ على الجهات والمؤسسات التي تلعب دورًا أساسيًا في تنظيم حركة الرباط ورفد المسجد بالمرابطين.

هذا بعض من معاناة المقدسيّين الذين لم يتمكّن الاحتلال، على مدى عقود من سياسات الترغيب والترهيب، والإبعاد والتضييق، من ترويض إرادة الصمود والتصدي لديهم. فهم لا يزالون خط الدفاع الأول عن الأقصى، والقابضون على ركام منازلهم المهدّمة كيلا يتركوا أرضهم، وهم المتصدّون في الميادين لسياسات الاحتلال، ورصاصاته، الصامدون رغم التّخاذل العربي والإسلامي الذي يسهّل على الاحتلال التمادي في اعتداءاته. واليوم، ومع تذكّر "النكسة" فمن المهم التأكيد أن استعادة القدس، لمن هو صادق في استعادتها، لا تكون عبر بيانات الإدانة والاستنكار بل بالوقوف خلف المقدسيين ودعم صمودهم، وتبنّي مقاومتهم تمهيدًا لاستعادة كل الأرض الفلسطينية المحتلة والتحرير الكامل.  

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

زيارة القدس.. تطبيع أم تحرير؟

التالي

القدس العتيقة تنفض غبار الاحتلال وتتزين لاستقبال رمضان

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »