الأقصى بين جنون الإحراق والتهويد

تاريخ الإضافة الثلاثاء 18 آب 2015 - 12:39 م    عدد الزيارات 11082    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

في 21/8/1969 أقدم المتطرف مايكل روهان على إشعال حريق في الأقصى أتى على منبر نور الدين زنكي (المعروف بمنبر صلاح الدين) وكاد أن يأتي على أجزاء واسعة من المسجد. سلطات الاحتلال التي أخّرت عملية إخماد الحريق سارعت إلى إيجاد طريقة تبرئ بها روهان فبنت المحكمة الإسرائيلية قرارها على أساس أنه مجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم، فمضت جريمة الإحراق من دون عقاب.


على المقلب العربي والإسلامي، تداعت 25 دولة لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي (لاحقًأ منظمة التعاون الإسلامي) كردّ على إحراق الأقصى وللوقوف في وجه سياسات الاحتلال وممارساته التي تستهدف الأقصى والقدس، وفلسطين. وقد استندت المنظمة التي تأسست في الرباط في 25/9/1969 إلى طرح مبادئ الدفاع عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة، وذلك كمحاولة لإيجاد قاسم مشترك بين جميع فئات المسلمين. وبدا من هذه الخطوة أن المسلمين رسموا أحد خطوط الدفاع عن الأقصى، وأنهم سيمنعون الاحتلال من التمادي في جرائمه.


مرّت سنوات على إحراق المسجد وعلى إنشاء منظمة التعاون، والمشهد واحد: عجز وتآكل إسلامي، وتمدد إسرائيلي كثّف فيه الاحتلال عمليات تهويد الأقصى، وهذه المرة ضمن عملية إحراق هادئ لا تندلع فيها ألسنة اللهب، ولا تأكل نيرانها منابر المسجد، ولكن تتحرك باتجاه بسط قواعدها على الأقصى، والتحكم بقواعد الدخول إلى المسجد، والتدخل في عمل الأوقاف، والاعتداء على المرابطين، وعلى حراس المسجد وسدنته، ناهيك عن إحاطته بالكنس لإعطاء طابع يهودي يحاول منافسة الهوية الإسلامية للمكان وطمسها.


وفي إطلالة سريعة على حال الأقصى والمخططات التي يعدّها الاحتلال فقد كشف مؤخرًا عن مساعي أذرع الاحتلال إلى المصادقة على مخطط لبناء كنيس "جوهرة إسرائيل" في البلدة القديمة بالقدس، وهو عبارة عن بناء مقبب للإيحاء بأقدمية الوجود اليهودي في القدس، ومن المخطط أن يكون الأضخم بعد "كنيس الخراب" الذي افتتحه الاحتلال عام 2010، حيث يرتفع 6 طبقات ويمتد على مساحة 1400 متر مربع هي أراضي وقف إسلامية.


البلدة القديمة لا تشهد فقط على ارتفاع أبنية غريبة عن هوية المكان، وعن ماضيه، وحتمًا عن مستقبله، بل هي أيضًا تشهد على حواجز يقيمها الاحتلال ليعرقل وصول المسلمين إلى مسجدهم، وعلى عناصر الشرطة تتعرّض للمرابطات فتعتدي عليهن بالضرب وتمنعهن من دخول الأقصى، ومن ثمّ وصولاً إلى ساحاته حيث تشكل الاقتحامات جزءًا من المشهد اليومي، مع محاولات "منظمات العبد"، مدعومة من بعض الوجوه السياسية البارزة، الدفع باتجاه تشريع صلاة اليهود في الأقصى. وللاحتلال مع المرابطين قصّة أخرى حيث تتوالى القرارات بإبعادهم عن المسجد أيامًا وأشهرًا، في حين عملت مؤخرًا على اعتقال الحراس من موظفي الأوقاف خلال تصديهم للاقتحامات.


وفي ظلّ التصاعد المستمر في الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد، أعلنت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي في 6/8/2015 أنّها بصدد الاستعداد لعقد قمة استثنائية لبحث التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية والقدس والأقصى. وقالت الأمانة العامة في بيان صحفي إنّ "عقد القمة يأتي في إطار ما توليه منظمة التعاون الإسلامي من أهمية خاصة للقضية الفلسطينية، قضية المسلمين الأولى، والجهود المتواصلة التي تبذلها الأمانة العامة لحشد الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة على المستويين الإسلامي والدولي، بهدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وإقامة دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية".


قد لا يكون من الممكن التعويل كثيرًا على القمة الاستثنائية التي لم يحدد موعدها بعد، وقد يكون من الممكن تأكيد عجزها عن اتخاذ موقف حاسم وصارم حيال الاعتداءات، مع تذييل ذلك بعبارات التنديد والتّحذير من مغبة التّمادي في الانتهاكات، من دون الاتجاه إلى موقف عملي يمكن ترجمته على الأرض بما يضع حدًا لحفلة الجنون التي ينغمس فيها الاحتلال لتهويد الأقصى. وتسجيل الموقف السياسي عبر رفض الاعتداءات أمر مطلوب، لكنه ليس كافيًا لوقفها خصوصًا أنّ بعضًا من هذه الدول التي تستنكر ممارسات الاحتلال تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية مع "إسرائيل" بينما يبشّر بعض مسؤوليها بمستقبل أفضل في ظل التّطبيع.


من استوى يوماه فهو مغبون، والأقصى أيامه متساوية من جرّاء التّقصير في نصرته ضدّ الانتهاكات الإسرائيلية اليومية في ظل ما يشاع عن محاولات لتسوية سياسية تسعى إلى تكريس الوجود اليهودي فيه.


إنّ الأقصى هو قلب القدس، وهذه قلب فلسطين، وفلسطين قلب الأمّة العربية والإسلامية لا يستقيم للحرية والكرامة معنى من دون الدفاع عنها حتى تحريرها، والأقصى –بما هو عنوان للمقدّس الديني والسياسي والتاريخي والثقافي والحضاري– يحتاج إلى كلّ مكونات الأمة أن تضطلع بدورها لنصرة المسجد وأهله من دون تأجيج خلافات وصراعات تتظلّل بها "إسرائيل" لتستمر في مشروع التهويد.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس قبل احتلالين

التالي

إحراق الأقصى ذكرى وذاكرة ..

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »