نساء حول بيت المقدس

تاريخ الإضافة الإثنين 14 حزيران 2010 - 7:18 م    عدد الزيارات 6746    التعليقات 0     القسم

        



لا يدعي أحد أن العمل لأجل بيت المقدس حكر على الرجال وحدهم دون النساء، سواء كان ذلك في التاريخ القديم أو الحديث. ولكن حين نأتي إلى الواقع نلاحظ قلةً – إن لم يكن ندرةً – في أخبار محبة النساء لبيت المقدس والعمل لنصرة هذه الأرض الطاهرة في الحرب والسلم. والسبب هنا قد يكون تغليب النظرة الذكورية على تاريخنا – كما قد يدعي البعض – أو غياب الوضوح في دور النساء في عمران بيت المقدس بنياناً وإنساناً. وأياً كانت الأسباب، فإن غياب الدور النسائي في كتبنا وإعلامنا لا يعني بحالٍ غياباً حقيقياً للمرأة عن الساحة المقدسية. بل إن المرأة حاضرة بقوة في بيت المقدس وساحة نصرة هذه القضية، ونصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف كما نصوص التاريخ تؤكد هذه المسألة.

فالقرآن الكريم يوثق ما يمكن اعتباره أول عمل نسائي لأجل بيت المقدس، عندما تحدث عن المرأة المجاهدة امرأة عمران، وخصص لهذه المرأة الجليلة سورة كاملة سميت باسم (آل عمران) لا باسم عمران نفسه. وهذه السورة توثق في الحقيقة لحظةً تجلٍّ لامرأة عمران حين نذرت ما في بطنها فداء لبيت الله المقدس، فالعائلة باتفاق المؤرخين كانت في القدس، بل إن ما يشهد لكون هذا النذر خاصاً بالأقصى هو اسم الفتاة الصغيرة التي ولدت بعد النذر، (مريم) عليها السلام، وهذا الاسم يعني باللغة الآرامية السائدة في فلسطين في ذلك الوقت: (خادمة بيت الله). إذن فبيت المقدس في الصورة من أول الآيات إلى آخرها.

وهذا نموذج آخر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يشهد الحديث النبوي الشريف للنساء بالاهتمام ببيت المقدس والتفكير فيه كما الرجال. وانظروا إلى السيدة ميمونة بنت سعد رضي الله عنها، مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه ابن ماجه وأبو داود وأحمد بن حنبل وهي تسأله: (يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس... الحديث). وكذلك كانت السيدة أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها عندما روت حديث الإهلال بالعمرة من بيت المقدس وقامت بذلك بالفعل.

ولم يكن هذا إلا نبراساً تهتدي به النساء دهوراً من الزمان، فهذه أم الخليفة العباسي المقتدر بالله تبادر لترميم قبة الصخرة، وهذه السيدة عصمة الدين خاتون زوج الملك العادل نور الدين زنكي وزوج السلطان الناصر صلاح الدين يوسف من بعده تقدم كل حياتها لتحرير المسجد الأقصى المبارك. ثم هذه السيدة تركان خاتون تبني المدارس في القدس في عصر المماليك، وكذلك السيدة طنشق المظفرية التي قدمت بيتها ليصبح مدرسة للأيتام، وتبقى هذه المدرسة تعمل حتى اليوم في القدس بعد زهاء ستمائة عام. وكذلك فعلت السيدة روكسيلانة زوج السلطان سليمان القانوني في العصر العثماني، والتي أنشأت التكية الأشهر في بيت المقدس (تكية خاصكي سلطان)، ليقدم فيها الطعام يومياً للفقراء، واللطيف أن هذه التكية ما زالت توزع الطعام مجاناً على فقراء بيت المقدس كل يوم منذ خمسمائة عام حتى اليوم.

هذه النماذج ليست مجرد صور معزولة، وإنما هي نتاج حضارة كبرى قدمت لبيت المقدس نساءً ورجالاً على مر التاريخ، وما زال التاريخ يشهد للنساء اليوم بالتقدم في الصفوف، والعطاء بلا حدود لبيت المقدس، خاصة في ظل محنة الأرض المقدسة التي ترزح تحت الاحتلال الغاشم منذ أكثر من ستة عقود.

إن دور النساء في عصر الاحتلال يجب أن يسجل بحروفٍ من ذهب، فكلنا سمع بدلال المغربي التي قدمت روحها في أكثر العمليات جرأة ضد الاحتلال في قلب تل الربيع (التي يسمونها اليوم تل أبيب) وعرفت بأنها كانت أول استشهادية في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصر. وكلنا يعرف هبة دراغمة ووفاء إدريس ودارين أبو عيشة وريم الرياشي وغيرهن ممن سرن على نفس الدرب.

غير أن هذا ليس ما برعت فيه النساء فقط، فخنساء فلسطين أم نضال فرحات أعادت للأمة العربية والإسلامية ذكريات الخنساء الأولى وهي تقدم فلذة كبدها فداءً للأرض المقدسة وتودعه وتشجعه على المضي والتقدم في مقاومة الاحتلال، فاتحةً بذلك الطريق لخنساوات أخريات يطلقن هذا النموذج الذي عجز العالم عن فهمه في عصرنا الذي اتسم بالمادية.

لم يكن هذا درب نساء بيت المقدس فقط، فالأقصى المبارك حوله نساء قدمن كل ما يملكن من أجله، والنماذج كثيرة وعظيمة تشهد لها حجارة القدس وزيتونها وهواؤها. وربما لم يركز الإعلام على دور النساء الرائد في هبة الدفاع عن الأقصى التي رأيناها أخيراً أو التي سبقت، لكن الوفاء لحقهن يوجب أن نذكر مواقف من بطولات النساء في الدفاع عن الأقصى المبارك، فأذكر في بداية انتفاضة الأقصى عام 2000م أنني رأيت أخاً مصاباً ممدداً على طاولة في عيادة المسجد الأقصى المبارك، وكان وحيداً ليس له أحد في القدس على ما كنت أعلم، فهبت امرأة كبيرة سناً وقدراً من بيت المقدس لتمسح جرحه وتصيح حزناً عليه وهي تناديه ولداً لها دون أن تعرفه أو يعرفها، وما كان ذلك إلا لتضمد جراحه وتخفف عن نفسه ألم الوحشة والوحدة والإصابة. بل سيذكر التاريخ – وإن لم يذكر الإعلام – المواقف البطولية في وقفة نساء بيت المقدس في هبة الأقصى يوم 16/3/2010م بعيد افتتاح ما سمي (كنيس الخراب) ومحاولة الصهاينة اقتحام الأقصى ووضع حجر الأساس لبناء المعبد المزعوم، فتوافدت النساء زرافاتٍ ووحداناً إلى الأقصى وانتشرن في كل زاوية فيه بعد أن منع الصهاينة الرجال من الدخول. واصطفت مئات النسوة أمام باب المغاربة لحماية المسجد الأقصى من أي اقتحام صهيوني، وما إن أطل عليهم شرطي صهيوني واحد برأسه حتى تناولته النسوة وأذقنه المر ضرباً وركلاً حتى خلصته منهن وِحدةٌ متكاملة من الشرطة الصهيونية.

هذه المواقف ليست لنساء القدس فقط، وليست حكراً على نساء فلسطين قديماً وحديثاً، فالعمل لأجل بيت المقدس اليوم مفتوح بل مطلوب من كل سيدة أو فتاةٍ في أي بقعة في عالمنا المعاصر، وكم كانت سعادتي غامرةً وأنا أشهد انطلاق روابط للنساء والفتيات لأجل القدس والمسجد الأقصى المبارك هنا وهناك كانت آخرهن رابطة شباب لأجل القدس العالمية للنساء التي انطلقت في بيروت في 26/3/2010م، لتعلن وحدة الهم، ووحدة العمل، ووحدة القضية الكبرى. وليس ذلك تمنناً أو تقدمةً وإنما هو واجب تقوم به كل فتاة وكل امرأة تسير بذلك على خطى امرأة عمران ومريم وأم سلمة وميمونة والخنساء ومغربي وكل اللاتي قدمن الغالي والرخيص لأجل الأرض التي قدسها الله عز وجل وبارك فيها.

أملنا اليوم فيكن أيتها النساء.. فأنتن اللاتي ستقدمن لهذه الأمة من سيحررون أقصانا وقدسنا وفلسطيننا المسلوبة، وليس ذلك عنا ببعيد.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

في ذكرى الاحتلال.. الأقصى والدور المركزي

التالي

" استراتيجية إساءة وجه إسرائيل"

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د.أسامة الأشقر

لمى خاطر ... القضية إنسان !

الثلاثاء 24 تموز 2018 - 10:55 ص

في عتمة الليل يأتيك اللصوص الخطّافون، تُمسِك بهم أسلحتُهم ذات الأفواه المفتوحة، يقتحمون البيوت بعيونهم الوقحة، وتدوس أقدامهم أرضاً طاهرة ... وفي علانية لا شرف فيها يقطعون الأرحام وينتهكون الحرمات يتعم… تتمة »