كيف مهّدت اتفاقية وادي عربة للاعتداءات الإسرائيليّة على الأقصى؟

تاريخ الإضافة الجمعة 26 تشرين الأول 2018 - 11:50 ص    عدد الزيارات 437    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

يصادف اليوم مرور 24 عامًا على توقيع معاهدة السّلام بين الأردن ودولة الاحتلال، المعروفة باتفاقية وادي عربة. والاتفاقية التي رعت السّلام بين الجانبين كانت الثالثة بين دولة عربية ودولة الاحتلال، بعد كامب ديفيد وأوسلو، وفي حين أنّها أخرجت الأردن عمليًا من دائرة الصراع العربي-الصهيوني فقد وسّعت في الوقت ذاته قُطر العباءة العربية التي تتدثّر بها كاعتراف بها يغطّي شرعيتها، ويفتح المجال أمام المزيد من اعتداءاتها على الأراضي، والموارد والمقدّرات العربيّة. وتضمّنت الاتفاقيّة تنظيم جملة من الأمور بين الأردن ودولة الاحتلال، منها ما هو متعلّق بالمياه وحرية الملاحة، والعلاقات السّياسية والدّبلوماسية، والاقتصادية، والتعاون الأمني بين الجانبين. وتطرّقت في المادة التاسعة منها إلى الأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية، ومنها المسجد الأقصى، ولعلّ قراءة متأنّية للمادة تفسّر الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد اليوم، حيث توحي اللغة المستخدمة أنّ دولة الاحتلال هي صاحبة الأمر في القدس، وهي تعطي الوصاية للأردن، وتقرّ بدوره التّاريخي، وستأخذ هذا الدّور بعين الاعتبار عند مفاوضات الحلّ النهائي، في تجاهل تامّ للقرارات الدولية التي أقرّت الدور الأردني في الأقصى قبل توقيع الاتّفاقية بعقود. ويؤكّد هذه اللغة المستخدمة في المادة التاسعة الكاتب الإسرائيلي نداف شرغاي الذي أشار إلى أنّه "بموجب اتفاقيّة السلام إسرائيل أعطت الأردن، من بين الدّول العربية الأخرى، سلطة على جبل المعبد".

البند الأول من المادة التاسعة، يمنح كل طرف للطّرف الآخر حرّية الدخول للأماكن ذات الأهمّية الدّينية والتّاريخية. وعلى الرغم من أنّ هذا البند لم يتطرّق صراحة إلى المقدّسات في القدس، إلّا أنّه لا يمكن إخراج المسجد الأقصى تحديدًا من دائرة الأماكن ذات الأهمية الدّينية والتاريخية: إمّا بالنسبة إلى الأردن صاحب الوصاية على المسجد منذ عام 1924، أو بالنسبة إلى الاحتلال وفق مزاعمه حول "المعبد" وإذا افترضنا أنّ البند معني بالمقدّسات الواقعة ضمن "الحيّز الجغرافي" لكلّ من الجانبين. وفي أهون الشّرّين، أي إن سلّمنا بأنّ البند يقصد الأردن، فإنّ ذلك يوحي بأنّ دولة الاحتلال بات لها حرية الدخول إلى المسجد برضا من الوصيّ عليه.

ثم يأتي البند الثاني من المادّة التّاسعة وهو أكثر وضوحًا، ويسمّي صراحة الأماكن الإسلاميّة المقدسة في القدس. ويقول البند ما حرفيّته: "وبهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن، تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدّسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النّهائي ستولي "إسرائيل" أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن". وتظهر دولة الاحتلال في هذا البند صاحبة اليد العليا في ما يتعلّق بالمسجد الأقصى، أحد الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس الخاضعة للوصاية الأردنية. فالبند يشي بأنّ "إسرائيل" هي من ستقرّر بخصوص الأقصى، وستقرّر الوجه الذي سيكون عليه "دور" الأردن، ويمكن التّكهّن بآلية ترجمة "إسرائيل" احترام الدور التاريخي للأردن، في حين أنّا نرى "احترامها" القانونَ الدولي وشرعة حقوق الإنسان كلّ يوم في الأراضي المحتلة.

كذلك، فإن الاحترام الذي تعد به دولة الاحتلال يمكن تلمّسه بوضوح في النموذج الذي ساد بعد توقيع الاتّفاقية، وفي الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة التي تشكّل اعتداءً على دور الأردن التاريخي، وعلى الوصاية الأردنية على المسجد. فثمّة الاعتداءات على موظفي الأوقاف التابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الأردنية، وحملات الاعتقال التي ينظمها الاحتلال بحقّهم، وقرارته بإبعادهم عن المسجد، مكان عملهم، ومنعهم من مزاولة عملهم، وإلزامهم بالابتعاد عن المستوطنين مسافة تضمن عدم تدخّلهم لمنع هؤلاء من أداء الصّلوات التلمودية في المسجد. يضاف إلى ما تقدّم تدخّل الاحتلال في عمل مديرية الأوقاف الإسلامية المولجة الإشراف على أعمال التّرميم في المسجد، فيمنع إدخال المواد اللازمة، أو يمنع أعمال التّرميم؛ ومحاولة تركيب بوابات إلكترونية على أبواب الأقصى بعد عملية الجبارين في 14/7/2017؛ وقد أشار تقرير عين على الأقصى السنوي الصادر عن مؤسسة القدس الدولية بالتّفصيل إلى جملة الاعتداءات التي تطال الدور والوصاية الأردنية على الأقصى. وعلاوة على ذلك، فإنّ مطلب إنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى هو مطلب نشطاء "المعبد" وداعميهم، وقد تقدّم عضو "الكنيست" السابق موشيه فيجلين، عام 2014، باقتراح قانون بهذا المضمون سرعان ما سحب من التداول بعد الاعتراض الأردني عليه. ووقّع 47 نائبًا أردنيًا حينها على التماس للمطالبة بإعادة النّظر في اتفاقية وادي عربة على خلفية هذا الطّرح. وثمّة حالات أخرى أثير فيها مطلب إلغاء الاتفاقيّة، أو مراجعتها، منها مطلع عام 2009 على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي عام 2014 على خلفية قتل جندي إسرائيلي القاضي الأردني رائد زعيتر، وكذلك بعد قتل حارس سفارة الاحتلال في عمان مواطنين أردنيين في تموز/يوليو 2017. لكن في كل الحالات، كانت الأمور تعود إلى طبيعتها، وتستأنف العلاقات الدبلوماسية كأنّ شيئًا لم يكن.

أمّا البند الثالث من المادة التاسعة فيشير إلى العمل بين الطرفين الأردني والإسرائيلي "لتعزيز حوار الأديان بين الأديان التوحيدية الثلاثة بهدف بناء تفاهم ديني والتزام أخلاقي وحرية العبادة والتسامح والسلام"، فهل حرية العبادة تشمل صلاة اليهود في الأقصى؟ وهل التسامح والسلام يعني تقبّل المسلم والمسيحي لمن احتلّ أرضه؟ أم ثمّة مآرب أخرى؟

ربّما اكتنف المادة التاسعة بعض الغموض حول ما تريده بنودها الثّلاثة، لكنّ الاعتداءات الإسرائيليّة المتمادية على القدس والأقصى تفسّر مقاصدها بوضوح، وما يُراد أن تؤول إليه الأمور. وفي ضوء التجارب السابقة حول مراجعة الاتفاقية، ونجاح الضغط الشعبي والحزبي والنقابي بعد أشهر من الحراك في حمل الأردن على إعلان إلغاء الملحقين الخاصّين بالباقورة والغمر (مع الإشارة هنا إلى أنّ هذا الإعلان يتبعه تفاوض بين الجانبين الأردني والإسرائيلي حول عدم التجديد)، فإنّ ضغطًا مماثلاً يظلّ مطلوبًا لحمل الحكومة الأردنية على التعاطي الجدّي مع الاتجاه الشعبي الرافض للاتفاقية التي ساعدت دولة الاحتلال على تحدّي القرارات الدولية الصادرة حول الأقصى والوصاية الأردنية على المسجد في انتهاكات لا تعدّ ولا تحصى.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

اعتداءات الاحتلال بحق الأوقاف الإسلامية وموظفيها في المسجد المبارك

التالي

الدّرك الأسفل من التّطبيع مع الاحتلال!

مقالات متعلّقة

براءة درزي

سلامٌ على إبراهيم في المقدسيّين

الإثنين 5 تشرين الثاني 2018 - 10:06 ص

 قبل أربعة أعوام، في 5/11/2014، نفّذ المقدسي إبراهيم العكاري، من مخيّم شعفاط، عمليّة دهس في شارع عناتا غربي القدس المحتلة. العملية كانت إحدى العمليات التي نفّذها فلسطينيون ضمن ما اصطلح على تسميتها بهب… تتمة »