تجارب التاريخ تتحدث: كيف قام أهل القدس بالعناية بالمسجد الأقصى أوائل الدولة العباسية؟

تاريخ الإضافة الإثنين 20 كانون الثاني 2020 - 10:59 م    عدد الزيارات 999    التعليقات 0     القسم مقالات

        


د.أسامة الأشقر

رئيس مجلس إدارة مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية وعضو اتحاد الكتاب العرب

لقد كان خراب المسجد الأقصى هو الشغل الشاغل لسكان القدس، فاستغلّوا فرصة زيارالخليفة العباسي الثاني أبوجعفر المنصور لمدينتهم ليحدثوه عن الضرر الكبير الذي لحق بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة، ولابد أنهم حدثوه عن الأضرار البالغة التي أصابت المنازل والمرافق بسبب الزلزال عام 130هـ، ويمكن أن نتخيّل أنهم حدثوه عن طول فترة الخراب التي زادت عن عشر سنين، وهي حقبة التأسيس الأولى للدولة العباسية التي خاضت أشد معاركها، وأكثرها دموية في العشرية الأولى لميلادها، مما استنزف مواردها؛ وربما كان ملف ترميم المسجد الأقصى، وإعادة العمران للمدينة لم يكن في أولويات الخليفة، بل كان في جملة اهتماماته التي يبحث لها عن حلول أثناء زيارته، إذ لا أظنه كان غافلاً عن الدمار الذي لحق بالمدينة وأسوارها، لاسيما أنه أنفق إنفاقاً عظيماً على المدينة المنورة عندما زارها في طريقه إلى القدس، فيما أظهرَ الحاجة والفاقة في موضوع القدس ، وربما تسبب وقوفه المباشر على الأنقاض والهدم في تغيير مستوى الاهتمام إلى الأولوية، وزاد إلحاحُ الناس عليه من عنايته بالأمر، لاسيما أنه يزور مدينة مقدسة، ومن المعيب أن يتركها دون أن يضع بصمةً فيها، لكن العائق المادي وقف حائلاً دون اتخاذ قرار سريع بسبب ضخامة تكاليف الأولويات الأمنية والعسكرية في دولة شاسعة مضطربة الأوضاع، مما جعله يُداوِل الأمرَ مع سكان القدس وأعيانها، واعترف لهم بعدم وجود موازنة للمشروع، ويبدو أن مقترحات المداولة قد انتهت إلى قرار بقلع صفائح الذهب والفضة التي كانت على أبواب المسجد الأقصى وعمائره الأموية، فقُلعت وضُربت دنانير ذهبية ودراهم فضية، أنفقت على عمارته حتى فرغ ، وربما كان سكّ العملة قد جرى خارج فلسطين أو في القدس نفسها بقرينة وجودٍ رسمي لدار السكّ في عهد الخليفة المأمون كما سنبيّن بالتفصيل في مبحث الحياة الاقتصادية، فكان هذا المشروع المؤقت بمثابة حجر الأساس لدار سك العملة بعد ذلك.


ويبدو أن مطالب أهل القدس كانت فوق النفقات الضرورية الرسمية التي قُرِّرت لهذه المدينة، ويظهر أنه جرى الانتهاء من كثير من تفاصيلها، وأن الزيارة كانت تهدف أيضاً إلى شهود اختتام أعمال الترميم في أحياء المدينة ومرافقها الرئيسة وجامعها الأقصى، ؛ وبيت القصيد فالمطلبُ الملحّ إذاً كان في إعادة المسجد الأقصى بكل جمالياته إلى الوضع السابق وليس إلى مجرد تجهيزه لأغراض العبادة والصلاة؛ ويدفعني للقول بذلك أنه قد بدأ العمل في ترميم عمارة المسجد الأقصى في المحرم سنة 137هـ وفرغ في ذي الحجة سنة 140هـ ، وإذا أخذنا الأمر بظاهر الرواية التاريخية دون تحليلها فإن بعضهم يدافع عن موقف المنصور المتردد بأن الدولة العباسية كانت في بداياتها، وليس لديها أموال كافية لازمة لأغراض الصيانة، كما أنه لم يحوِّل صفائح الذهب والفضة لخزينة الدولة، بل استخدمها لأغراض الترميم .


وهناك رواية مهمة نقلها ياقوت الحموي تصرّح بوضوح بأن ميزانية الدولة المركزية لا يمكنها أن تتحمل تكلفة إعادة البناء بالمستوى الجماليّ نفسه، إذ قال له مستشاروه أو خبراء البناء إنك ( تَعْيا دون أن تقدر على ذلك)، فأمر الخليفة أمراء الأطراف والقواد أن يبني كل واحد منهم رواقاً ، فبنوه أغلظ وأوثق مما كان عليه سابقاً ؛ وهذا يعني أن هذه الأموال التي اقتطعت من ميزانيات الأقاليم والقطاعات ( الأطراف والقواد) لم تكن كافية للترميم مما اضطرهم لاستخدام صفائح الذهب والفضة؛ وكانت النتيجة بناءً قوياً حول موضع المحراب الأصلي مع أعمدة رخام ثبتت في الزلزلة، وأما الأسطوانات المشيدة خلاف ذلك فهي عمارة عباسية محْدَثة.


ومن المؤسف أن هذه العمارة العباسية الأولى لم تدُمْ، إذ تعرضت المدينة لزلزال آخر في خلافة المنصور نفسه، أدت إلى خراب جديد.


ومن الملفت أن هذا الذهب والفضة في عمارة المسجد الأقصى لم يتعرض للنهب والسرقة في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي مرت بها القدس طوال ثلاثة عشر عاماً من أواخر عشرينيات القرن الثاني الهجري وحتى نهاية ثلاثينياته، مما يعني أن القدس قد أحاطت نفسها بحماية أهلية وقيادة ميدانية، وأنها رتّبت شؤونها مع القيادات الجديدة بسياسة إيجابية متعاونة، أو ربما أن القدس كانت آمنة نسبياً مقارنة بالمحيط الصاخب من حولها؛ أو أن السلطة العباسية الجديدة قد أعدّت لها ترتيبات أمنية خاصة لم تصلنا أخبار تاريخية عنها.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الرياضة المقدسية من العهد العثماني حتى العام 2019

التالي

40 رئيس دولة في القدس- قمة المنافقين في يد فشيم

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »