متحدون ضد "صفقة القرن" وضم الضفة

تاريخ الإضافة السبت 11 تموز 2020 - 3:23 م    عدد الزيارات 359    التعليقات 0     القسم مقالات

        


منير شفيق

الأمين ‏العام للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج

 

يعتبر مخطط نتنياهو بضم مناطق من الضفة الغربية، ومحاولته فرض السيطرة الأمنية على المسجد الأقصى لتقسيم الصلاة فيه، تطبيقاً لما سمي بـ"صفقة القرن" التي هي جريمة القرن. وقد حدد موعداً ليوم التنفيذ، وهو الأول من شهر تموز/يوليو لعام 2020.

 

ولهذا بدأت الاستعدادات الفلسطينية والشعبية العربية والإسلامية، وعدد مقدر من أحرار العالم لمواجهة قرارات الضم وإحباطها سواء أكان تنفيذها دفعة واحدة، أم جزءاً جزءاً، على خطوات متتابعة. وكان من بين هذا الاستعداد تشكيل لجنة تحضيرية لملتقى عربي عام يحشد أوسع القوى الشعبية العربية لمواجهة جريمة القرن ("صفقة القرن") وخطوات الضم.

 

وقد اندلع، في الآن نفسه، صراع انخرطت فيه أغلبية الحكومات والأحزاب في العالم، للضغط على حكومة نتنياهو، لعدم الإقدام على الضم دفعة واحدة، أو جزءاً جزءاً. فإلى جانب أغلبية حكومات وأحزاب العالم بما فيها موقفا الفاتيكان وأمانة الأمم المتحدة تحركت أيضاً كل من أوروبا وروسيا والصين لتشارك في ممارسة الضغوط على نتنياهو وحكومته. وهذه من الدول التي تعتبر صديقة للكيان الصهيوني، وتقيم مع حكومة نتنياهو علاقات قوية. مما كشف شدة العزلة التي ضربت عليه عالمياً.

 

طبعاً كان لأوروبا دور أساسي في التأثير على قرار نتنياهو، وفي مقدمها بريطانيا راعية تأسيس المشروع الصهيوني. وقد حذرته بعبارات قوية من الإقدام على الضم.

 

وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير في إجبار نتنياهو على التراجع عن قراره جاءت من الانقسام الأمريكي الداخلي، وارتباك إدارة دونالد ترمب نفسها. وقد امتد هذا، بالضرورة، إلى الداخل الصهيوني الذي انقسم بدوره ضاغطاً على نتنياهو ليعيد حساباته، ومحذراً من فقدان السيطرة الأمنية على الضفة الغربية وشرقي القدس، في حال الإقدام على تلك الخطوة. ويجب بهذا الصدد ملاحظة أهمية الموقف الرسمي والشعبي الأردني الذي تربطه بفلسطين حدود واسعة من عدة مئات من الكيلومترات. مما هدد حتى معاهدة وادي عربة. فضلاً عما يعنيه شعب الأردن في حالة المواجهة ضد الضم بالنسبة إلى جماهير الضفة الغربية.

 

هذه العوامل جميعاً حين تجمعت في لحظة واحدة مع وحدة موقف فلسطيني شاملة، وتهديد شعبي حقيقي بالانتقال إلى الانتفاضة، فرضت على نتنياهو أن يُمرر يوم الأول من تموز/يوليو كأي يوم عادي. وقد تراجع، بذلّة ومهانة، عن تنفيذ كل ما توعد ووعد به من ضم. الأمر الذي يوجب، أول ما يوجب، أن يسجل هذا التراجع باعتباره هزيمة سياسية ومعنوية مدوية لنتنياهو، وكانت ستفرض عليه الاستقالة لو أنه يحترم نفسه.

 

أما البُعد الآخر، والأكثر أهمية من هزيمة نتنياهو، فهو ضرورة التدقيق في ميزان القوى العام عالمياً وإقليمياً وعربياً وفلسطينياً، بمختلف أبعاده. مما أدى إلى تلك الهزيمة "السهلة"، حتى من دون الوصول إلى الميدان وإراقة الدماء.

 

لقد تبين أن إدارة دونالد ترمب ضعيفة ومرتبكة ولا تستطيع أن تفرض، عكس ما توقع البعض، تصفية للقضية الفلسطينية من خلال مشروعها المسمى زوراً بـ"صفقة القرن". كما تبين في الإطار نفسه أن الوضع الداخلي الأمريكي منقسم ليس على مستوى الحزبين الجمهوري والديمقراطي فحسب، ولا على مستوى: مَنْ مع ترمب ومَنْ ضده فحسب، وإنما أيضاً على مستوى الانقسام الذي عبرت عنه ردود الفعل على قتل الشرطة "البيضاء"، لجورج فلويد. وقد أطلقت هبّة شعبية واسعة ضد عنصرية الدولة الأمريكية.

 

وتبين على المستوى الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يعاني بدوره من تناقضات داخلية وصراعات وارتباك سياسي. مما ولّد ضعفاً عاماً جعله الأكثر حرصاً على الضغط على نتنياهو لعدم تنفيذ قرار الضم . وذلك ليس انطلاقاً من موقف مبدئي. فقد اعتاد الموقف الأوروبي تاريخياً أن يعارض عدداً من الخطوات الإسرائيلية، ويؤيد قرارات دولية، ضد سياسات، أو ممارسات، لحكومات الكيان الصهيوني، إلاّ أن أوروبا كانت في الوقت نفسه تغطيها بعدم تطبيقها، وبشل أي دور فلسطيني، أو عربي مضاد لها. وكانت تترك الزمن يكرسها. ولكن هذه المرة خشيت على نتنياهو وحكومته. بل على الكيان كله من ردة الفعل على الضم، مما قد ينجم عنه، ما لا سيطرة لأمريكا وأوروبا والكيان الصهيوني عليه.

 

فالدافع الأول للموقف الأوروبي، خصوصاً، البريطاني في الضغط على نتنياهو وحكومته للتراجع عن الضم هو الخوف من رد الفعل الشعبي الفلسطيني، وتحريكه لدعم واسع له، عربياً وإسلامياً وعالمياً. وهو ما سيُحرج حكومات الغرب ويهدد بما لا تحمد عقباه.

 

وتبين أيضاً أن ثمة قوة فلسطينية هائلة شعبية وعسكرية (قطاع غزة) وهناك محور المقاومة يجب أن يُحسب لهما ألف حساب. وذلك إذا ما توحدت وخاضت معركة مواجهة ضد الضم، وعلى التحديد مع قوات الاحتلال والمستوطنين. وهو ما ينصح أن يُقرأ جيداً في مواجهة تحديات ما بعد مرحلة عدم تنفيذ قرارات الضم.

 

الرأي الأغلب والأحوط فلسطينياً وعربياً وإسلامياً سيعتبر أن نتنياهو لن يتخلى عن الإعداد لجولة ضم جديدة من قِبَل حكومته، أو من قِبَل أية حكومة ستأتي بعدها. وهذا التصور صحيح من حيث المبدأ، أو الأساس أصلاً في تشكل المشروع الصهيوني. ولكن من الضروري رصد سياسات نتنياهو في المرحلة الحالية من أجل مواجهتها، لأن المهزوم يحتاج إلى فترة غير قصيرة لاستعادة أنفاسه، والعودة إلى المعركة التي خسرها.

 

ولهذا فإن أمام الوضع مرحلة تمتد لأشهر. لا يستطيع فيها نتنياهو العودة للضم، ما لم تحدث تغيرات أساسية في مصلحته في موازين القوى العامة التي أودت به إلى الهزيمة. وهو ما لا مؤشر إليه، لا عالمياً، ولا إقليمياً، ولا عربياً، وفلسطينياً، ولا داخلياً في الكيان الصهيوني. فالمرحلة الحالية والقادمة سيتحرك فيها نتنياهو بعيداً من تكرار الضم باستثناء بعض التصريحات لإنقاذ ماء الوجه أو لذر الرماد في العيون. فالعوامل التي أدت إلى هزيمته ما زالت أمامه.

 

فالمتوقع أن يركز همه على السيطرة الأمنية على المسجد الأقصى، وتمييع الموقف الفلسطيني، وعلى معركته الداخلية الخاصة من جهة والرهان، من جهة أخرى على نجاح ترامب، أو حدوث انقلاب في سياسته، في حالة فشله في الانتخابات، فيقول له اذهب إلى الضم ونحن معك في الشهرين السابقين للتسلم والتسليم. ولكن هذا إذا حدث فالهزيمة شبه محققة لكليهما. ويا ليتهما يعيدان ارتكاب الحماقة نفسها.

 

ولكن في كل الأحوال ما ينبغي للقيادات الفلسطينية أن تضيع الفرصة الراهنة، ولا سيما، بعد خطوة التوافق التي ظهرت في لقاء صالح العاروري وجبريل الرجوب (حماس وفتح) في 2/7/2020. مما يفترض الانتقال إلى تشكيل قيادة مشتركة على أعلى مستوى بين الفصائل كافة، تثبّت وحدة وطنية، تعتمد تكتيك الانتفاضة لتحقيق هدف دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات بلا قيدٍ أو شرط. أي تحرير الضفة وشرقي القدس.

 

وبهذا لا ننتظر ماذا سيفعل نتنياهو بعد هزيمة قرار الضم سواء استمر يحضر له ليعيد الكرّة، أو لسوى غيره من مخططات، فنمتلك المبادرة في ظروف موازين قوى عامة في غير مصلحة نتنياهو – ترامب، كما أثبتت تجربة هزيمة نتنياهو التموزية الثانية.

 

وبهذا يكون الملتقى العربي العام في 11 و12 تموز/يوليو 2020 قد اتجه لوضع استراتيجية شعبية عربية ليس مشاركة برفض مخططات الضم وصفقة العار فحسب، وليس العمل لتصليب الموقف العربي الرسمي، وإسقاط سياسات التطبيع والعروبة فحسب، وإنما أيضاً في التهيئة لدعم شعبي عربي وإسلامي للشعب الفلسطيني في معركته المتواصلة القادمة، لدحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات، في ظل وحدة وطنية فلسطينية منشودة، ومنتصرة، إن شاء الله. وذلك لمواصلة الطريق لتحرير فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر.

 

إن مؤتمرنا يمكن أن يتحول إلى ملتقى دائم لمواجهة التحديات التي تواجه فلسطين والأمة العربية والإسلامية. فوحدة القوى الشعبية تصبح أشد ضرورة وإلحاحاً وإمكاناً عندما تميل موازين القوى العامة في مصلحتها، وتنتقل إلى الهجوم.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ذوبان دولة اليهود

التالي

الإبعاد عن الأقصى.. استهداف الوجود الإسلامي في المسجد وإعادة تشكيل سلوك روّاده

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »