لقاح كورونا والعنصرية الإسرائيلية

تاريخ الإضافة الثلاثاء 26 كانون الثاني 2021 - 1:17 م    عدد الزيارات 236    التعليقات 0     القسم مقالات

        


د. عبدالله معروف

أستاذ جامعي في جامعة إسطنبول 29 مايو، وباحث ومتخصص في علوم القدس والمسجد الأقصى

 

سعت إسرائيل للترويج لنفسها على أنها أسرع دول العالم في إعطاء اللقاح ضد فيروس كورونا، ولكن هذا الادعاء يخفي وراءه عنصرية واضحة إذ ألغت السلطات الإسرائيلية من حساباتها الفلسطينيين.

 

"كيف أصبحت إسرائيل قائداً عالمياً في إعطاء اللقاحات ضد فيروس كورونا"، بهذا العنوان نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً للكاتبة إيزابيل كيرشنر في بداية العام الجاري، أغدقت فيه الكاتبة المديح لسرعة وقوة إجراءات إعطاء اللقاح الجديد ضد فيروس كورونا في دولة الاحتلال، بحيث فاقت نسبة الذين تناولوا اللقاح فيها دولَ العالم المختلفة، لتصبح إسرائيل الأولى في سرعة توفير وإعطاء اللقاح لمواطنيها بنسبة تصل حالياً إلى 24% من مجموع السكان، متجاوزةً في ذلك الإمارات التي تبلغ نسبة إعطاء اللقاح فيها حالياً 16.5% من عدد السكان.

 

الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتباهي بالقدرات العالية التي تتمتع بها الدولة العبرية خلال مؤتمر صحفي أقامه خصيصاً بمناسبة بدء إعطاء اللقاح نهاية العام الماضي.

 

لكن وراء قصة النجاح الظاهرة هذه جانباً آخر ليس بالضرورة مضيئاً كما تسعى إسرائيل لتصويره للعالم، فمنذ اللحظة الأولى لوصول لقاحات شركة فايزر إلى دولة الاحتلال ثارت قضية كبيرة في وسائل الإعلام العبرية تتعلق بالتعامل مع بعض الفئات "غير المحبذة" فيها، وبذلك نشير إلى الفلسطينيين من سكان مناطق الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر، إضافةً إلى الأسرى الذين يبلغ عددهم حوالي 5000 أسيراً (بينهم 42 أسيرة وحوالي 200 طفل وحوالي 450 معتقلاً إدارياً)، بل وحتى فلسطينيي الخط الأخضر الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

 

 

في البداية ينبغي الإشارة إلى أن سرعة وصول اللقاحات إلى إسرائيل بحيث سبقت بذلك دول العالم – بما فيها الولايات المتحدة نفسها – أثارت استغراب الصحفيين والإعلاميين، خاصةً مع تكتم السلطات الإسرائيلية في البداية على بنود الاتفاق مع شركتَي فايزر ومودرنا.

 

لكن تفسير هذه السرعة ظهر مؤخراً عندما نشرت صحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تقريراً يوم 12 يناير الجاري، أشارت فيه إلى أن إسرائيل دفعت قيمةً كبيرةً للحصول على اللقاح بشكل أسرع من بقية دول العالم، حيث دفعت إسرائيل ما مجموعه 23.5 دولاراً للجرعة الواحدة من اللقاح (أي أن تكلفة لقاح الشخص الواحد على جرعتين تبلغ 47 دولاراً)، بالمقارنة مع 19.5 دولاراً دفعتها الولايات المتحدة للجرعة الواحدة، و14.76 دولاراً دفعها الاتحاد الأوروبي للجرعة الواحدة إلى شركة فايزر.

 

بمعنى أن المال هو الذي تكلم في النهاية في موضوع سرعة وصول اللقاحات، وأرجعت الصحافة الإسرائيلية دفع حكومة نتنياهو هذه المبالغ الإضافية ولهفتها لتكون إسرائيل الأولى في العالم – على الأقل إعلامياً – في إجراءات إعطاء اللقاح إلى سعي نتنياهو لاستثمار هذه القضية لصالحه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة التي ستجري في أواخر شهر مارس المقبل.

 

لكن لدى مراجعة كيفية تعامل الحكومة الإسرائيلية مع موضوع اللقاح، تبين أن حكومة الاحتلال قدمت "إنجازاتها" على اعتبار أنها مسؤولة فقط عن تقديم اللقاح لحملة الجنسية الإسرائيلية – ولا سيما اليهود منهم – بما فيهم المستوطنون الذين يقيمون في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، ولم تأخذ في اعتبارها ولا في إحصائياتها لنسب إعطاء اللقاحات وجود الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

فالإحصائيات الإسرائيلية الرسمية تقدر عدد السكان فيها بما مجموعه حوالي 9 ملايين نسمة، وعملية تقديم اللقاح تتناول هذا العدد فقط. وللعلم، فإن هذا العدد يشمل السكان اليهود داخل الخط الأخضر وفي مستوطنات الضفة الغربية، إضافةً إلى فلسطينيي الداخل. لكنها لا تشمل فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يبلغ عددهم حوالي 6 ملايين إنسان.

 

فإسرائيل أهملت متعمدةً وجود هذا العدد الكبير (6 ملايين) مدعيةً بأن اتفاقية أوسلو تنص على أن على الفلسطينيين في المناطق المحتلة رعاية أنفسهم، وأن إسرائيل غير مسؤولة عنهم صحياً. وهو ما ينفيه خبراء القانون الدولي لأن هذه المناطق تقع تحت مسؤولية إسرائيل العسكرية باعتبارها قوة احتلال.

 

وبالتالي، فإذا جمعنا عدد السكان الذين ينبغي على الحكومة الإسرائيلية توفير اللقاح لهم حسب القانون الدولي وباعتبارها قوة احتلالٍ فإن العدد الحقيقي هو 15 مليون نسمة، مما يعني أن النسبة الحقيقية لإعطاء اللقاح هناك لا تتجاوز 14.4%، إلا أن حكومة نتنياهو تتجاهل الفلسطينيين قصداً، فهم في النهاية لن يفيدوا حكومة نتنياهو في الانتخابات القادمة، إذ لا صوت لهم في الانتخابات.

 

وذلك بالرغم من أن انتشار الفيروس بين الفلسطينيين في الضفة الغربية بالذات قد يؤدي إلى سرعة انتشاره داخل الخط الأخضر وبين المستوطنين الذين يصعب فصلهم عن مناطق انتشار المواطنين الفلسطينيين، مما يؤكد أن نتنياهو لا ينظر إلى الأمر إلا من زاوية الانتخابات الإسرائيلية الضيقة فقط.

 

ويشهد لذلك استمرار إجراءات القمع الإسرائيلية بحق المواطنين المقدسيين وهدم منازلهم دون النظر لخطورة ذلك من الناحية الصحية، وهو ما لا زالت سلطات الاحتلال تفعله كذلك بحق سكان قرية (العراقيب) الفلسطينية في منطقة النقب (وهم من فلسطينيي الخط الأخضر) حيث هدمت سلطات الاحتلال هذه القرية في شمال بئر السبع في النقب 179 مرةً حتى الآن دون أدنى اعتبار لخطر ذلك في انتشار جائحة كورونا.

 

أما الصورة الأكثر قتامةً في هذا الأمر فتبينها القضية التي تفجرت نهاية العام الماضي عندما كشفت وسائل إعلامٍ إسرائيلية وعالمية عن إعطاء وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا أمراً لمصلحة السجون الإسرائيلية بمنع الأسرى الفلسطينيين من استعمال اللقاح إلا بإذن خاص، وأثار ذلك القرار منذ ذك الحين عاصفةً من الانتقادات لهذا التعامل غير الإنساني وغير القانوني من الحكومة الإسرائيلية للأسرى الفلسطينيين.

 

لكن الأمر في الحقيقة كان يتجاوز الحكومة الإسرائيلية إلى بعض الأكاديميين والإعلاميين وغيرهم، فعلى سبيل المثال: نشر أحد الشخصيات العاملة في متحف (ياد فاشيم) / متحف الهولوكوست في القدس سلسلة تغريدات يدعم فيها قرار وزير الأمن الداخلي ويدعو إلى عدم إعطاء اللقاح للأسرى في السجون! وهو ما دعا منظمة الصحة العالمية لدعم مطالبات المؤسسات الفلسطينية بضرورة توفير اللقاح للأسرى وفق اتفاقيات جنيف.

 

ولم ينته الأمر إلا في منتصف هذا الشهر، حيث رضخت سلطات الاحتلال أخيراً للضغوط الدولية وأعلنت أنها ستقدم اللقاح للأسرى في السجون الإسرائيلية بعد تقديمه لمسؤولي السجون، والطريف أن تبرير هذه الموافقة جاء من باب التخوف من نشر المرض وانتقاله من الأسرى إلى السجانين ومنهم إلى خارج السجون فقط، لا من باب الواجب القانوني والإنساني.

 

إن إسرائيل ليست كما تدعي أمام العالم، فقد أثبتت جائحة كورونا أن الصورة المثالية التي تحاول إسرائيل تقديمها للعالم عن نفسها بعيدة جداً عن الحقيقة والواقع. فإسرائيل في الحقيقة كانت من أسوأ دول العالم في نسب انتشار المرض بالنسبة لعدد السكان، وشهد نظامها الصحي انهياراً أدى إلى خروج الأمور عن السيطرة واضطرار الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ الإغلاق التام مرتين لمحاولة السيطرة على المرض. كما أن إسرائيل أولاً وأخيراً نظام فصل عنصري لا يخجل من أن يعلن ذلك، فالقانون الأساسي الإسرائيلي الذي تم إقراره قبل عامين ينص بوضوح على أن إسرائيل دولة اليهود، وبالتالي فإنها شرعنت بذلك التفرقة العنصرية بين اليهود وبقية المكونات التي تعيش في الأراضي الفلسطينية! وهو ما لم يشهده العالم بهذه الفجاجة منذ انهيار نظام الفصل العنصري البغيض في جنوب إفريقيا.

 

المصدر: TRT عربي

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

العيساوية.. الجبهة التي لا تهدأ

التالي

رائد صلاح.. شيخ الأقصى الذي لا يهدأ

مقالات متعلّقة

زياد ابحيص

متواصلون

السبت 30 كانون الثاني 2021 - 2:33 م

متواصلون يحاول الاحتلال توجيه تهمٍ لعدد من نشطاء فلسطين بتهمة "التواصل مع الخارج"، ليحاول عبثاً أن يكرس أن الفلسطينيين تحت احتلاله كتلة من البشر منبتة عن أي عمق أو تواصل...ورداً على ذلك انطلقت حملة #م… تتمة »

مازن الجعبري

الغائب والحاضر في أحداث الأقصى

الجمعة 15 كانون الثاني 2021 - 9:10 ص

 " إسرائيل " لن تتوقف عن تنفيذ وتحقيق أحلامها ومخططاتها في المسجد الأقصى، ولديها استراتيجية وسياسة ثابتة، ولكنها تُغيّر فقط في إجراءاتها تبعاً للمواقف السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، ونحن نعلم أ… تتمة »