للقدس شوقٌ وتوق

تاريخ الإضافة الأربعاء 7 نيسان 2021 - 6:36 م    التعليقات 0     القسم تدوينات

        


علي ابراهيم

 باحث في مؤسسة القدس الدولية

 

في نفس كل واحدٍ منا مشاعر مضطردة، تنسج حبائل التحنان في أفق هائل من التقارب والتباعد، تحتضن أسرارًا عظيمة لم يعرف الإنسان كنهها ومنتهاها، ومن تلك الأسرار الغامضة علاقتنا بالأماكن والمدن، فكل إنسان يحن لوطنه وأرض نشأته وصباه، والبلد الذي عمل فيه ودرس... وكل مسلم وعربي لديه ذلك الميل الجبلي لمدننا العظيمة التي سجلت في التاريخ بصمة بالغة الأثر، علاقة لها مع المدن والمواقع ارتباطات دينية وتاريخية، ذكريات وقصص حول البطولة والتضحية والفداء، انكسار وانتصار، وغير ذلك الكثير.


وقبل ذلك كله، مدن القدسية الدينية والشعائرية، محضن الدعوة الربانية، ومنبت الدولة النبوية، فالشوق إلى مكة المكرمة لا يمكن إرواؤه، واللهف إلى المدينة المنورة يستحيل إسكاته، وعلى أثرهم تقع حواضر الحكم والملك كدمشق وبغداد واسطنبول، وربوع الجمال والشوق كغرناطة وسمرقند، ومرابع العلم والعلماء كبخارى والقيروان وغيرها.

 

لكل من هذه المدن طابعه الخاص وأثره الشاعري، وفيها كذلك من أوابد الحضارة والعمارة والسلطان ما فيها، وأي مطلعٍ على التاريخ والحضارة ودارسٍ لها، يُحس ما لهذه المدن من أثرٍ خفيّ، وموقع في القلب عزيز، يطوف فيها المرء ببصيرة فوائده وقبسات خياله، لو لم يرها ويزرها بكيانه، يحنّ إليها كالذي يؤوب إلى داره بعد سنوات الغربة المرة، يعاين في كل غرفة ومساحة ذكريات عمر قضاها، وصورًا لأحبة وغوالي، وفي حجارة هذه المدن ذكريات أجيال وحيوات الملايين من الراحلين.

 

وفي مقام التوله إلى المدن، تحتل القدس موقعًا فريدًا في قائمة المدن التي لا يبلى حبها، ولا يأفل التحنان إليها، فمشاعر أهل الإيمان والحرية مضطردة دافقة، ففي القدس تجمعت كل عوامل الجذب والحب، فهي ثالث المدن المقدسة عند المسلمين، وواحدة من حواضر الحضارة، تحتل في الأديان المختلفة موقعًا متمايزًا، وفيها من روائع العمارة والآثار ما يندر في غيرها، وفوق كل ذلك، ما للأقصى من فضلٍ وأهمية وهيبة ورونق.

 

للقدس سحرٌ لا يدري كنهه إلا من اقترب منها، وعب من معين حبها والتشوق إليها، هي مدينةٌ عجائبية بكل ما للكلمة من معاني ظاهرة وباطنة، تاريخٌ ضاربٌ في القدم، وروح متوثبة تأبى الانكسار، جذبت منذ فجر البشرية الغزاة والفاتحين، أصحاب الحق والطامعين، لا تستقيم رحلة إلا بزيارتها، ولا يتوج عالم إن لم يمر على حلق مسجدها، هامت بها أفئدة الشعراء وكتب عنها الأدباء، أولى محطات المغاربة في الشرق، ومعتمر الترك في طريقهم إلى البيت الحرام، بلدتها القديمة آية من آيات الله في التقارب والإلفة، وقد وصفها الشاعر:

 

متى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً

 

فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها

 

وفي تطواف الروح إلى الأقصى، تبوح النفس بما عبق فيها، تنساب كحبيبات سبحة عجوز يستند على جدار في المصلى القبلي ينظر إلى أطفالٍ يزهون في رحاب المسجد حبًا وجمالًا ودلالًا.. ولمصليات المسجد وجد السالكين في طرق الرفعة والسمو، الأقصى ثالث معراج سماوي، ومحضن النقاء النبوي، وإرثٌ خط حدوده ابن الخطاب رضي الله عنه، ورفع سواريه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وعمروه علمًا وفهمًا، فكان بهم وفيهم مسجدًا ومقرأة وجامعة..

 

هو واحدٌ من البقاع السماوية، فيه من شذرات الجمال وملامح الجلال وروائع الكمال... عمارة عبد الملك وابنه الوليد... وإبداع معمار مسلم سكب في مسجدها الأجل نطفًا من روحه لتكون منارة حضارية وجنة أرضية.. هو جزءٌ من أرضنا المقدسة التي واكبت أحلام جيلين لتلد الأمة من رحم مأساتها جيشًا من الصلاح ليغسل القدس بنفائس العطور مع دمع المقل، ويعيد له رونقًا غاب عنها حينا ولكنه عاد كصورته الأولى بل أبهى.

 

هو مسجدنا الأسير، يئن في سرابيل القيد ويعاني الكثير، فازداد أثرة في قلوبنا، وهو قلب بلاد الشام، صيغها بالقدسية وخصف عليها من بركات استودعها الباري جل في علاه فيه وفي أكنافه... فهي "شام شريف" بني عثمان وعمال السلطان القانوني يكسون قبة الصخرة بزرقة البحر ليقف على البوسفور ويشاهد سبائك النحاس تعكس صفحة شمس حضارتنا، وصرة الحجيج تترنح بين قوافلها لتنفق على أهل الحرمين الشريفين، هي مقولة ذلك السلطان المظلوم أرض سقاها الأجداد بدمائهم فكيف أعطيها لشذاذ الآفاق.

 

الأقصى، أقصى القلب، وعطر الروح، وإهاب الوجدان في مدارات العلا، وعد النصر يبزغ من فجر التشوق، والعبرة في طريق الحق لا بكثرة السالكين. 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الأرض لنا ستبقى!

التالي

غارات "مدنيّة" في القُدس: تكتيك إسرائيليّ لقمع أهالي باب حُطّة

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

للقدس شوقٌ وتوق

الأربعاء 7 نيسان 2021 - 6:36 م

 في نفس كل واحدٍ منا مشاعر مضطردة، تنسج حبائل التحنان في أفق هائل من التقارب والتباعد، تحتضن أسرارًا عظيمة لم يعرف الإنسان كنهها ومنتهاها، ومن تلك الأسرار الغامضة علاقتنا بالأماكن والمدن، فكل إنسان يح… تتمة »

براءة درزي

الأرض لنا ستبقى!

الثلاثاء 30 آذار 2021 - 3:02 م

يحيي الفلسطينيون اليوم، ومعهم أحرار العالم، الذكرى الخامسة والأربعين ليوم الأرض الذي يشكّل أبرز محطات النضال في التاريخ الفلسطيني، ليؤكّدوا تمسّكهم بأرضهم وحقّهم وإصراراهم على مواجهة مخططات المصادرة و… تتمة »