الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

تاريخ الإضافة الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م    عدد الزيارات 564    التعليقات 0     القسم تدوينات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات الرسمية، السياسية والأمنية والقانونية، في تقاسم للأدوار يسعى إلى تكريس تهويد الأقصى، وصولًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه.

 

وفي الذكرى الثالثة والخمسين لإحراق الأقصى، فإنّ مساعي الاحتلال لتهويد المسجد تتصاعد وتتعاظم، في الوقت الذي تعمل فيه "منظمات المعبد" على الحشد لرفع أعداد المقتحمين، وفرض ممارسة الطقوس التوراتية في المسجد، لتحقيق مكتسبات جديدة تفرض كأمر واقع يساهم في تآكل الوضع القائم التاريخي وإلغائه.

 

وتحرص "منظمات المعبد" على تحقيق أرقام قياسية في الاقتحامات، وتحويل أرقام الاقتحامات المتصاعدة إلى عامل ضغط على الكنيست والحكومة لتعزيز الاقتحامات والسماح بها يوميًا ومن دون قيود.

 

وبلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى ما بين عامي 2009 و2021، نحو 206832 مقتحمًا، فيما شارك في اقتحام المسجد عام 2021 قرابة 34112 مستوطنًا، وهو أعلى عدد للمقتحمين منذ عام 2009، وتسعى "منظمات المعبد" إلى تسجيل رقم "قياسي" جديد يبلغ 43 ألف مقتحم مع نهاية عام 2022، ليزيد بواقع 5000 مقتحم عن الرقم القياسي المسجل عام 2019.

 

وقد وسّعت "منظمات المعبد" وتيرة عدوانها على الأقصى، بحماية شرطة الاحتلال بل ومشاركتها، فلم يعد عدوانها مقتصرًا على الاقتحامات، بل تعدّى ذلك إلى ممارسة الصلوات والطقوس التلمودية، لا سيما في المنطقة الشرقية من المسجد، ومنها السجود الملحمي، واقتحام الأقصى باللباس الأبيض الكهنوتي، وهو اللباس الذي ينبغي على "كهنة المعبد" ارتداءه ما داموا في خدمة "المعبد" وفق التعاليم التوراتية، وغير ذلك من الممارسات التي تسعى هذه المنظمات إلى تحويلها إلى حقائق ثابتة ملازمة للاقتحامات، ومكتسبات دائمة تقرّها المستويات الرسمية في دولة الاحتلال.

 

وكان من آخر حملات التحريض ضد الأقصى ما تفاخر به الإرهابي يهودا عتصيون إذ قال: "لقد شرعنا بمحاولة تفجير الأقصى، وهو مسجد محكوم عليه بالدمار ولست نادمًا على محاولتي"، فيما صرّح المتطرف رفائيل موريس، رئيس منظمة "العودة إلى جبل المعبد" بالقول: "سنهدم قبة الصخرة والمسجد الأقصى بالكامل لإقامة المعبد؛ هذه المباني خطأ وفي المكان الخطأ".

 

وبموازاة هذه الممارسات، تتسرّب إلى المشهد قرارات تصدرها محاكم الاحتلال لتشريع صلاة اليهود في الأقصى، وهي قرارات لا يخفف من خطورتها عودة الاحتلال إلى سحبها أو إلغائها بعد صدورها. وفي هذا السياق يأتي قرار محكمة الصلح التابعة للاحتلال، في أيار/مايو الماضي، الذي يتيح للمستوطنين أداء طقوس تلمودية في المسجد، وجاء في القرار أنه باستطاعة المستوطنين الذين يقتحمون الأقصى أداء صلوات يهودية في باحاته، من دون أن يشكل ذلك "مخالفة جنائية"، وفق المحكمة، بما في ذلك أداء ترتيلات دينية والركوع والسجود على الأرض في باحات الأقصى. وقررت المحكمة أن أداء التراتيل اليهودية وسجود المستوطنين في باحات الأقصى "لا يعرّض السلم العام للخطر".

 

وصحيح أن محكمة الاحتلال المركزية عادت وألغت القرار بعدما استأنفت شرطة الاحتلال قرار محكمة الصلح على أساس أنّ هذه الأخيرة أخطأت في "استخلاص نتائج بشأن سياسة الحكومة، في ما يتعلّق بقواعد السلوك في [الأقصى] بناء على تقرير صحافي عبر الإنترنت"، إلا أنّ ذلك لا ينفي الاتجاه لدى محاكم الاحتلال إلى تشريع الطقوس التلمودية في المسجد، فقرار محكمة الصلح هذا كان سبقه قرار آخر، يخدم الغاية ذاتها، اتخذته قاضية محكمة صلح الاحـتلال في تشرين الأول/أكتوبر 2021، عدّت فيه "الصلاة الصامتة" التي يؤديها اليهود في المسجد لا تشكّل "عملاً إجراميًا"، وهو قرار عادت محكمة الاحتلال المركزية لتثبت مضمونه، عبر إشارتها إلى أنّ صلاة المستوطن موضوع الشكوى لم تكن "صامتة"، وهو ما يعني أنّ المحكمة المركزية تبنّت قرار محكمة الصلح بخصوص السماح لليهود بأداء "الصلاة الصامتة" في الأقصى.

 

وفي مقابل المساعي إلى تعزيز الوجود اليهودي في الأقصى يعمل الاحتلال على تقليص الوجود الإسلامي واستنزافه، وقد كثّف من محاولاته في هذا الإطار بدءًا من عام 2015 مع تصعيد استهداف المرابطين والمرابطات وإصدار قرار باعتبارهما تنظيمين محظورين، ومن ثمّ حظر الحركة الإسلامية الجناح الشمالي لما لها من دور في رفد الرباط في الأقصى. وقرارات الإبعاد باتت بالعشرات، وهي تجدّد قبل انتهاء مدتها، وقد طالت أهل القدس الذين يمنعون من الدخول إلى الأقصى وهم جيرانه، وأهل الداخل المحتل، علاوة على إبعاد شخصيّات اعتباريّة ودينيّة على خلفيّة مواقفها من الأقصى والقدس وتحذيرها من المخطّطات التي تحاك للمسجد.

 

وقد رصد مركز معلومات وادي حلوة 519 قرار إبعاد عام 2021، منها 357 عن الأقصى تحديدًا، و110 عن القدس القديمة، و31 عن مدينة القدس، و11 منع دخول مدن الضفة الغربية، وهذه القرارات كلّها تصبً في خانة الإبعاد عن المسجد الأقصى.

 

إنّ استمرار العدوان على الأقصى وتصاعده وتمادي الاحتلال فيه يستوجب التصدي للعدوان ومواجهته، ومنع الاحتلال من تنفيذ مخططاته، وهذا يتطلّب تضافر الجهود من كلّ الأطياف وعلى كل المستويات، في داخل فلسطين وخارجها، من تكثيف الرباط والحرص على الوجود الدائم في المسجد، إلى تقديم الدعم والإسناد لهم، والعمل على دعم المشاريع المعنية بعمارة الأقصى، إلى قطع العلاقات مع الاحتلال، والضغط الشعبي على الحكومات لوقف التطبيع مع الاحتلال، وغير ذلك من الوسائل المتاحة للتفاعل مع التطورات في المسجد ومنع الاحتلال من الاستفراد بأهله، ولدعمهم وتثبيتهم، ليكون الكلّ شريكًا في الدفاع عن الأقصى وتحريره.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الأَقصى فِي ذِكرى إحراقِه وَلا زال مُشتَعلاً

التالي

مؤسسة القدس ومعركة المسجد الأقصى: طريق النضال الحقيقي

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »