القدس والأقصى.. مخاطر تتصاعد وسط بيئة مريحة للاحتلال

تاريخ الإضافة الثلاثاء 23 حزيران 2020 - 5:18 م    عدد الزيارات 352    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

الفلسطينيون هذا العام الذكرى الـ72 للنكبة والذكرى الـ53 لاستكمال احتلال القدس بما في ذلك المسجد الأقصى. ومع تقلّب سنوات الاحتلال، يزداد المشهد قتامة مع التغوّل الإسرائيلي المدعوم من الإدارة الأمريكية والمستفيد من تصاعد موجة التطبيع العربي بما وفّر بيئة "صديقة" ومريحة للاحتلال لتنفيذ مخطّطاته التهويدية في القدس والأقصى، والاتجاه إلى تنفيذ مخططات الضمّ في الضفة الغربية، وهي مخطّطات قديمة كرّستها "صفقة القرن" الأمريكية في ظلّ تبنّي إدارة ترامب للرّواية الإسرائيلية والعمل على إنفاذها على حساب الحقّ الفلسطيني.

 

فالقدس تواجه استمرار الهجمة التهويدية على مختلف أحيائها، ففي واد الجوز أخطرت سلطات الاحتلال قاربة 200 منشأة بإلإخلاء تمهيدًا لهدم المنطقة الصناعية الوحيدة العائدة للفلسطينيين في القدس المحتلّة، وذلك لمصلحة إقامة مركز استيطاني استثماري تدّعي بلدية الاحتلال أنّه سيوفر 10 آلاف فرصة عمل عالية الجودة في شرق القدس ويزيد معدل توظيف النساء فيها إضافة إلى تعزيز الثقة بين المقدسيين من جهة وسلطات االحتلال من جهة أخرى. أما مجازر الهدم فمستمرة، وكان من آخرها هدم قوات الاحتلال منزل عائلة الرجبي في سلوان جنوب الأقصى صباح 2020/6/23 بعدما رفض صاحب المنزل هدم منزله بيديه. وقد أشار زياد الحموري، مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، إلى أنّ 20 عائلة هدمت منزلها بيديها في القدس منذ بداية عام 2020، والهدم الذاتي هو أحد خيارين مرّين بالنسبة إلى المقدسيين الذين تقرر سلطات الاحتلال هدم منازلهم، حيث إنّ الخيار الآخر هو دفع آالف الشواكل لبلدية الاحتلال في حال هدمت آلياتها المنزل.

 

أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في جلسة الحكومة في 2020/5/24 لمناسبة الاحتفال بيوم "توحيد القدس" (المسمى الإسرائيلي لاحتلال الشطر الشرقي للقدس عام 1967) أنّه أصدر تعليماته لبلورة خطة "لتعزيز مكانة القدس لدى اليهود بتكلفة تصل إلى 200 مليون شيكل (1 شيكل = 0.29 دولار)" فيما ناقشت بلدية الاحتلال في القدس اعتماد ميزانية قياسيّة لعام 2020 بقيمة 11.2 مليار شيكل مقارنة بـ 9.6 مليار شيكل لعام 2019. وتتضمن الميزانية خططًا ومشاريع جديدة في القطاع التعليمي والمجتمعي والثقافي والمواصلات. ومن بين المقترحات مهرجانات وفعاليات جديدة إضافة إلى الفعاليات المعتادة مثل ماراثون القدس، وهو من أبرز محطات التهويد في القدس، واستمرار العمل على توسيع العمل بالقطار الخفيف الذي يخدم المستوطنين، وإنشاء أنفاق جديدة وخطّ للباصات على الطريق 60 الاستيطاني، علاوة على أنفاق جديدة تحت مستوطنة التلة الفرنسية.

 

أمّا المسجد الأقصى فيدخل مرحلة جديدة من المخاطر التي تصاعدت بعد جائحة كورونا وإغلاقه على مدى 69 يومًا، بما في ذلك شهر رمضان بأيامه ولياليه، وحملة الإبعاد التي شنّها الاحتلال بعد فتح المسجد وطالت حوالي 30 من النشطاء والمرابطين والشخصيات الدينية والاعتبارية من القدس والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، حيث صدرت معظم قرارات الإبعاد بعد استدعاء فلسطينيين من القدس والداخل المحتل للتحقيق أو اعتقالهم ميدانيًا، حيث تمّ تسليمهم أمر إبعاد مدة أسبوع، على أن يعودوا إلى مراكز الاحتلال مجدّدًا لتسليمهم قرارات بالإبعاد حتى ستة أشهر. وهذه الحملة محاولة واضحة لتفريغ الأقصى من المسلمين، ما يؤكّد أنّ الاحتلال يمهّد لمزيد من الخطوات التصعيدية في المسجد يحرص قبلها أن يقضي على أيّ احتمال للمقاومة الشعبية التي عرقلت مخطّطاته في هبّتي باب الأسباط 2017 وباب الرحمة 2019 على سبيل المثال.

 

وقد نبّه الشيخ عكرمة صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى، إلى الخطر المحدق بالأقصى ومن مخطّطات تهويده، وحذّر من مساعي الاحتلال للسيطرة على المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى والمجاورة لباب الرحم مشيرًا إلى أنّ "الاحتلال يمنع المهندسين والعمال ودائرة الأوقاف الإسلامية من ترميم تلك المنطقة وتبليط ساحتها تمهيدًا للسيطرة عليها بحجة أنها مهجورة"، وعلّق على قرارات الإبعاد بالقول إنّ "الإبعاد إجراء ظالم ويمثّل سياسة فاشلة وعشوائية وانتقامية ولا توجد دولة في العالم تبعد الناس عن أماكن العبادة إلا الاحتلال في دليل على أنها سلطة احتلال وليست سلطة ذات سيادة". وعاد ليؤكد أنّ دائرة الأوقاف الإسلامية بدأت تفقد سيطرتها تدريجيًا على إدارة المسجد، وخاصة في المنطقة التي يقع فيها باب الرحمة. مع الإشارة إلى أنّ الشيخ صبري مستهدف بقرارات الإبعاد، وكان الاحتلال دهم منزل الشيخ صبري يوم 2020/5/29 واستدعاه إلى التحقيق ومن ثم سلّمه أمرًا بإبعاده عن الأقصى أربعة أشهر.

 

يستفيد الاحتلال المتمسك بتهويد القدس من البيئة الإقليمية والدولية، لا سيّما على مستوى الموقف الأمريكي الداعم والموقف العربي الرسمي المتهالك. فعلى المستوى الأمريكي، كان استلام دونالد ترامب مقاليد الرئاسة في عام 2017 عاملاً رافدًا لمصلحة الاحتلال، وكان لافتًا أنّ إدارة ترامب لم تبذل أيّ جهد لـ "تجميل" انحيازها إلى الاحتلال بل كانت واضحة وصريحة في تبنّي روايته، على عكس الإدارات السابقة التي كانت تحاول أن تبدو وسيطًا نزيهًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين لتخفي سياساتها التي رسّخت الاحتلال وعزّزته بما هو جزء من المشروع الاستعماري.

 

وكان من تجلّيات هذا الانحياز إعلان ترامب في كانون أول/ديسمبر 2017 اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ومن ثمّ نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المحتلة في أيار/مايو 2018 ، علاوة على قرارات تجفيف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الأونروا ، وصولاً إلى الإعلان عن خطته للسلام المعروفة بصفقة القرن، في 2020/1/28، وما انطوت عليه من تكريس للاحتلال في القدس وفي فلسطين التاريخية. ومع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية المحددة في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2020، فإنّ إعادة انتخاب ترامب ستعطي الاحتلال هامشًا أكبر في أثناء ولايته الثانية في حين أنّ انتخاب مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن لن يكون بالضّرورة مخالفًا للمصلحة الإسرائيلية أو يفرض عليها تراجعًا عن المكتسبات التي حقّقتها في ظلّ إدارة ترامب، وهو لا يبدو متجهًا نحو الافتراق عن موقف هذا الأخير في ما خصّ القدس إذ أعلن أنّه سيبقي السفارة الأمريكية في المدينة في حال فوزه بالانتخابات .

 

وفي موازاة ذلك، ينتقل الموقف العربي الرسمي من طور الضعف في المواقف إلى التقارب مع الاحتلال، وهذا الانتقال لا يزال يُغلّف بتصريحات حول التمسك بالحقّ الفلسطيني في حين أنّ الوقائع على الأرض تقول خلاف ذلك. فالمشهد يتحسّن لمصلحة الاحتلال في ضوء التنامي الملحوظ في موجة التطبيع مع "إسرائيل" ونسج العلاقات معها، وهو مسار ترعاه بوضوح إدارة ترامب كما تجلّى في مؤتمر وارسو في شباط/فبراير 2019. ويضاف إلى ذلك الضغط العربي الذي يمارس على الفلسطينيين للخضوع والقبول بالمزيد من التنازلات، ودفع دول عربية إلى إدراج حركات المقاومة الفلسطينية ضمن التنظيمات الإرهابية. ويبقى هذا السلوك العربي مرجِّحًا لسطوة الاحتلال على حساب القضية الفلسطينية حتى وإن كانت التصريحات العربية الرسمية تعبر عن دعم القضية الفلسطينية و"إقامة دولة على حدود عام 1967 عاصمتها القدس الشريف".

 

وما بين الدعم الأمريكي وتهالك الموقف العربي المتجه نحو التطبيع تتصاعد الهجمة الإسرائيلية على القدس وأهلها ومسجدها ليضمن الاحتلال تثبيت ما أمكن من حقائق على الأرض وفرضها أمرًا واقعًا قبل أن تتغيّر الظروف لغير مصلحته، ما يدفع إلى القول إنّ الأيام القادمة لن تكون أخفّ وطأة على القدس من سابقاتها، بل على عكس ذلك تمامًا، وهذا ما يحتّم التنبّه إلى هذه المخاطر والتصدّي لها والخروج من مدارات القول إلى مسارات العمل.

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »