لماذا يشعر الاحتلال بالخطر حيال كشف جرائمه؟

تاريخ الإضافة الإثنين 7 شباط 2022 - 5:57 م    عدد الزيارات 812    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

شكّل الأمن هاجس دولة الاحتلال الأكبر وحاولت معالجته عبر الاستمرار في تطوير ترسانتها العسكرية وقدراتها القتاليّة، وزاد قلقها مع هزيمتها في لبنان وغزة أمام قوى غير دولتية، على الرغم من ترسانتها العسكرية الضخمة، والدعم الغربي، لا سيّما الأمريكي غير المحدود، والاستفادة من هذا الدعم على شكل أسلحة متطوّرة، ومواقف مساندة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمنع صدور قرارات تدين جرائمها.

 

لكنّ الحرب، لا سيّما في ظلّ عدم قدرة "إسرائيل" على صناعة انتصار حاسم في لبنان وغزة وفقدان القدرة على التنبؤ مسبقًا بإمكانية حسم أيّ مواجهة قادمة، لم تعد وحدها ما يقلق دولة الاحتلال التي باتت تواجه مخاطر داخلية وخارجية تتحدّث عنها وتفنّدها مراكز التفكير والدراسات، وتدرس السيناريوهات المرتبطة بها.

 

ومن هذه التّهديدات التي ينظر الاحتلال إليها بعين القلق استهداف "صورته ومكانته" وكشف جرائمه وتسليط الضوء عليها، والدعوة إلى محاسبته. ولعلّ التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية بداية هذا الشهر تحت عنوان "نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظامٌ قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية" واحد من هذه التهديدات التي تقلق الاحتلال وتربكه فيهاجمها بإرهاب عنوانه الأول تهمة "معاداة السامية".

 

ويسلّط التقرير الضوء على جملة من الاعتداءات الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين في الضفة وغزة وشرق القدس، وفي الأراضي المحتلة عام 1948، إلى القتل غير المشروع للمتظاهرين الفلسطينيين كأوضح تعبير عن كيفية استخدام سلطات الاحتلال أفعالاً محظورة للحفاظ على الوضع الراه، ونزع الملكية من الفلسطينيين وتهجيرهم من منازلهم الذي يصفه التقرير كركنٍ مهم جدًا في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي؛ إذ فرضت دولة الاحتلال منذ قيامها عمليات استيلاء جماعية وقاسية على الأراضي ضد الفلسطينيين، وتواصل تطبيق عشرات القوانين والسياسات لإرغام الفلسطينيين على العيش في معازل صغيرة، إضافة إلى حرمان الفلسطينيين في النقب وشرق القدس والمناطق (ج) من رخص البناء ما يرغمهم على إنشاء مبانٍ غير قانونية تتعرض للهدم مرة تلو الأخرى بذريعة عدم الترخيص، والتوسع المستمر للاستيطان، والقيود القاسية التي يفرضها الاحتلال على حرية التنقّل بالنسبة إلى الفلسطينيين، عبر نظام تصاريح يحكم الحصار على الفلسطينيين فيما الإسرائيلون يتنقّلون كما يحلو لهم.

 

ومن جملة مطالبات التقرير عودة ملايين اللاجئين ووقف هدم المنازل والتطهير العرقي وحظر توريد السلاح إلى دولة الاحتلال، ووفق الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار، في المؤتمر الصحفي الذي أطلقت فيه المنظمة تقريرها، فإنّ "الحكومات التي تواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة وتحميها من المساءلة في الأمم المتحدة تساند نظام فصل عنصري، وتقوّض النظام القانوني الدولي، وتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني. وينبغي على المجتمع الدولي أن يواجه واقع الفصل العنصري في إسرائيل".

 

في كلّ مرة تشعر دولة الاحتلال أنّها في دائرة الاتهام وجرائمها في دائرة الضوء لا تتردد في أن تشهر التهمة الجاهزة دومًا وهي تهمة "معاداة السامية"، التي تصف بها كلّ من يتجرأ على الإشارة إلى ارتكاباتها. ولم يكن الأمر مختلفًا مع تقرير العفو الدولية إذ استبقت دولة الاحتلال صدوره بوصفه بالكاذب وازدواجية المعايير، واتهم وزير خارجية الاحتلال يائير لابيد المنظمة بمعاداة السامية، قائلاً، "أكره استخدام الحجة بأنه لو لم تكن إسرائيل دولة يهودية، فلن يتجرأ أحد في منظمة العفو الدولية على التحدث ضدّها، لكن في هذه الحالة لا يوجد احتمال آخر".

 

يرتبط القلق لدى الاحتلال من هذه التقارير بخوفه على "الصورة" التي يعمل على ترسيخها، بخلاف التاريخ والواقع، بل والمستقبل، والتي تقدّم "إسرائيل" كدولة ديمقراطية، لها نظام تشريعي وقضائي وتصدر قوانين وتسنّ تشريعات.

 

والواقع هو أنّ الاحتلال يستخدم القانون والتشريع ليعطي جرائمه ضد الفلسطينيين صفة شرعية، وليغطي هذه الجرائم بمسمّيات ظاهرها حقّ، مثل المصلحة العامة، والدفاع عن النفس، والتطوير، وغيرها، وباطنها تمرير القتل والتهجير والتهويد والاستيطان وغيرها من سبل الاعتداء الممنهج بحقّ الفلسطينيين.

 

وثمّة أمر آخر في هذه التقارير، وهو أنّها ترتكز إلى القانون لتفنيد جرائم الاحتلال، وتشكّل مستندًا يمكن الاستفادة منه في ملاحقة مسؤولي الاحتلال قانونيًا، ومن ذلك عبر محكمة الجنايات الدوليّة. فالتقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية يتحدّث عن نظام يرقى إلى مستوى الفصل العنصري بموجب القانون الدولي، وهو نظام ترسخ بفعل انتهاكات الاحتلال التي تَبَيّن لمنظمة العفو الدولية أنها تشكل فصلاً عنصريًا وجريمة ضد الإنسانية كما هي مُعرّفة في نظام روما الأساسي والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (اتفاقية الفصل العنصري).

 

كذلك، فإنّ الاحتلال يخشى من تبنّي هذه التقارير من دوائر القرار الرسمية وعلى مستويات حكومية، ما يترك أثرًا في علاقات هذه الدول بـ "إسرائيل"، وهل علاقات طالما استندت إليها لتعزيز مكانتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، علاوة على ما توفره هذه العلاقات من دعم معنوي للاحتلال، لا سيّما في المحافل والمنظمات الدولية، بل وفي الإفلات من الإدانة والمحاسبة.

 

لكن يبقى المهمّ التعاطي الجدّي مع ما توفره هذه التقارير من معطيات، والتحرّك للاستفادة منها لملاحقة الاحتلال ومشاغلته على مستوى الشرعية والمستوى القانوني، كأحد ميادين مقاومته التي تتكامل مع غيرها من مجالات العمل والتحرّك.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

فلسطينيو الداخل يكسبون المعركة من جديد

التالي

أحداث حي الشيخ جراح استمرار لصراع بدأ ولمّا ينتهِ بعد

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »