حفلات رمضانيّة في باب العامود: نوعٌ آخر من السواتر

تاريخ الإضافة الخميس 31 آذار 2022 - 10:24 م    عدد الزيارات 593    التعليقات 0     القسم مقالات

        


هنادي قواسمي

صحفيّة مقدسية

تتوالى منذ أسابيع الأخبارُ عن استعدادات سلطاتِ الاحتلال الإسرائيليّ، ومن تحالف معها من دول الإقليم، لتنفيس ومحاصرة أي هبّة شعبيّةٍ فلسطينيّةٍ مُحتملة خلال شهر رمضان المقبل في القدس والضفّة الغربيّة خاصّةً، وذلك على غرار ما حدث في رمضان من العام الماضي. وفي الأيام الأخيرة، زاحمت تلك الأخبار أخبارٌ أخرى عن عمليات إطلاق نارٍ وطعنٍ في عدة مواقع في فلسطين المحتلة عام 1948. 

 

يُركّز هذا المقال على بعض الاستعدادات التي يُحضّر لها في القدس، المركز الذي انطلقت منه المواجهةُ العام الماضي. تتمثلُ هذه الاستعدادات على مستويين؛ الأول هو محاولة شراء الهدوء ومحاصرة الحالة الشعبيّة بتفعيل سلسلةٍ من أدوات القمع والضبط، والثاني من خلال الاستمرار في تنفيذ السياسات الساعية إلى إطباق السيطرة الكاملة على المدينة، وتعزيز السيادة الإسرائيليّة فيها، دون التراجع عنها، إلا بالقدر الذي تفرضه التطورات الميدانيّة. فمن جهةٍ، تستمر "إسرائيل" في سياساتها لتدمير هويّة المدينة العربيّة والإسلاميّة واستهداف مسجدها وأهلها والقوى الفاعلة فيها، ومن جهةٍ أخرى تُكثّف أدواتها لضبط الأمور ومنع اشتعالها، وتتشابك لتحقيق ذلك الضبط مختلف أذرع الاحتلال، على رأسها شرطة الاحتلال، وبلدية الاحتلال ومراكزها الجماهيريّة.

 

تتبع "إسرائيل" هذه المزاوجة في كثير من الحالات؛ تُعلن عن استمرار مخططاتِها، بالتزامن مع قمع كلِّ ما يُمكن أن يُعيقها، سواءً بالقمع الماديّ المباشر أو بالقمع "الناعم" الذي يحمل أحياناً اسم "تسهيلات" أو "فعاليات ثقافيّة"، ثمّ تُبقى عينها على الأمور واحتمالية اشتعالها، فإنّ كان ردّ الفعل الشعبيّ قويّاً تبدأ بالتراجع بالدرجة التي تتناسب غالباً مع التطورات الميدانيّة والتقديرات الأمنيّة، تماماً كما حدث في مخطط اقتحام الأقصى في 28 رمضان الماضي.

 

ووفقاً لهذا، فقد أعلنت سلطات الاحتلال عن استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان المقبل، والذي يتزامن أسبوعه الثالث (تحديداً من 15 أبريل/ نيسان) مع عيد الفصح اليهوديّ الذي تتكثف فيه الاقتحامات عادةً. وفي المقابل، قد تُعلِنُ في الأيام القريبة القادمة (حسب التطورات، خاصّة بعد عملية بني براك) عمّا تسميه "التسهيلات" والتي تسمح وفقها لأعداد من فلسطينيّي الضفّة بدخول القدس للصلاة في الأقصى. كما أنها من جانبٍ أخر، بدأت بحملة استدعاءات واعتقالات لعدد من الشبان في القدس، وأعادت بعضهم - ممن لم يكاد يمر سوى شهور قليلة على الإفراج عنهم - إلى السجن الإداري. 

 

وقد نصح معهد الأمن القومي الإسرائيلي، التابع لجامعة تل أبيب، في مقال نشره مساء الاثنين (28 مارس/آذار) بتقديم ما أسماه "العلاج قبل الضربة"، أي تعزيز "التسهيلات" لمحاولة تنفيس الهبّة الشعبيّة المتوقعة، ومن ضمن ذلك اقتراحه حتى منح تصاريح لفلسطينيّي القطاع لزيارة الأقصى، إضافةً إلى استغلال علاقات "إسرائيل" المتطورة مع دول المنطقة كالأردن وقطر وتركيا لتهدئة الأوضاع والضغط على الفلسطينيّين وخاصةً في القدس. وتبقى هذه المقترحات في دائرة التوصيات، أو في دائرة المأمول، ولا يعني تنفيذها ضمان عدم اندلاع الهبّة بأي حال.

 

ابتهالات دينيّة بدلاً من السواتر الحديديّة

 

على صعيد المستوى الأول من الاستعدادات، أي مستوى القمع والضبط، فكان أبرز ما أُعلِنَ عنه في 20 فبراير/شباط الماضي، أنّ شرطة الاحتلال لن تنصب سواترها الحديديّة في محيط باب العامود، كما فعلت العام الماضي، وهي الخطوة التي أشعلت المواجهة منذ اليوم الأول في رمضان. 

 

عوضاً عن ذلك ستضع بلدية الاحتلال، وبالشراكة مع الشرطة، "سواتر" من نوعٍ آخر،  تحت مسمى "فعاليات ثقافية" في مدرج باب العامود وأمام باب الساهرة، وفي عددٍ من الأحياء المقدسية عبر المراكز الجماهيريّة الموجودة فيها.1 يُضاف إلى ذلك تزيين بعض الشوارع والأحياء، بل حتى حاجز قلنديا يُزيّن بالهلال، ومحاولة الترويج للسيطرة الإسرائيلية على المدينة كـ"راعية" للتعدد الدينيّ والثقافيّ، وضامنة لـ"حرية التعبد".

 

ليست هذه المرّة الأولى التي تُنظّم البلديةُ فيها مثل هذه الفعاليات، فذلك ديدنها منذ سنواتٍ طويلة، وربما يعود هذا "التقليد" - حسب ما توصل إليه البحث لغرض هذا المقال - إلى عام 2009 تقريباً. تُنظّم هذه الفعاليات خاصّة في ليالي الجمعة من رمضان (الخميس مساءً)، وعادةً ما تشمل حفلاتٍ لأناشيد دينيّة وعروضاً فنيّة ومسابقات، يؤديها فنانون فلسطينيون من القدس وأراضي الـ1948 لا يرون ضيراً في التعامل مع مشاريع البلدية بالعموم، وآخرون ممن بنوا شبكة مصالح ماديّة بالاعتماد على تلك المشاريع.

 

ورغم كون هذه الفعاليات مرفوضةً بالعموم على اعتبار أنّ من يُنظمها ويُشرف عليها بلدية الاحتلال2[/mfn]، وأنّ لها بعداً سياسياً واضحاً، إلا أنّ رفضها اكتسب بعداً أشدّ بعد أن تعزّزت مكانة باب العامود كحيّز فلسطينيٍّ نجحت المظاهرات والمواجهات والنشاطات الشبابيّة التطوعيّة في تحريره - ولو رمزيّاً - من يد الاحتلال. 

 

الصراع على المكان في باب العامود

 

بدأت تلك المظاهرات والنشاطات تتصاعد منذ العام 2011 تقريباً، وكانت تكتسب في كل سنة زخماً جديداً؛ مظاهرات في ذكرى النكبة، إضرابات الأسرى، فعاليات لإفشال مهرجان الأضواء الإسرائيليّ، وصولاً إلى تحول باب العامود إلى ساحةٍ لعمليات إطلاق النّار وعمليات الطعن، وتحديداً عامي 2015-2016. إضافةً إلى ذلك، تكثف حضور باب العامود أيضاً كحيز اجتماعيّ يلتقي فيه المقدسيون ببعضهم البعض، ويتسامرون.

 

بتراكم هذه الأحداث، وباستعادة هذه الرمزية، تعزّزت مكانة باب العامود، واسترد الناس علاقتهم به كباب مدينتهم الأول والأساس، وكمركزٍ يجمعهم في مختلف المناسبات، في مقابل سياسات التفتيت الإسرائيليّة التي تسعى إلى تحويل مدينتهم إلى أحياء معزولة، يواجه كلّ منها همومه وتغول الاحتلال على معيشته وحيداً. 

 

من هنا، أصبحت فعاليات البلدية الإسرائيليّة في المكان أكثر خطورةً، إذ أنّها تأتي في سياق سحب هذا المنجز تدريجياً، بدءاً بتوظيفها لأغراض السيطرة الأمنيّة وتعطيل حركة الناس الطبيعية وبالذات حركة المتظاهرين وخنق المكان بطريقة تجعل هامش المناورة والتحرك فيه ضيّقاً، مروراً بكونها - أي تلك الفعاليات- وسيلةً للمنافسة مع الفعاليات الشعبيّة الفلسطينية، ووصولاً لفرضها طابعاً حتمياً على المدينة ومن ثمّ منع أي بديل فلسطينيّ إلا بشرط التصريح من شرطة الاحتلال، وهو الشرط الذي يُفرّغ أي نشاط من معناه الوطني والسياسيّ .

 

وقد انعكست هذه الأهداف بعد إزالة السواتر الحديدية في هبّة باب العامود العام الماضي، إذ شهد البابُ حينها احتفالاتٍ فلسطينيّة الطابع، تطوّعت فيها فرق دبكة وفنانون لتقديم عروضات على عاتقهم الشخصي، تخلل ذلك ترديد الهتافات الوطنيّة ورفع العلم الفلسطينيّ. في اليوم التالي مباشرةً، نُظّمت أولى الحفلات المموّلة من بلدية الاحتلال، فيما بدا أنّها تسارع الخطى حتى لا تُترك الساحة خاليةً أمام الفلسطينيّين يُشكّلونها كيفما أرادوا، وبالتالي محاولة سحب منجزِهم وتشويهه.

 

كذلك فإنّ تلك الفعاليات ظهرت بصورة "المُهدأ" الذي يسعى لسحب فتيل الاشتعال، وإشغال الشبان بغير جنود الاحتلال. انعكس ذلك في كلام أحد المنشدين الذين شارك فيها وخاطب الشبان الذين كانوا على وشك الاحتكاك بشرطة الاحتلال بالقول: "خلينا نفوت الفرصة عليهم"، في إشارة واضحة ومباشرة إلى كيفية توظيف البلدية لهذه النشاطات؛ محاولة إشغال المكان بحفلةٍ ما، لعل وعسى أن يتم تفويت الفرصة على اشتعال مواجهة، وهو ما يفشل في كثير من الليالي، إذ عادةً ما تنتهي هذه الحفلات على وقع قنابل الصوت الإسرائيلية، فيتبخّر الهدوء الذي بحثت عنه شرطة الاحتلال.

 

البسطات، والحركة التجاريّة

 

شمل إعلانُ البلدية مطلع هذا الشهر أيضاً الإشارة إلى البسطات التي سيُسمح لها بالتواجد في مدرج باب العامود وعلى مدخله، عوضاً عن تواجد السواتر الحديديّة. وقد بدأت تطبيق ذلك في الأسبوع الأخير من الشهر الجاري (مارس 2022). 

 

استخدمت بلدية الاحتلال هذا الأسلوب خلال رمضان الماضي أيضاً، إذ سمحت لأصحاب البسطات، بالتواجد في قلب مدرج باب العامود، وذلك على غير المألوف، إذ كانت قد منعت تواجدهم هناك منذ عام 2013 تقريباً، لأنّهم "يُعيقون الحركة"، ونقلت مكانهم إلى ساحة المصرارة، أعلى مدرج باب العامود.

 

تضرب بلدية الاحتلال هنا "عصفورين بحجر"؛ من ناحية تضع هذه البسطات كساترٍ بشريٍّ في مشهد المواجهة يعرقل تواجد الشبان، ويحدّ من حريّة تجمعاتهم وتحركاتهم، تماماً كما تأمل أن تفعل الحفلات. ومن ناحيةٍ ثانية، فإنّها تضع الحضور الشعبيّ الشبابيّ في باب العامود في نزاع، وإن كان غير معلن، مع بعض أصحاب البسطات عنوانه: "لا تُخرّبوا علينا باب رزقنا"، وهو ما قد يتطور إلى مشادات ومشاكل داخليّة. 

 

يتزامن ذلك مع ظهور صفحات "فيسبوك" تنشر منشورات مموّلة مشبوهة على شكل استطلاعات رأي، تحت عنوان "رأيك يهمنا"، و"مؤسسة لدعم حقوق المواطن الفلسطيني". تسأل تلك الاستطلاعات التجار المقدسيين عن مدى تضررهم من "أحداث رمضان العام الماضي"، وتسأل عموم الناس عن رأيهم في الأحداث بشكلٍ عام وتوقعاتٍ لما سيحدث هذا العام.

 

وفيما يتعلق بالحركة التجاريّة، وبالأخصّ للتجار في البلدة القديمة للقدس، فإنّ "إسرائيل" تلعب على وتر تدهورها بخبثٍ واضح، فتحاول الدفع نحو "النبذ الداخليّ" لأي بذور للمظاهرات أو المواجهات على اعتبار أنّ ذلك يعني تخريباً للموسم التجاريّ الذي تنتظره القدس في رمضان. 

 

في الوقت نفسه، لا يعني الدفع الإسرائيلي غير البريء لهذا النقاش، تبني موقفٍ مُستخفٍّ من أرزاق التجار، إذ أنّ رمضان يشكّل موسماً، شبه وحيد، لانتعاش تجارتهم، وقد فاتهم عام 2020 بسبب إغلاقات فيروس كورونا، ثمّ فاتهم عام 2021 بسبب اشتعال المواجهة. لذلك فإنّ التفكير في صمود هذه الفئات ودعمها مطلوبٌ على مدار العام، بما يُساهم في توسيع الالتفاف الشعبيّ حول المواجهة وخيارها، بدلاً من محاصرتها بوضعها كنقيضٍ لأرزاق التجار. 

 

ويعني ذلك فيما يعنيه، أنّ لا يكون العمل السياسيّ والمجتمعيّ مقتصراً على لحظات المواجهة المُكثّفة فقط، ولكن أن يمتد ليصبح همّاً يوميّاً، بشكلٍ يضمن تعزيز الحاضنة الشعبيّة للمواجهة (كحملات تعزيز النشاط التجاريّ في القدس على مدار العام)، وخلق شبكات من التواصل والمؤازرة بين الناس تدفعهم نحو الصمود والبقاء.

 

هذا على صعيد باب العامود، واحدٍ من ميادين المواجهة المحتملة في القدس. أما في الشيخ جرّاح، فيبدو حتى اللحظة أنَّ قراراتِ المحاكم الإسرائيليّة بتأجيل الإخلاء لعائلة سالم في الحيّ الغربيّ، وبتجميد قرار الإخلاء في حيّ كرم الجاعوني إلى حين البتّ في موضوع الملكية، قد تُخفّف نوعاً ما من احتمالية التصعيد في الحيّ. ويبقى الوضع في المسجد الأقصى مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، حسب تطور الأوضاع، ودرجة التغول الاستيطاني في الاقتحامات، وإمكانيات وصول المرابطين إلى المسجد خاصّةً في ساعات الصباح.  

 

المصدر: متراس، 2022/3/30

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الواقع والشرط اللازم لانتفاضة أوسع!

التالي

نبوءة زوال "إسرائيل" 2022 والعقل الجمعي

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »