الأَقصى فِي ذِكرى إحراقِه وَلا زال مُشتَعلاً

تاريخ الإضافة الجمعة 19 آب 2022 - 11:45 م    عدد الزيارات 299    التعليقات 0     القسم مقالات

        


منير رشيد

عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج

 

إحراقُ المَسجد الاقْصى المُبارك لَم يَكن حادِثاً مُنفرداً وَفردياً إنما ضِمن سياق العَقلِيةَ الصُهيونيةِ لِطَمس هويةِ المَدينة الحَضاريةِ وبناءِ هَيكَلِهم المَزعوم، وَهو جُزءٌ مِن تَغيير الهَويةِ الحَضارِية لِفِلِسطينَ أَرضاً وَشَعباً، فَالعقليةُ اليَهوديةُ عَقلية استعمارية إِحلالِية لا تُؤمن إلا بِيهوديتها وَطردِ الفِلسطينيين خَارجها.

 

إِنّ مايكِل روهان القادم مِن أُستراليا لَم يَتَصَرفْ بِدافع عَفوي لَحْظِي وَخاطِرة طارِئة أَو لِعَدَم قُدْرَته الذِهنية وانفصام شَخصِيته كما يَزعمون ، إِنما نَتيجةَ تَنشئتهِ وَتربيتهِ كَونُه أَحدُ أَتباعِ (كنيسةِ رب العالمين)، وَكان مِن أَصحابِ النَزعاتِ التي تُؤمن بِعودَة بَني إِسرائيل إلى أَرض فِلسطين وَبناءِ الهَيكل وَكان يَصرحُ وَيعبّرُ بقِوله أَنهُ يَهوديٌ وَمكلفٌ مِن الإله بِمهمة عَظيمه، فَقامَ بِتنفيذ جَريمته يوم 21/8/1969 وَبِتنسيق مَع سُلطاتِ الاحتلال وَلا أدلَ على ذلك مِن قَطعِ المِياه عَن مَنطقِة المَسجد وَالتأخر المَقصود لِسيارات الإطفاء وَالإسْعافِ مِنَ الوُصول لِمَنطقة الحَريق ثُم تبرئتهِ بِدعوى وَضعهِ الصِحّي النَفسي.

 

إِنَّ الاحْتلال الصُهيوني يُحاول تَغييرَ الهَوية الحَضارِيَّة المعمارِية لِمدينة القُدس بَدأها بِإحراقِ المَسجد الأَقصى المُبارك وَمِن ثُمَ بِناء الجُسور المُعلقَة وَتنفيذ مَشروع التِلفريك لِتسهيلِ إقتحاماتِ المُستوطنين لِباحاتِ المَسْجِد المُبارك حَسبَ مُخططاتِ وَطروحاتِ ما يُسمى (جَماعاتِ الهَيكل)، كما سَعى الاحتلال لِمُصادرة أَملاكٍ للأوقاف وَكنائِسَ وَأماكنَ تاريخيَّة وَأثرية ، عَدا عَن شِراء عَقارات داخِل مَدينة القُدس بأَثمانٍ خيالِية وَبأساليبَ مُتنوعة وَطرقٌ مُلتوية وَبأسماءِ شَركاتٍ وَهْمِيَّة وَأخرى عَرَبِيَّة عبر سَماسِرة بَاعوا ضَمائِرَهُم.

 

وَإَنّ قانون أَمْلاكِ الغائِبين وَالذي أَقَرَهُ الكِنيستْ عام 1950 هو شَرعَنَة قانونِيَّة للاستيلاء على أَراضٍ وَمُمتَلكات تَعودُ مُلكيَّتُها لأَصحابِها الفِلسطينيين الذَين هُجِروا مِنها وَنَزَحوا عَنها .

 

لَقَد تَنَبَهَ المَقدِسيون لِمحاوَلات المُستوطِنين لِشراءِ العقاراتِ داخِلَ المَدينة المُقدسة فَلَجَأ الاحتِلال الى طُرق جَديدَة تَقومُ بِها شَخصيات وَمُؤسسات عَرَبِيَّة لِتَسهيلِ تَسريبِ العَقارات مِنَ المَقْدِسيين للمستوطنين، فَتسريب العَقاراتِ حَربٌ خَفِية تَدورُ رَحاها فِي جَنَباتِ الاقْصى خِدمَة للاحتلال وَتَغيير مَعالِم المَدينة وَطابِعِها وَسُكانِها.

 

كما أَنَ الضَرائِب الباهِظَة التي تَفرِضُها سُلطات الإِحتلالِ على المَقْدِسيين أَثَرَّتْ وَلا زالت تُؤَثِر سَلبَاً وَبِشَكْلٍ وَاضحْ عَلى قُدرَتِهِم الاستمرار وَالسَكَنْ فِي القُدْسْ وَتَحْتَ ضَغْطِ الضَرائِبْ يَتِمُ تَرحيلُهُم بِشَكْلٍ هادِئ بِهَدَفِ تَفريغْ المَدينَة مِنْ سُكانِها.

 

إِنَ مَا يَقُومُ بِهِ الإحْتِلال مُنْذُ احْتِلالِه للأَقْصْى المُبارَكْ وَإحْرَاقِه وَإجراءاتْ تَغْيير طَابِع المَدينَة الحَضاري مَا هُو إِلا لِلوُصول إِلى تَقْسيم المَسجِد الأَقْصى المُبارَكْ زَمانِيَّاً وَمَكانِيَّاً وَلمْ يَعُد الأَمْر سِرْاً فَقَدْ تَعَزَزْ هَذا الطُموحْ بَعدَ تَجرِبَتِهِ فِي تَقْسيم الحَرَمْ الإبْراهيمي فِي الخَليل.

 


أَمَّا فِي بَيتْ المَقْدِسْ بَدءَ التَقسيم عَلى شَكْل التَحَكُم بِإعْمارِ المُصَلين فَمَنْع الشَباب مِنَ الُدخول للصِلاة وَالسَماح فَقط لِكبار السِن مِنَ الرِجالِ وَالنِساءْ ثُمَ تَلاهُ قَرارْ شُرْطَة الاحتلال عَام 2003 بِالسَماحِ لِليَهود باقتحام المَسجِد الأَقْصى وَتَحْتَ حِراسَة شُرطَتِهِ وَبِشَكْلْ مُتباعِد ثُمَ اَصبَحَت تَتِمُ بِشَكل يَومي وَبِمجموعات، حَيث يَقضي التَقسيمُ الزًماني تَخْصيص أوقات مُحدَدة لِدُخول المُسلمين وَاوقات أُخرى لِليهود وَطوال العامْ وَعَلى المُسلِمينَ إِفراغُ المَسجد المُبارك يَوميَّاً ثَلاث مَرات فِي الصَباحْ وَبَعْد الظُهر وَبَعْد العَصْر تَكون هَذهِ الأَوقاتْ لليَهودْ فَقط ، وَتَسْعى قُوات الاحتلال لِتَخصيص المَسجد الأقْصى لِليَهود خِلال أَعيادِهم وَالتي تَصل إِلى مِئَة يَوم بِالإضافَة إِلى أَيامْ السَبْت وَبِذلِكْ يَصِل عَدد الأَيامْ المُخَصَصة لَهمْ مِئَة وَخَمسونْ يَومَاً فِي العام.

 


إِنَ التَقسيم الزَماني وَالمَكانِي لِلمَسجِد الأَقصى المُبارك أَخطَر مِن إِحراقِه حَيثُ تَسْعى قُوات الإحتلال إِلى تَخْصيص مَناطِق وَزوايا مُعينة وَمُخَصصة لِليَهود وَأَخرى لِلمُسلِمين وَتَسْعى لاقتطاع أَماكِن مِن المَسجِد الأَقصى المُبارَك وَتَحويلهَا إِلى كَنائسَ يَهودِيَّة تُقام فِيها الصَلوات التُلمُودِيَّة.

 

إِنَ التَقسيم الزَماني لِلمَسجِد الأَقْصَى المُبارك وَمُحاوَلَة تَقسيمُه مَكانِيَّاً يَتَطَلَبْ مَوقِفَاً جاداً عَلى المُستَوَيين الرَسمي وَالشَعْبِي.

 

عَلى النِظامْ الرَسمي العَربي وَالإسلامي النَظر وَتحقيقُ مَطالِبِ شُعوبِه بِقطعْ عَلاقاتِه مَعْ هَذا الكِيانِ الغَاصِبْ لأَن بُوصلة وُجدان الأُمَّة الجَمعِي هِيَ اُولى القِبْلتين وَثالِثْ الحَرَمَيّن الشَريفَيّن مَسْرى نَبيَّها وَمُصلى أَنبياءِها، وَعَلَيه أَن يُدرِك أَنَ التَطببعَ مَعْ هَذا المُحتَلْ هُوَ خِنجَر فِي خَاصِرَةِ المَقدِسيين وَإِن الاتفاقيات مَعَهُ لا تَغير مِن طَبيعَتِه وَنَظَرَتِه التَوَسُعِيَّة الاستعمارية لِلوَطن العَربي، وَأَنَ هذا الكِيان لا يَعتَبِرُ التَطبيع إلا إحدى أَدواتِ التَوسع الناعِم وَمرحَلَة مِنْ مَراحِل الاستعمار والاستيلاء.

 


وَيمتَلِك النِظام الرَسمي العَربي الأَدواتِ وَالوسائلَ فِي المُؤسسات الدَوليَّة وَالإقليمِيَّة وَالبينيه بِالإضافًة إلى مَقدراتِه الذَاتِيَّة الهَائِلة ما يَردع المُحتل عَن جَرائِمِه بِحقِ المَقدسيين وَالقُدس وَدَعم صُمودِهِم خَاصَة وَالشَعب الفِلسطيني عَامة لِتحرير أَرضِه وَالعَودَة إليها وَالعَيشِ فيها وَإَعمارِها وَإِدارَتِها.

 

إِنَ الجُهدَ المَشكورَ وَالذي تَقوم بِهِ الشُعوب العَرَبِيَّة وَالمُسلِمَة وَأَحرار العالَمْ مِن مُؤسسات مُجْتَمَع مَدني وَقِوى حيَّة وَأحزاب وَتيَّارات سِياسِيَّة وَأُدباء وَشُعراء وَمُفكرين نُصرَة للأَقْصى وَدَعْم صُمودِ المَقدسيين وَالتَفاعل مَع الأَحداث عَامِلٌ مُهم لَهُ أَثَرُه في نُفوسْ المَقدِسيين وَالفِلِسطينيين يَنْبَغي تَطوير أَدواتِه وَأَسالِيبُه وَتأطير هَذِهِ الجُهود لِتُصبِح أَكثَر فَعالِيَّة وَتأثيرَاً لإسناد وَدَعم أَهالي بَيتْ المَقدِس .

 

إِنَ ما قامَت بِه المُقاوَمَة البَطَلَة فِي مَعرَكة سَيف القُدس شَكَلَتْ تَحَوَلاً فِي القَضِيَّة الفِلسطينيَّة وَجَدَدَت مَكانَة القُدسْ فِي الصِراع باعتبارها قَلب القَضِيَّة وَجوهَرَها، وَإِن المًقاوَمَة البَطَلَة لَيْسَتْ لِلدِفاع عَن غَزة وَحدها وَرَفْع الحِصار الظالِم عَنها بَلْ أَكدَتْ عَلى وِحدة الساحات وَوِحدَة المَوقْف وَوِحْدَة الفِعل وَالرَد.

 

عَلى الرُغمِ مِنَ المُمارسات الصُهيونِيَّة الوَحْشِيَّة وَالهَمَجِيَّة ضِد المُرابِطين وَالمُرابِطات فِي المَسْجِد الأَقْصى وَباحاتِه إِلا أَنهم يُشكِلونْ خَط الدِفاع الأَول عَنْهُ وَسُور حِماية لَهُ فَجهودُهم مَشْكُورَة وَمُقَدَرَة فَواجِبْ دَعْمِهِمْ وَإِسنادِهِم بٍكُل الوَسائِل المَطلوبَة وَالإِمكانَات المُتاحة، وَإِن التًفاعُل مًعْ أَحداث بَيتْ المَقْدِسْ مِنْ الأُمَة وَأفرادها لَهُ أَثَرْ فِي نُفوسِهِمْ وَمعنوياتِهِم لأَن دِفاعَهُم عَنْ الأَقصى هُو دِفاع عَن حُرماتِ المُسلمين وَكَرامَة الشًعوب لِذا فَنُصْرَتُهُمْ واجِب وَإِسنادِهم أَوجَب.
وَدُعاءْ لله سُبحانَه صَلاةً فِي باحاتِ المَسجْد الأَقْصى المُبارَكْ مُحَرَرَاً عَزيزَاً بِجانِبْ مَنْ كانُوا يُدافِعُونَ عَنْهُ وَيُرابِطونَ في باحاتِه وَساحاتِه مِنَ المُرابِطينَ وَالمُرابِطاتٍ.

 


(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا)

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

تنافس الأحزاب الإسرائيلية يكشف تقارب مواقفها حيال الفلسطينيين

التالي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »