من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

تاريخ الإضافة الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م    عدد الزيارات 370    التعليقات 0     القسم تدوينات

        


علي ابراهيم

 باحث في مؤسسة القدس الدولية

 

تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فردية، وبهما تمضي الذاكرة لتشكل سجلاتنا الشخصية، وتطوراتنا الصغيرة والهائلة.

 

ولا أدري لم تشكل وعينا العربي والإسلامي على التطلع إلى الماضي بشكلٍ منقطع النظير، ربما بصفته الفترة الزمنية التي تحمل -على حدٍ سواء- الأحداث العظيمة الملهمة، إلى جانب الدروس البليغة مما عانت منه الأمة من تفرقة وتشرذم، ومن ثم نهوضٌ متجدد، وانبعاث من الحضيض. ولم يعد النظر إلى هذا الماضي قاصرًا على الزمن الغائر في القدم، فالماضي القريب لنا هو سيرورة متواصلة مما نعيشه، فنظل نتقلب بين ظلين، ظل الماضي السحيق بأمجاده وشخوصه وما فيه، وظل الماضي القريب واستمرار معاناتنا من الاستعمار وأذنابه، وكل بضع سنوات تحمل معها خسائر جديدة، وفي الوقت نفسه آمالٌ عريضة بأن التغيير قابلٌ للانتقال من فضاء المستحيل إلى دائرة الممكن.

 

وعلى الرغم من أن حالة تذكر التاريخ قد غلب عليها التطلع إلى التاريخ المضيء، إلا أن بعض القضايا النازفة تشكل الذكريات المؤلمة جزءا من تغريبتها الخاصة، وكأن الذاكرة مسؤولة عن تحريك المشاعر الداخلية، ودفعها للعمل من جديد، فما جرى في السنوات الماضية ليس إلا محطات إن لم نعمل على تفاديها ستتكرر مجددًا، ويحسن في هذا الباب أن تكون القضية الفلسطينية النموذج الذي يسلط الضوء عليه، على الرغم من كثرة الجراح والقضايا في السنوات العشر الأخيرة.

 

وفي سياق تسليط الضوء على حدث بعينه، وهو حديث نعيش في ظلال ذكراه، فالحديث عنه لم يكن ضمن سياق المفاضلة بين الجراح، فكل واحدةٍ من محطات النزف تلك لها ما بعدها، ولكن حضور التأريخ والمناسبة، دفعاني للحديث عن حادثة إحراق المسجد الأقصى، فهي كما ترسخت صورةً ماثلة في وجدان من عاشها، تحولت إلى حادثة نعيش انعكاساتها الثقيلة عبر صور المخاطر التي تتهدد المسجد ولو غاب الحريق والدمار، مع حضور العجز في الحالين... فالحادثة أتت على أجزاء من المصلى القبلي، والمخاطر الحالية تتربص بكل الأقصى لتهويده وتثبيت وجود المستوطنين داخل جنباته.

 

فالخطر الذي مثلته جريمة إحراق المسجد الأقصى، وعلى الرغم من انتفائها بالشكل الذي جرت فيه عام 1969، إلا أنها اليوم تتمظهر بأشكال مختلفة، يُستهدف المسجد الأقصى في الخطاب، وتتمنى "منظمات المعبد" لو تزيله وتهدم مبانيه اليوم قبل الغد، ولكنها بالتوازي مع الأمنيات التي ترافقها التصريحات والأقوال، تقوم بعمل حثيث لاستهداف المسجد ومكوناته البشرية، وتعمل على تثبيت الوجود اليهودي داخل الأقصى، لتكون هذه المخاطر بالإضافة إلى الحفريات أسفل وفي محيط الأقصى وغيرها الحريق الذي يعاني منه المسجد بشكلٍ بطيء ومستمر، وهي أخطار تتربص بالمسجد الأقصى وتتصاعد مؤشراتها كل، لتصل المنظمات المتطرفة إلى النقطة التي تستطيع فيها أن تغيّر طبيعة هذا المسجد، وتدفع نحو إحلال القدسية اليهودية للمكان، مكان فهمنا الإسلامي والقدسية النابعة من الشريعة الغراء.

 

أما القضية الثانية التي أكثرت فيها التفكير في الأسبوع الماضي، ألا وهي التفاعل مع ما يعانيه المسجد المبارك، لقد كان حريق المسجد الأقصى سببًا أساسيًا لإنشاء منظمة "المؤتمر الإسلامي" التي تحولت لاحقًا إلى منظمة "التعاون الإسلامي"، وهنا يكمن سؤال بالغ الأهمية عن انزياح الأطر العامة من أهدافها الأولى، وأطرها العامة، لتتحول إلى أطر هامشية الفعل، لا أثر لها على أرض الواقع، بل تبتعد عن القضية الأولى التي أنشئت بسببها.

 

وهو مثالٌ حاضر لا ينبغي أن يغيب عن المتابع لشؤون القدس، فأهمية الحفاظ على الغايات الكبرى والأهداف السامية المتمثلة بحماية هذا المسجد، والذود عن المدينة المحتلة، يجب أن يظل نبراسًا لكل عامل، لا أن يكون تقديس الوسيلة والركون إليها، وهو اهتمام سيسبب لا محالة نكوصًا مدويًا، وسنمضي من انتكاس إلى آخر، وهو اليوم ما نعاينه من تراجع للتفاعل بشكلٍ منقطع النظير، ما يجعل النموذج السابق -حالة منظمة التعاون- ليس نموذجًا جمعيًا، بقدر ما هو نموذج يمكن إسقاطه على الأطر الرسمية أو الشعبية وغيرها.

 

أعود إلى الذاكرة ووقود شحذ الهمم للعمل، ستظل المناسبات والذكريات الأليمة محركًا فاعلًا، إلا أن البقاء في هذه الدائرة فقط، ستكون الذكريات واحدًا من القيود، وهي هنا الحاجة الملحة لتكون هذه الذكريات هي الدافعة إلى العمل، لنستطيع أن نصل إلى اللحظة التي نقول ما بين ذكرى الإحراق الماضية والحالية اقتربنا من التحرير بالقدر اللازم، لا أن نقول بأن ما بين العامين وما فيهما من ذكريات قد أشعلت نواحًا كنواح الثكالى لا غير....

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مؤسسة القدس ومعركة المسجد الأقصى: طريق النضال الحقيقي

التالي

عُري في الأقصى: لماذا وما العمل؟

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »