رواية بدّو- الفصل الأول

تاريخ الإضافة الثلاثاء 5 آب 2008 - 11:17 ص    عدد الزيارات 3664    التعليقات 0     القسم

        



الإهـــداء..

بِـدّو..
أيتها القرية المسجّاة تحت وجع القهر..
أيتها المصهورة حتى النخاع في نار الحطام والخراب..
تختصرين همّ القرى والمدن والبيّارات على مساحة الوطن..
تستصرخين الرجال العتاة، والضمائر الغافية.
ولا يحمل جرحك إلا ذلك الفتى المسربل بالحجارة..
ينام هو الآخر على حلم يصل إليك..
وأنت تنتظرين..
ونحن ننتظر.!

 

عدنان كنفاني*

 

الفصل الأول

(1)

سليمــان، أول الأسفار

 

تمضي الأيام ثقيلة رتيبة متشابهة لا اختلاف فيها، نخضع لنظام مدرسة داخلية صارم، نصحو مبكّرين، نتزاحم أمام دورات المياه، والمغاسل، والحمّامات ونحن نقوم بقضاء أمورنا اليومية المعتادة، ثم نرتدي ملابس العمل الزرقاء الموحّدة، ونحرص على الحضور بكامل الاستعداد الساعة السابعة تماماً في صالة الطعام الكبيرة لنتناول وجبة الإفطار..

 

نتوجّه بعدها، أكثر من مائة وخمسين شاباً، تتراوح أعمارنا بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة إلى صالات التدريب العملية "الورشات" المختلفة..

 

عشرة "هنغارات" واسعة، مجهّزة بأحدث وسائل التدريب العمليّة للمهن التي يقوم المركز على تعليمها للطلاب، تنتشر أبنيتها المشادة من حجارة مطليّة بلون أبيض، وأسقف قرميدية محمولة على أعمدة وجسور حديدية عملاقة، تقوم على أنساق متقابلة، وبصفوف منتظمة فوق مساحة كبيرة من أرض القسم الجنوبي للمركز..

 

يحُدّها تماماً من وراء السور الحجرّي الجنوبي المرتفع، مخيم قلندية.. الملحق بقرية قلندية الصغيرة..

 

بعد جولة التدريبات العملية الصباحية داخل الورشات المختلفة، تبدأ الدروس النظرية في الساعة العاشرة، عندها نتوجّه إلى الصفوف المخصّصة لهذه الغاية، والمجهّزة أيضاً بمقاعد ومنصّة وسبوّرة ووسائل إيضاح متقدمة. ولا تقتصر الدروس النظرية على ما يخّص المهنة التي نتعّلمها فقط، بل تشتمل أيضاً على دروس مكثّفة في الرياضيات واللغة الإنكليزية بشكلٍ خاص ليتمكّن الطلاب من فهم الدروس النظرية والعملية التي يقوم خبراء مختصّون بتدريسها، وهم على الغالب من الأجانب.

 

وبعد انتهاء حصص الدروس النظرية، قد تتطلّب الحاجة أحياناً أنْ يعود بعض تلاميذ الأقسام إلى الورشات لإجراء تطبيقات عملية..

 

مرة أخرى نجتمع في تمام الساعة الثانية في صالة الطعام لنتناول وجبة الغداء الرئيسة، وهي صالة طويلة عريضة، نوافذها كثيرة، تنتهي قاعتها إلى باب يقود إلى المطبخ الواسع أيضاً، ومنه إلى المستودع الخلفي، وغرفة البرّاد..

 

بينما يقوم أمام المدخل الرئيس للصالة، "كانتين" صغير مستثمر من قِبَل رجل معوّق جسدياً يبيع فيه أطعمة مختلفة، وسكاكر ومرطبات، وسجاير مهرّبة..

 

أمّا صالة الطعام فهي كما قلت واسعة رحبة تتّسع لعشرين طاولة، على جانبيْ كل واحدة منها مقعدان خشبيان يتّسع كلّ واحدٍ منهما لأربعة أشخاص، بحيث تجمع حولها ثمانية أشخاص، يجلسون متقابلين..

 

ويقضي النظام الداخلي للمركز أنْ يتناوب التلاميذ بتكليف واحد منهم على مدار اليوم مسؤولاً عن خدمة طاولة واحدة، وذلك بتحضير الطعام ونقله من المطبخ الكبير الملحق بالصالة، وتأمين ماء الشرب، والخبز وغير ذلك، كما يقوم هو نفسه بعد الانتهاء من تناول كل وجبة، بتنظيف الطاولة المكلّف بخدمتها، قبل أن يتناول مخصصاته من الطعام..

 

ويقضي النظام بعدم السماح لأحد البدء بتناول الطعام، أو مغادرة الصالة بعد الانتهاء منه، قبل صدور الإشارة المتعارف عليها من السيد "أبو شهاب" المشرف على النظام العام..

 

ننتشر بعدها في وقتٍ واحد إلى غرف الإقامة، نغتسل ونبدّل ملابسنا، ونمضي ما تبقى من النهار إما في صالة الرياضة أو في حوض السباحة أو في صالة المطالعة والتسلية..

 

"يتبع"

 

* أحداث هذه الرواية ملخّص مذكّرات سنتيْن عاشها الكاتب والأديب الفلسطينيّ عدنان كنفاني، في قرية بدّو شمال غرب مدينة القدس، في ستّينات القرن الماضي.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

وجوه عديدة للاستيطان "الإسرائيلي" في القدس

التالي

41 عاماً من الإهمال

مقالات متعلّقة

براءة درزي

القدس.. يحبّها رسول الله وتحبّه

الأربعاء 28 تشرين الأول 2020 - 7:40 م

إلى بيت المقدس عُرج برسول الله من المسجد الحرام، ومن بيت المقدس أسري به عليه السلام، فكانت القدس نافذة الأرض إلى العلا وتاريخ الأرض المتّصل بالسماء وبرسالة خاتم الأنبياء. في بيت المقدس صلّى عليه السلا… تتمة »

هشام يعقوب

من عزلتي في الكورونا

الثلاثاء 13 تشرين الأول 2020 - 5:39 م

مريض كورونا يُناجي الأسير ماهر الأخرس الذي يخوض إضرابًا عن الطعام لنيلِ حريتِه منذ نحو 80 يومًاكانتْ صورتُك هي الأكثر التصاقًا بمخيّلتي وأنا أقاسي أوجاعًا محمولةً جرّاء الكورونا.ماهر...ماهر، هل تسمعني… تتمة »