"الأمن" والخوف وليلة القبض على مؤسسة الأقصى

تاريخ الإضافة الثلاثاء 26 آب 2008 - 9:16 ص    عدد الزيارات 3440    التعليقات 0     القسم

        



لا شيء مفاجئ في المبررات التي تقولها المؤسسة "الإسرائيلية" حول دواعي إقدامها على إغلاق مؤسسة الأقصى، يوماً بعد مهرجان الأقصى في خطر الـ13، في منتصف الليل والناس نيام.

 

تقريباً بالأسلوب نفسه الذي اقتحمت به مدينة أم الفحم قبل 5 سنوات وأربعة أشهر، حين اقتحمت المكان نفسه واعتقلت حينها قادة ونشيطي الحركة الإسلامية وأغلقت مؤسسات الحركة ومن بينها "المؤسسة" مع أل التعريف، مؤسسة الأقصى.

 

في الاقتحام الليلي أكثر من إشارة، أولها وأهمها هو عنصر الدراما، وعنصر الخطر، فحين تقتحم مكاناً بالليل فأنت تضفي عليه الخطر بأقصى درجاته، وحين تقتحم مثل هذه القوات مؤسسة لمصادرة وثائق وحصالات لأطفال جمعوها من مصروفهم اليومي، فهي تقلّل عن قصد من أية أهمية للعمل الإنساني الكبير، ولكلّ معاني الانتماء والتحدّي والعمل الذي يمثّله مشروع مؤسسة الأقصى لتضعه في المربع الأمني، المليء بالخوف، ولا يمكن فعل ذلك بالنهار لأنّ الدراما والخوف ودرجة الخطورة تختفي حينها.

 

التسلل الليلي لقوات أمنٍ يمكن أنْ تحرس حدوداً بحسب العدد في أيام الحرب، هو العنصر النفسي الأهمّ الذي يخلق حالة من الردع المباشر بين "الرأي العام" (الذي لا يعوّل عليه أحد طبعاً) وبين إمكانية أنْ تكون هناك أية دوافع إنسانية لدى المؤسسة المستهدفة، وهذه عادة تكون مهمة للغاية للاستهلاك الإعلامي الذي سيملأ الدنيا تحليلات وأكاذيب وكلام من الخيال وآخر من عند أجهزة الأمن، منذ صباح اليوم الأحد الموافق 24 آب 2008.

 

من منا لا يذكر أكاذيب 2003؟؟

 

ويكمن العنصر الثاني في الإثارة، حضور عناصر من جهاز الأمن العام الشاباك في هذه الحملة، الأمر الذي يرفع مباشرة الحالة الأمنية إلى حالتها القصوى، لا يكفي الليل لوحده، الذي يخلق حالة من التماثل طبعاً في وعي "الإسرائيليين" بين إغلاق المؤسسات الفلسطينية مؤخراً في الضفة الغربية وبين إغلاق مؤسسة الأقصى.

 

ويكتمل البعد الثالث للإغلاق في التأكيد طبعاً على العلاقة (الحاضرة دائماً) بين الإغلاق وبين حركة حماس التي من الأسهل دائماً جعل أية ملاحقة أو خطوة أمنية من أيّ نوع مبررة حين تحضر، وتحديداً في الآونة الأخيرة، حتى فلسطينياً قد تكون مبررة فكيف لا تكون مبررة "إسرائيلياً"؟؟.

 

حماس والقاعدة والإرهاب وكلّ ما شئتم من الأسماء، ليست هي دليل الإغلاق كما قد يعتقد البعض ويظن، بل هي الضربة التي توجّه بها الصدمة للرأي العام أولاً حتى تكون درجة الإقناع في مستوى أعلى.

 

لا يمكن الادعاء أنّ مؤسسة الأقصى أغلقت لأنها تنشط في المسجد الأقصى المبارك، وهذا هو السبب الأساسي لإغلاقها، كما لم يكنْ من الممكن في حينه في اعتقالات 2003 الادعاء أنّ سبب الاعتقال هو منع تقديم مساعدات إنسانية، ومنع الحركة من بناء مؤسسات تعتمد بها على نفسها، وضرب مشروعٍ يفكّر ويعمل ويقدّم ولا ينشغل بالبكاء مع كلّ ما يحمل هذا طبعاً من معنى.

 

لا بد دائماً من سبب "مقنع " للغاية مع أن المؤسسة "الإسرائيلية" لا ينقصها أسباب مقنعة، هي فقط تبحث عن قرينة معقولة مقنعة وأسباب أمنية ودرجة خطورة عالية.

 

اقتحام مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية وإغلاقها، له علاقة مباشرة جداً بين ما تقوم بها المؤسسة من عمل مميز وخاص تنفرد به هي نيابة عن العالمين العربي والإسلامي والفلسطينيين كذلك وبين ما تخطط له المؤسسة "الإسرائيلية" وتقوم به مؤخّراً فعلياً على أرض الواقع وتحديداً منذ هدم باب المغاربة قي شباط 2007، والمخططات طبعاً ليست جديدة.

 

وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة مفادها أنّه لا أحد اليوم يقف في وجه المخططات التي قالت وتُقال علانية بواسطة المؤسسة الرسمية وكان آخرها ما سمي بـ"مشروع القدس أولاً"، ومشروع الكنائس حول المسجد الأقصى الذي كشفت عنه المؤسسة قبل أقل من أسبوعين، لا أحد يقوم بهذا الدور، وأكثر من ذلك (بكل أسف) لا أحد يجرؤ على القيام بهذا الدور في الأقصى إلا مؤسسة الأقصى وبعض الشخصيات التي تنشط على المستوى الفردي، على ذلك تغلق مؤسسة الأقصى بأقصى درجة خطورة أمنية.

 

لم تكتفِ مؤسسة الأقصى، التي امتازت وتميزت بشجاعة نادرة غير مسبوقة في جعل حالة الخطر التي يعيشها الأقصى ليس مجرد شعار، بل دعمته بالوثائق ونشرته بعملية متواصلة من المؤتمرات الصحافية والحقائب الإعلامية التي وزّعتها على كلّ مسؤول ممكن، وأوصلت صوت الأقصى بحقّ إلى كل بقعة ممكنة على الأرض، وهي تصرخ، وتحذّر، لأنها كانت على دراية ومعرفة بكل التفاصيل، لم تدّعِ عبثاً، ولم تقلْ جزافاً، ولم تحوّل الحالة إلى استنكارات وتحفظات ومشروع قانون في الكنيست وفي لجان التخطيط القطرية، بخلاف الغالبية فهمت المؤسسة أنّه لا يمكن وضع الأقصى أمام المحكمة العليا "الإسرائيلية"، لأنّ في ذلك إهانة عظيمة وكبيرة للمكان والرمز والمعتقد أولاً، وأنّه ليس أهرون باراك ولا دوريت بينيش وغيرهم هم المخولون أصلاً بالبت بمسائل ترتبط بالعقيدة والهوية والنفوذ، في مكان مثل الأقصى والأقصى بشكلٍ خاص، فقد منحت أهمية المكان وخصوصيته في قلوب المسلمين من علاقته مع السماء، فحين كانت بوابة السماء بهذا المعنى مفتوحة كلّ الوقت فلا يجوز استدان أو الطلب من بوابات تغلق في آخر الأسبوع والإجازات الرسمية في أنْ تبتّ بأي ذرة تراب به.

 

أغلقت مؤسسة الأقصى لأنها تقريباً أصبحت كمؤسسة تحمل الأقصى وهمه وألمه وحلمه لوحدها، في زمن تخلّت عنه أمّة بأكملها ورغب البعض بتدويله وتحويله إلى مكانٍ سياحي في أحسن الحالات بحسب اتفاقيات هي في غاية السوء وعلى رأسها وأولها اتفاقية أوسلو.

 

أغلقت مؤسسة الأقصى لأنها قادت مشاريع عدة ربطت الناس الكبار والأطفال والنساء بالمسجد الأقصى في مشروعيْن يُعتبران رائدان من حيث التواصل والانتماء ورسخت في وعي الناس أهمية الأقصى، وأنّه حقيقة وفعلاً "ليس وحيداً" بكل ما استطاعت من إمكانيات طبعاً، مسيرة البيارق للحافلات التي سيرتها مؤسسة الأقصى أصبحت جزءاً من وعي الناس في علاقتهم مع القدس والأقصى، وصارت أحد الشرايين التي تمد القدس ببعض الحياة، وتخلق حالة من التواصل الحقيقيّ مع المدينة، تساهم في فك الحصار المعلن سراً على المدينة.

 

لا تحتاج القدس إلى شهر ثقافة ولا حتى إلى سنة لتتحوّل إلى بلدة حية وخاصة، أبهج مشاهد الفرح في القدس هو الأقصى، وأهمّ أعمدة تثبيت البلدة هو الأقصى، وحين نقول إنّ الأقصى هو أهم معلم في البلدة، وفي البلاد كلها، فلا نقصد أنْ نصنفه على أساس سياحيّ، أهمية المدينة تنبع من الأقصى، وهذا لا يقلّل من أهمية المدينة كلها وضرورة مواجهة الحصار والتهويد اللذان يتعرضان لها.

 

مؤسسة الأقصى نجحت بجدّ ونشاط وبراعة بواسطة طاقم وكادر مميز بكافة المستويات أنْ تبقى للمدينة مكانتها التي تستحق، حالياً القدس لا تحتاج إلى عود أو كمان، في هذه المرحلة، القدس تحتاج إلى الأقصى بشكلٍ خاص، لأنّه هو الذي منح للبلدة مدينتها، وهناك من يعرف أنّه في حالة سلب الأقصى من القدس فلن تصبح مهمة، المشكلة وهي مشكلة إيجابية للغاية أنْ لا أحد يستطيع أنْ يسلب من المدينة مسجدها.

 

أغلقت مؤسسة الأقصى بسبب عشرات آلاف الأطفال الذين أصبحوا مرتبطين بالمسجد والمدينة بأكثر ما يحب الأطفال مصروفهم الشهري، كان صندوق طفل الأقصى ليس مجرّد حالة توفير، يوفّر الأطفال ليشتروا دراجة، ويوفّر الأطفال ليذهبوا رحلة، لكن في حالة الأقصى يوفر الأطفال ليحموا مسجدهم، ليرتبطوا به، ليعبّروا عن حبهم له، على ذلك أغلقت المؤسسة.

 

أغلقت المؤسسة لأنها توجّهت إلينا كلنا أنْ نتوجه إلى يافا السبت القادم، لنحميها ونحمي مقدساتها، وهي لم تفعلْ ذلك هذا الأسبوع، إنّها تقودنا في عملية إعادة إحياء لكل مكان في هذا الوطن، من مساجد ومقابر وأمكنة، تعيد ترتيب حياتنا مع أماكن كادت أن تفقد، منذ سنوات رحلة لا تنتهي في سماء الوطن، تقودها المؤسسة ومؤسسة مسلمات من أجل الأقصى، من خلال زيارات ومهرجانات، وتواصل لا يتوقّف مع الوطن، في القرى المهجّرة، وتقف بالمرصاد لكلّ اقتحام مقبرة أو مسجد، اسألوا أهل البروة والبصة وسحماتا وحيفا والرملة وبيت دجن والقائمة طويلة عن المؤسسة وعن رجالها المخلصين الذين يواصلون ليلهم بنهاره (هذه جملة لا تقال للمبالغة) لحماية معالم هذا الوطن الباقية من الاندثار النهائي.

 

هذه ليست قصيدة في "مديح الظل العالي"، هذا كلام نعرفه كلنا عن المؤسسة ودورها، لا تصدّقوا كل ما يُقال من قِبَل الإعلام "الإسرائيلي" ونعرف أنكم لن تصدّقوا، كل ما سيفعل أنّه سيعيد إنتاج كذبه من جديد، الأمر غير مهم بالنسبة لنا لأنّنا نعرف أنّ هناك من لا يصدّقه أصلاً من "الإسرائيليين"، بالنسبة لنا هناك حقيقة واحدة، مؤسسة الأقصى هي اسم يلمع ما زال وسيبقى في سماء بلادنا، وعلاقتنا مع الأقصى لن تنتهي، لأنّ المؤسسة رسختها بنا، بالنسبة لنا هناك كلام سنقرأه ونشاهده ونسمعه، من صحافيين وأنصاف صحافيين وأرباع محلّلين كلّ ما بإمكاننا أنْ نقول لهم كذابون!

 

تصبحون على أقصى.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

في ذكرى الحريق.. هذا هو الطريق

التالي

فوائد تاريخية من معجزة الإسراء

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »