رواية بدّو (4)

تاريخ الإضافة الخميس 11 أيلول 2008 - 7:52 ص    عدد الزيارات 3585    التعليقات 0     القسم

        



الفصل الأول (4)

 

"بدّو" قرية سليمان التي وُلِد فيها.. ترعرع في حواريها وبساتينها وحول تلالها ووديانها ووهادها، فشّب قوياً كالحصان، ينضح الريف من كل عرق في جسده، وفي جبهته "البارزة قليلاً" تقرأ سطوراً واضحة لطموحٍ وعنادٍ في آن، وتشعر يقيناً أنّه يحمل في أعماقه فلسفة معقّدة، كأنّها مسؤولية عن أمورٍ مرهقة لم تفرضْ عليه من أحد "في ذلك الوقت على الأقل" تحسّها تنبض مع خفقات قلبه دون أن يتحدث عنها، وتشعر بثقل شيءٍ كأنه أرق ثقيل يحمله، ويعانيه عندما يوحي إليك بعينيه المتسائلتين أنّه عاجز عن إيجاد أجوبة شافية لأسئلة كثيرة، ومرتجّة..

 

ترى ماّذا سيفعل لو أنّه عاش حياتي..؟

 

خلقت لنفسي صورة، لونتها بشتى ألوان الطيف الزاهية، ربما كانت مهزوزة أو غريبة "سمّها ما شئت" ارتضيتها أجوبة ممكنة لأسئلتي الصغيرة، أقنعت بها نفسي من قراءاتي الكثيرة، سواء كنت محّقاً بذلك أو مخطئاً.. ورضيت.

 

سليمان، لم يرضَ، تشابكت حوله خيوط الحلقات وكادت تنغلق. فعاش بداخلها، يركض، يدور، يذوب، لكنّه دائماً يبقى في الداخل.

 

ما أصعب أنْ يعيش الإنسان في حلقة، يشاركه تلك المساحة الضيقة شبح سؤال مرتّج لا يجد وسيلة لخلق جواب مقنع له..

 

أنا لم أعجزْ، تصوّرت أنني لم أعجز، وتصوّرت أنّ الحلقة لم تمسكني. وأنني تجاوزتها رغم صغر تجربتي، ورضيت، رغم الاختلاف البيّن بين الماضي القليل القاحل من حياتي، وحياة سليمان..

 

قريته، أسرته، هذه الأحاسيس الصغيرة الرقراقة التي تلمس شغاف الروح أكثر من ملامستها للأشياء. هذه الاهتمامات الدقيقة التي قد لا تعني شيئاً بفعل التكرار السهل لمن يعيشها يوماً بيوم والتي تلمستها بكثير من الانبهار من خلال زياراتي المتكررة لقرية سليمان وبيته، كانت في نظري مشبعة بقيَمٍ سامية تمثّلت لي صوراً لأحلام لا يمكن أنْ تكون على هذا القدر من الحقيقة، تشدّني لأتمنى من كل قلبي لو أنني أخ لسليمان، أشاطره البيت والأرض والأسرة، وأقول بفخر، بل بأكثر من فخر، أقول بانتماء..

 

أنا من بدّو..

 

بدّو التي غرزت بكلّ ما فيها في مسام جلدي فتنفسّتها، خلقتها في عروقي فسارت مع دمي تمسّكت بها بكل قوتي في خيالي ويقظتي، فوجدتها على الدوام مترفة وبرّاقة..

 

بدّو هي أنا.. تصوّرتها في ذلك العمر أنها أنا، بل هي أنا..

 

إنها في ذاتي، في وجداني محفورة وما تزال رغم شوط العمر الطويل، تختلط ولا تنفصل مع ذكريات حميمة ليافا وعكا، كلما هرب بي الخيال إلى هناك..

 

لو أنّ سليمان يتلمس الفارق بيننا لأدرك بسهولة أنّه مشبع بترفٍ مدهش.. كيف يشغل رأسه إذن بأسئلة مرتجّة تبدو عقيمة وبلا نهاية؟

 

يتبع...

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

فجأة كلهم مع القدس

التالي

رواية بدّو (5)

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »

علي ابراهيم

فرسان الميدان حشدٌ وتعبئة واستنهاض

الخميس 11 حزيران 2020 - 12:22 م

أفكارٌ على طريق التحرير -5- فرسان الميدانحشدٌ وتعبئة واستنهاض رواد التحرير ورواحل العمل هم فرسان ميادين العمل للقدس، على اختلافها وتنوعها، إذ تقع على كواهلهم مهام جسام، لتعبيد الطريق أمام السالكين للم… تتمة »