سيظلّ وجهكِ "مقدسيّ" اللون

تاريخ الإضافة السبت 4 تشرين الأول 2008 - 12:16 م    عدد الزيارات 11079    التعليقات 0     القسم

        



أيتها المعطّرة بالقداسة.. ليس الموت الذي يغشاك موتاً، إنه عرس الحياة.!

 

يشدّ القيد يا قدس على معاصم أسوارك العتيقة.. وقد جاء طيف مدينتي يضيئني ذات ليلة، وكنت منفيّة في حواريك، حاضرة في مناديل التين، ورنات العتابا

 

تطرق باب قلبي والمعنّى

 

وسكون السجن ينبئني بالنقل إلى سجن آخر جديد، ويمنيني بحلم مصفّى من أتون أمنياتي الغالية..

 

عرفتُ زنازين القهر، وأدركت أنها مدرسة الصمود، ورأيت النخيل يحنو بجذعه الرطيب على حصون الأقصى الأسير.

 

في ظلام الليل، تتعلّق أهداب القمر على وحشة الليل، تعانق غرسة زيتون نبتت في سفح "جبل الزيتون"، وفي "الطور" زادها الهجر اخضراراً وشموخاً ووقاراً.

 

يعانق "أبو غنيم" إحدى منارات القدس الشامخة، فمن تراه علّم التاريخ والذاكرة كيف تقرأ في أسفارها روعة الآيات البينات.؟

 

ما تزال حتى اليوم قدّاس الحياة، "وفي الناس المسرّة وعلى الأرض السلام".

 

آه يا قدس لو يطلع ضوء الفجر، وينكسر القيد، يتحرّر الزمان الذي أشقانا ذلاً، لكنت صلبت نفسي فوق صدرك، وصرخت: إني خشب الصليب..

 

في حواريك القديمة، يتقوّس الهلال ويعانق الصليب، ومن وراء أسوارك الحصينة، والجدار المشطور يعلن ميلاد القيامة..

 

يا قدسي الموشّاة بحلم الكينونة.. لست أنساكِ

 

قتلوني عندما كنت جريحاً، وحبسوا عظامي ألف عام، وفرضوا عليّ ألف دينار غرامه.

 

نعم أيها السادة، إنها ليست خرافة، ومن يزيد في الثمن يوصف بالشطارة.

 

في زمان التيه والكفر المؤلّه والحروب، أصبح بؤس القدس بسمة خجولة تتراقص في القلوب المتعبة، وصرخة تتنادى من السماء، أن كوني كوكباً يرسل النور لأفراخ الحمام.. وازرعي السهل وروداً وربيعاً وسلاماً، واغسلي الدموع عن وجنات هشّمتها سهام الضلال.

 

احملي البشرى لأطفال ترعرعوا في المهاجر، وإلى نساءٍ أضناهن السهر، ولتبدأ يا زورقنا رحلة العبور، فالمشاوير إلى الحقيقة، بين كوخي والقبيلة طويلة، لكنني سأبذل الدم فداء للوصول.

 

يا قدس لا تحزني، فمن يريد ركوب البحر لا يخشى المخاطر، فليغرق الموج في اللجّة، ولتجتاح السيول الدروب المهاجرة، فقد أصبحت الأحلام تنام في المغارة المجاورة "لمغارة سليمان"، بالقرب من "بوابة دمشق"، وجاءت سيدة الريف المقدسيّ تبيع في سوق المدينة "سوق الفلاحين" اللبن والتين والكستناء، مؤمنة بربها، تذرف الدموع في كل ليلة بين يدي ظلاله، كأنها "رابعة"..

 

جارتنا كشمعة محترقة، تلمع في جبينها المآسي والمحن.. كنت صغيراً عندما عرفت أن حفنة من الخونة تآمروا على الوطن، وأنّ كل ما يلفنا جميعنا من ظلام، مصدره قتل الوطن وتحويل الأسماء.

 

"براقنا" أصبح مبكى، "وبوابة دمشق باب العامود وباب الخليل" أصبحت قلعة داود "الملك ديفد" وغيرها وغيرها.. أما "باب الواد" لم يعدْ واد لأنه طريق يقود إلى منزل شارون.!

 

شربنا القهوة في "دار الأيتام" على مطلع باب الأقصى عند "طريق الآلام، والجلجلة".

 

قالوا لها: الحلم في عينيك يهفو إلى فجر جديد يمزق القيود ويكسر الأغلال، ويزرع الشموس في ذرى "جبل الطور وأبو غنيم".

 

يا خالتي.. شقيقي يقيم كزهرة نرجس بين الصخور والجليد..

 

يا خالتي.. شقيقي قضى شهيداً على "باب المغاربة"، صلبوه قبل الصلاة، ومنعوا عنه الأقصى..

 

قتلوه وقالوا: إنّه إرهابي لأنه أراد الصلاة في طهر محرابك يا قدس، ثم بكوه في شوارعك من "صلاح الدين إلى السلطان سليمان".

 

ولم يسمع به أحد.!

 

زفّوه كما يُزفّ العروس.. ولم يسمع به أحد لأن نشرات الأخبار محجوزة لغيرنا يا وطن.!

 

يا حبنا المصلوب في الأرض القفار..

 

يا شمعة الميلاد، كم آه ستنطلق من حناجرنا المكبّلة.؟

 

المسجد الأقصى يموت في رحاب القدس من غير صلاة، وكلنا نمضي إلى فردوسنا، وحلمنا لن ينطفئ مهما نزفنا من دمار..

 

تعلّمنا أن صكّ الدخول إلى الفردوس ممهور بالدم، عار علينا يا زمن أن لا نفي النذور، ونمسح الأحزان عن أرض الإسراء والسلام..

 

هل متَّ عند "باب السلسلة" يا أخي.؟ أم عند "باب خان الزيت" أم في "سوق العطارين" أم في "حارة النصارى" أم عند "باب الأسباط".. أم.. أم.. أم.!

 

وأنت أيها القبطان الغائب، أيها الحجر المفتون في يد طفل، لِمَ تركتنا في البحر  نصارع الأمواج وحدنا ورحلت.؟

 

تركتنا في ليلة ظلماء بلا شراع، وغبت احتراقاً، وقد أصبحت القدس تبكي أبناءها المتخاصمين.!؟

 

قريباً يا قدس نبثّ النور في شجرة الميلاد.. بأيدينا

 

ونسقي النخيل وأشجار السرو والتوت والتفاح والكينا

 

ونملأ سلة الأحلام بالأزهار، فغذاء الروح يكفينا

 

قريبا يحطّ الزورق الصادي عن كاهله مراسي البعد والهجران، وقريباً موعدنا مع الشمس..

 

ستعلو رايتك الشمّاء في السحب، ويحكي طيرنا الشادي ترانيم المنى في كل مطلع صبح.

 

فردّي طرف منديلك على خد السما ردّي.. وردّي طرف منديلك على خد السما ردّي.. وكوني الفرحة الكبرى لأعراس الغد الوردي..

 

وسيظل وجهك يا قدس مطلع الأزهار في فصل الربيع، ودماؤنا مطر الشتاء..

 

شرفاء مثل الغيث مثل الخبز مثل الارض مثل الأنبياء

 

ستبقي القدس عربية الكلمات، أغنية الروابي الخضر في أرض الجدود.

 

عربية رغم الحواجز وارتفاعات السدود، فمن أجلك تصدح مآذننا بنداء الصلاة، وتدق كنائسنا أجراس الحياة..

 

يا قمّة تعلو على طول المدى، اليوم نهتف للنضال، ونرش زهرك بالنديّة يا يبوس، يا زهرة المدائن..

 

اليوم واجهنا السؤال، فجاء الجواب على أسنّة الأبطال، أنّ موعدنا مع النصر غداً،  فتبسمي يا زهرة المدائن يا أمّ الجمال..

 

ما دام يا يبوس عنب "الخليل" معرّشاً فوق ظلال أسوارك..

 

وما دامت الأطيار ترقص في الضحى..

 

وما دام صوت شعبي في صدري يغذيني دما..

 

وما دام عرسك يا يبوس قد أعلن البداية..

 

فأنا صديقك أيتها النجوم، وأنا نصيرك يا سما، وأنا الذي أفنى الحصون وما فنى، وأنا الذي سأبقى للحقيقة فارساً يحمي الحمى..

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مثلث برمودا الاستيطاني يبتلع المدينة المقدسة...!

التالي

لقاء موقع مدينة القدس مع الأستاذ سعود أبو محفوظ

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

عن أفئدة المغاربة التواقة للقدس

الخميس 28 أيار 2020 - 4:34 م

تعرفت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى عددٍ كبير من الإخوة الأعزاء من المغرب العربي الكبير، ثلة من الأفاضل والدعاة والكتاب والعاملين، قلة قليلة منهم يسر الله لقاءهم مباشرة في غير ميدان ومدينة، أما الج… تتمة »

علي ابراهيم

رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة

السبت 16 أيار 2020 - 4:07 م

أفكارٌ على طريق التحرير 4رواد التحرير ورواحل الريادة المنشودة عن عَبْد الله بْن عمر رَضِي الله عنهُمَا، قَالَ: سَمعْتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ ال… تتمة »