هل يكفي "خطاب السلام" لاسترجاع الحقّ الفلسطيني؟

تاريخ الإضافة الأربعاء 12 شباط 2020 - 2:02 م    عدد الزيارات 1286    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمة في مجلس الأمن يوم أمس الثلاثاء، وذلك في إطار "المقاومة الدبلوماسية" التي ستخوضها السلطة للتصدي لصفقة القرن وإفشالها. وقال عباس في كلمته إنّ الرفض الواسع للصفقة مردّه ما تضمّنته من خطوات أحادية الجانب وقرارات مخالفة للشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية وألغت قانونية مطالب الشعب الفلسطيني بحقه في تقرير مصيره ونيل الحرية والاستقلال في دولته وشرّعت ما هو غير قانوني من استيطان ومصادرة وضم. وشدّد على أنّ الصفقة لا يمكن أنّ تعدّ، حتى في جزء منها، مرجعية للتفاوض لأنّها أمريكية–إسرائيلية استباقية، وجاءت لتصفية القضية الفلسطينية، ومع ذلك قال إنّ السلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لا يزال ممكنًا وقابلاً للتحقيق، وأكد أنّه يمد يده للسلام، وأنّه مستعد لبدء مفاوضات فورًا إذا وجد شريك حقيقيًا في "إسرائيل" لصنع سلام حقيقي للشعبين.

 


وتضمّن خطابه تأكيدًا لـ "محاربة الإرهاب"، وهو أمر يذكّر به مرارًا، فقال: "نقول لهم لا نريد حربًا لا نريد حربًا لا نريد إرهابًا، ونحن نحارب العنف والإرهاب في كل أنحاء العالم، ولدينا بروتوكولات مع 83 دولة، وأول هذه البرتوكولات مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وروسيا واليابان وغيرها، نحن نحارب الإرهاب ولسنا إرهابيين، ومهما حصل لنا سنبقى متمسّكين بمحاربة الإرهاب"، وهذا التمسّك بمحاربة "الإرهاب"، مع ما يعنيه هذا المصطلح وفق المعايير الأمريكية والإسرائلية الذي تتبنّاه السلطة، هو ما تبرّر به الأخيرة ركونها إلى التنسيق الأمني مع الاحتلال حتى بات الفلسطينيون مكشوفين بفضل أجهزة الأمن الفلسطينية، إلى الحدّ الذي تقدم عنهم إلى الإسرائيليين معلومات لا يحلم بها قادة الاحتلال، وفق كلام عباس أمام الاجتماع الطارئ للجامعة العربية على المستوى الوزاري أوّل الشّهر الحالي.

 


إذًا على الرغم من كل الفشل الذي اعترى مسار المفاوضات، لا تزال السلطة الفلسطينية متمسّكة بهذا المسار، وذلك بالتوازي مع إصرارها على التخلّي عن عوامل القوة التي يمكن أن تدعم موقفها في وجه الاحتلال. كذلك، وعلى الرغم من أنّ التنسيق الأمني يخالف مصلحة الفلسطنينيين ويتعارض مع حماية الحقوق الفلسطينية واستعادتها فهو مستمرّ بخلاف التصريحات الرسمية حول إبلاغ الإسرائيليين بوقفه. وإذا عدنا إلى مفاوضات عام 2014 التي رعاها وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري فهي لم تخرج عن سياقات جولات المفاوضات السابقة: تنازلات فلسطينية في مقابل وعود إسرائيلية لا تلبث أن تترجمها دولة الاحتلال بمزيد من فرض الوقائع على الأرض بما يخدم رؤيتها وروايتها، وهي وقائع باتت تجعل إقامة الدّولة الفلسطيني أمرًا غير قابل للتّحقق.

 


قد يكون الكشف عن بنود صفقة القرن في هذا التوقيت مرتبطًا بمصالح انتخابية وسياسية للرئيس الأمريكي ولرئيس حكومة الاحتلال، وقد يمكن القول إنّ الولايات المتحدة فشلت في إقناع "المجتمع الدولي" بأنّ حل القضية الفلسطينية هو عبر تجميع الفلسطينيين، أو نثرهم، في جزر تحيط بها المستوطنات، وتتّصل في ما بينها بطرق وأنفاق وجسور، وترك الباب أمامهم مفتوحًا ليختاروا القرية التي يريدون ويتخذوها عاصمة لهم بعد تسميتها بـ "القدس"! وعلاوة على ذلك، قد لا تستطيع دولة الاحتلال ضمّ المناطق التي وهبها إياها ترامب في خطته للسلام نظرًا إلى الاختلاف الداخلي حول الضمّ بين التيارات السياسية المختلفة، إضافة إلى أنّ الضمّ الأحادي لن يكون مقبولاً دوليًا، حتى وإن باركته واشنطن.

 


لكن مع ذلك، فإنّ المهمّ في هذه المرحلة الإدراك أنّ الإصرار على الأدوات ذاتها لمواجهة الصلف الأمريكي والتعنّت الإسرائيلي قد لا يكون الحلّ الأمثل لمواجهة المشروع الاستعماري. والخطاب الذي تتبنّاه السلطة منذ قيامها يتراجع في سلّم المعايير التي تتطلبّها القضيّة الفلسطينية، إذ إنّ محاولة استرضاء دولة الاحتلال، التي قامت على أساس العنف والإرهاب، أو إرضاء الولايات المتحدة التي ترعى "إسرائيل" وسياساتها، أفضت إلى واقع لا تعبّر فيه السلطة عن تطلّعات الشعب الفلسطيني، وفي الوقت ذاته لم تحصّل الرضا الأمريكي أو الإسرائيلي.

 


ولا يكفي القول إنّ للفلسطينيين حقوقًا، أو أن تعترف الدّول بهذه الحقوق، بصرف النظر عن مدى الحق المعترف به دوليًا، إذ تجاوزت دولة الاحتلال هذا الاعتراف وتخطّته واستمرّت في تثبيت الوقائع على الأرض إن على مستوى التّهويد أو الاستيطان وغير ذلك، ودعمتها في ذلك سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وكان الدّعم أكثر صراحة مع الإدارة الحالية. وهذا يعني ضرورة تحصين الحقّ بما يعزّزه ويقوّيه، ويساعد أصحابه على الوقوف على أرضيّة متماسكة صلبة، لا تمور ولا تميد، إذ إنّ السّلام الذي لا ينطلق من موقع القوة هو الوصف المنمّق للاستسلام.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

موقف الدول العربيّة من صفقة القرن الأمريكيّة: الأفعال أصدق إنباءً!

التالي

"منظمات المعبد" بين آمال "صفقة القرن" وآلام "الفجر العظيم"

مقالات متعلّقة

هشام يعقوب

من عزلتي في الكورونا

الثلاثاء 13 تشرين الأول 2020 - 5:39 م

مريض كورونا يُناجي الأسير ماهر الأخرس الذي يخوض إضرابًا عن الطعام لنيلِ حريتِه منذ نحو 80 يومًاكانتْ صورتُك هي الأكثر التصاقًا بمخيّلتي وأنا أقاسي أوجاعًا محمولةً جرّاء الكورونا.ماهر...ماهر، هل تسمعني… تتمة »

علي ابراهيم

الإعلام والعمل| الانتقال من الترف إلى الواجب

الجمعة 3 تموز 2020 - 4:11 ص

أفكارٌ على طريق التحرير-6- الإعلام والعملالانتقال من الترف إلى الواجبومع مراكمة ما سبق من أفعالٍ وأفكار، وبث المفاهيم الريادية والقياديّة، وصناعة الرواحل الأشداء، لاستنهاض الأمة، وتكوين الفرسان القادر… تتمة »