إما نحن وإما هم

تاريخ الإضافة الأحد 6 كانون الأول 2020 - 4:45 م    عدد الزيارات 356    التعليقات 0     القسم مقالات

        


كمال الجعبري

مُعِد في مؤسسة القدس الدولية

“كان قتالاً حتى الطلقة الأخيرة“، بتلك العبارات وصف الباحث الاجتماعي الفلسطيني، خالد عودة الله، القتال خلال حرب عام 1948، كما اصطلح على تسميتها، حيث شهدت بعض المدن الفلسطينية، خلال جولات القتال الممتدة بين شهر تشرين ثاني من العام 1947، والممتدة لغاية شهر أيلول من العام 1949، مقاومةً عنيفةً امتدت لعدة أشهر.

 

 

وفي القدس شهدت جبهات القتال، معارك ضارية بين قوات جيش الجهاد المقدس، ومن معها من متطوعين عرب، ومسلمين، بمختلف تشكيلاتهم، وقوات العصابات الصهيونية من جهةٍ أخرى، ونحن نتحدث هنا، عن تلك المرحلة من القتال، والتي امتدت منذ الأيام الأولى لإعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين في الـ29 من شهر تشرين ثاني عام 1947 وحتى الـ15 من شهر أيار من عام 1948، عندما أعلن ديفيد بن غوريون قيام الكيان الصهيوني المحتل، ودخلت الجيوش العربية فلسطين، بشكلٍ رسمي.

 

في تلك المرحلة من القتال، تحديداً، شهدت القدس جولاتٍ من القتال تعرض خلالها المشروع الصهيوني وبنيته العسكرية لضرباتٍ قاصمة، جعلت من معركة القدس معركةً من المعارك الحاسمة في خضم حرب عام 1948، وهذا ما دلل عليه تصريح ديفيد بن غورين في مذكراته، واصفاً معارك باب الواد وقطع المناضلين الفلسطينيين والعرب طريق القدس– يافا، أمام العصابات الصهيونية: “المشروع الصهيوني يترنح عند باب الواد“.

 

في سياق المحاولات الفلسطينية للتأريخ لمعركة القدس، والوصول إلى الحقائق التاريخية المتعلقة بها، ورؤية الرواية الصهيونية لها والاطلاع عليها، إذ أنّ جزءًا من ذاكرتنا حول تلك المعركة، قد فقدناه، صدر مؤخراً عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) الترجمة العربية لكتاب (إما نحن وإما هم – معركة القسطل: الساعات الأربع والعشرون الحاسمة).

 

 

المؤلف في سطور

مؤلف الكتاب ومعده هو الصحفي والباحث الصهيوني داني روبنشتاين، محرر الشؤون الفلسطينية السابق في صحيفة (هآرتس)، وعمل كذلك مديراً لمكتب القدس في صحيفة (دافار)، وقد صدر للمؤلف عدة كتب منها؛ سر عرفات الصادر في العام 2001، وكتيب الضفة الغربية– معجم سياسي، الصادر في العام 1986، وكتاب شعب اللامكان: الرؤية الفلسطينية للوطن، الصادر في العام 1991، وكتاب كامب ديفيد 2000 الصادر في العام 2002. الجدير بالذكر أنّ روبنشتاين كان من ضمن وحدة استطلاع القدس في جيش الاحتلال خلال حرب حزيران 1967، والتي كانت من أولى الوحدات العسكرية الصهيونية التي احتلت القدس في 7/6/1967، ويقطن داني روبنشتاين اليوم في مستوطنة (بيت هيكريم) المستوطنة الصهيونية المغتصبة لأراضي غرب القدس، بالقرب من دير ياسين ولفتا منذ العام 1924.

 

 

ما يقدمه الكتاب ..

يتناول الكتاب في موضوعه الرئيسي، معركة القسطل وما سبقها من معارك خاضها جيش الجهاد المقدس بقيادة الشهيد القائد عبد القادر الحسيني، إذ يذهب روبنشتاين بتفسيره في ضوء ما وقع بين أيديه من مصادر معظمها عربي وفلسطيني، إلى اعتبار تاريخ استشهاد الحسيني، ومن ثم سقوط القسطل، منتصف نيسان من العام 1948، هو التاريخ الفعلي لنكبة فلسطين، كما ينبغي أن يؤرخ لها الفلسطينيون، إذ بدأ التراجع العسكري الفلسطيني، وتصدّع البنية العسكرية الفلسطينية مع استشهاد الحسيني، وإصابة رفيقه إبراهيم أبو دية (الغنيمات)، والعديد من المتغيرات الميدانية التي حصلت بعد نيسان 1948 وما بعد ذلك التاريخ.

 

 

يتعمق روبنشتاين في تحليل وفهم رمزية (القسطل) لدى الفلسطينيين، عبر دراسته للعديد من الشهادات الشفوية والمذكرات الشخصية والأرشيفات التي تناولت القسطل، وقائدها عبد القادر الحسيني، ويسرد بأسلوبٍ قصصيٍ مدعم بالمصادر والمراجع، حكاية ثورة فلسطين الكبرى، وأطوار تشكل العسكرية الفلسطينية، والمقاومة الشعبية المسلحة في فلسطين، والظهور الأول لمصطلح (الجهاد المقدس) كاسم للجنة تنظيمية للتشكيلات الثورية المسلحة في القدس، ووسط فلسطين خلال ثورة فلسطين الكبرى 1936– 1939، حيث ضمّت اللجنة عبد القادر الحسيني، ورفاقه بهجت وصبحي أبو غربية، وإبراهيم أبو دية (الغنيمات)، وحافظ بركات أبو الفيلات، ومن الخليل عبد الحليم الجولاني وغيرهم، وعن أهم المعارك التي خاضها هذا الفصيل خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، مثل معركة الخضر في العام 1938، والتي استشهد فيها القائد السوري سعيد العاص، وجُرح خلالها عبد القادر الحسيني، ثم يعرّج الكتاب على حقبة ما بين العام 1939 والعام 1947، والتي شهدت مشاركة عبد القادر الحسيني ورفاقه في ثورة رشيد علي الكيلاني في العراق في آذار من العام 1941 وغيرها من محطات الشتات كما يعبر عنها روبنشتاين، في إحدى فصول كتابه.

 

 

يتناول الكتاب أيضاً ظروف وحيثيات نشوء العلاقة بين الحاج أمين الحسيني وألمانيا النازية، وتلقي ذو الكفل عبد اللطيف وحسن سلامة التدريبات لدى الجيش الألماني، ومن ثم دخولهم فلسطين واعتقالهم لدى الاحتلال البريطاني، وانتقال عبد القادر الحسيني للسكن في مصر، قبيل تأسيسه لجيش الجهاد المقدس وعودته للقتال في فلسطين، حتى استشهاده في منتصف نيسان من العام 1948.

 

 

ترجمة الكتاب

أنطوان شلحت، الباحث المختص بالشأن الصهيوني قدّم لهذا الكتاب بمقدمة تشير لأهمية ودوافع مركز “مدار” من ترجمة هذا الكتاب، إذ يتناول بشكل رئيسي، مركزية معركة القدس، خلال حرب عام 1948، ومركزية القسطل ضمن معارك القدس، وانعكاس وأهمية استشهاد عبد القادر الحسيني على معارك القدس، وفي ذات الوقت يشير الكتاب إلى أن القسطل وما تلاها من مجزرة دير ياسين ومعركة “مشمار هعيمق” شكّلت نقطة تحول في مسار القتال والمعارك في عموم فلسطين خلال عامي 1947 و1948، ومن نقاط أهمية هذا الكتاب اعتماده بشكلٍ كبيرٍ وأساسي على المصادر والمراجع العربية بمختلف أنواعها، إذ استغل مؤلف الكتاب عمله كمحرر للشؤون العربية والفلسطينية في عدة صحف صهيونية للوصول لعدد كبير من المصادر الشفوية والأرشيفية الفلسطينية التي نسج منها فصول وعناوين الكتاب.

 

 

وصف الكتاب

يتكون الكتاب من 14 عنواناً فرعياً، وهي؛ هجومٌ عند الفجر ويتناول تفاصيل معركة القسطل، واللحظات الأخيرة في حياة القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، وثورة والذي يسرد قصة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 – 1939 ومشاركة عبد القادر الحسيني فيها وخصومة الأشقاء، ويتحدث عن ظروف نشأة وميلاد عبد القادر الحسيني ودراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ويعرّج قبل ذلك على حادثة مغادرته فلسطين في كانون ثاني من العام 1936، ومن ثم عودته إليها ومواصلته لمقاومة الاحتلال البريطاني، ويتناول كذلك جذور الخلاف بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي، إذ يشير روبنشتاين إلى أنّ حزب الدفاع بزعامة راغب النشاشيبي، والذي كان يمثل النخبة الفلسطينية (المعتدلة) كان يحظى بدعمٍ من الاحتلال البريطاني لفلسطين، والأمير عبد الله بن الحسين حاكم إمارة شرق الأردن، آنذاك، لأسبابٍ تتعلق بتطلعات الأمير إلى ضم الجزء العربي المتبقي من فلسطين، في حال تمّ تنفيذ ما جاءت به توصيّات لجنة بيل، من تقسيم إلى فلسطين لمملكته الهاشمية الصاعدة.

 

 

كما يتضمن هذا الفصل استعراضاً لسيرة القائد الوطني الفلسطيني، موسـى كاظم الحسيني، ودوره في ثورة البراق عام 1929، وما بعدها من فصول حياته.  

 

 

أما فصل “من الشيخ علي حتى القدس” فيتضمن الحديث عن قرية القسطل، قبل النكبة وبعضها، ووصفها في كتب التاريخ والبلدانية الفلسطينية، وما آلت إليه الأحوال في القسطل من طمسٍ للهوية عبر إقامة المنتزهات الاستعمارية والمتاحف على أراضيها وأخواتها، وكذلك الحديث عن طريق القدس– يافا، أو شارع رقم 1، بما يحويه من رمزية لدى أبناء الشعب الفلسطيني، والمحتلين الصهاينة، وهو الذي شهدت ضفافه بما تحويه من قرىٍ فلسطينية، فصول المعارك الأعنف والأكثر حسماً خلال معارك حرب عام 1948، ومن المعلومات التي يضيفها روبنشتاين في هذا الفصل، اسم الواد الذي يمر به طريق القدس– يافا، أو باب الواد، كما اصطلح على تسميته، وهو وادي الشيخ علي الذي كان ينتصب ضريحه في إحدى جنبات الواد، والشيخ علي هذا، هو أحد الأولياء الذين عاشوا في مدينة الرملة، والذي سقط جثمانه خلال نقله من الرملة إلى المسجد الأقصى لكي يدفن فيه، فسقط في الواد المؤدي إلى القدس، ودفن هناك، حيث باب الواد.

 

 

أما فصل “شتات” فيتناول انتقال عبد القادر الحسيني بعد مطاردته من الاحتلال البريطاني إلى العراق، ومشاركته في ثورة رشيد رضا في العراق، والدور السياسي الذي لعبه آل الحسيني، ممثلين بالحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني في المشهد السياسي العراقي في الأربعينيات، ويعرّج روبنشتاين هنا على محاولة آل الحسيني اغتيال فخري النشاشيبي في العراق، ومن اغتياله فعلاً على يد أحمد نسيبة، أحد مقاتلي جيش الجهاد المقدس، ومن ثم اعتقال الحسيني في العراق على يد قوات الاحتلال البريطاني.  

 

 

وفي فصل “متعاون” تمّ الحديث عن وصول الحاج أمين الحسيني، وفوزي القاوقجي، الذي يصفه الكاتب بمنافس الحسيني إلى ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وعن علاقة الرجلين بالزعيم الألماني أدولف هتلر، ويتم التركيز في هذا الفصل على قصة دخول المناضلين الفلسطينيين، ذو الكفل عبد اللطيف، وحسن سلامة إلى فلسطين، بصحبة اثنين من الألمان، بعد تلقيهما تدريباتٍ عسكريةٍ في ألمانيا، ومن ثم اعتقالهما، ونقلهما إلى معتقل بريطاني في مصر.

 

 

وفي الفصل الذي حمل عنوان “إما نحن وإما هم” يتناول الكاتب دخول عبد القادر الحسيني والحاج أمين الحسيني مصر منتصف العام 1946، ولقائهما في منزلٍ استأجره عبد القادر في حي شبرا الشعبي في القاهرة، وعزمهما على مواصلة القتال في فلسطين، وتشكيل نواة القيادة العسكرية لجيش الجهاد المقدس هناك، حيث التقى هناك عدداً من الكوادر التي صحبت عبد القادر الحسيني لاحقاً، مثل؛ كامل عريقات، عبد الحليم الجولاني، صبحي وبهجت أبو غربية، حسن سلامة وحافظ أبو الفيلات، ومِن بين من التفوا حول عبد القادر الحسيني والحاج أمين في القاهرة، عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة الحسيني، ابن الـ17 عاماً آنذاك، والذي بات يُعرف لاحقاً باسم ياسر عرفات. وفي معرض الحديث عن عرفات يثير روبنشتاين، ما يشير لميوله الصهيونية، التي لا يمكن إخفاؤها عبر السرد المتواصل من المنطلق من مفردات الخطاب الفلسطيني، والعقل الجمعي الفلسطيني، فخلال حديث روبنشتاين عن نشأة عرفات وحياته خارج فلسطين، واعتراض بعد القيادات الفلسطينية على قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية بسبب لهجته المصرية الظاهرة، يعلّق روبنشتاين: “ثار هذا الادعاء، أيضاً، على خلفية الادعاء الوطني بأن الفلسطينيين هم أصحاب البلاد (الأصلانيين)، على عكس المهاجرين اليهود الأغراب“.

 

 

وفي هذا الفصل يبيّن روبنشتاين بعداً آخرَ لعنوان (إما نحن وإما هم) غير بعد الحسم الذي وصفت به معركة القسطل، وهو المنطلق الأساسي الذي تأسس عليه جيش الجهاد المقدس في القاهرة آواخر العام 1947، وهو رفض قرار تقسيم فلسطين فإما نحن أصحاب الأرض الفلسطينيين أو هم الأغراب اليهود المحتلون.

 

 

ويستعرض هذا الفصل كذلك بدايات تشكل البنية العسكرية الفلسطينية– العربية غير النظامية في فلسطين، قبل دخول الجيوش العربية النظامية في فلسطين، وطبيعة الخلافات الإدارية التي نشبت بين التشكيلات المختلفة، مثل؛ جيش الجهاد المقدس، جيش الإنقاذ، متطوعي الإخوان المسلمين، وغيرهم.

 

 

في فصل “بين المطرقة والسندان” يصف روبنشتاين التيار الوطني الفلسطيني، المتمثل بالحاج أمين الحسيني، عبد القادر الحسيني، الهيئة العربية العليا، وجيش الجهاد المقدس، بـ”المعسكر المعزول” في وجه من وصفها بـ”المعارضة الفلسطينية” المتحالفة مع الاحتلال البريطاني، ونظام الملك عبد الله الأول في شرق الأردن، والتي تقيم في ذات الوقت مع (الياشوف) الصهيوني، والحركة الصهيونية في فلسطين، قاصداً بذلك النخبة البرجوازية الفلسطينية، التي يعتبرها العديد من الباحثين والكتاب والمؤرخين الفلسطينيين، إحدى أسباب نكبة فلسطين، ويتجاهل روبنشتاين، وجود تيارات وطنية وبنى عسكرية أخرى، تشكلت في تلك الفترة في فلسطين، منها ما تشكل في شمال فلسطين، على يد رفاق الشيخ الشهيد عز الدين القسام، وعدد من الجنود في الجيوش العربية المسرحين من الخدمة والمنضمين للمقاومة الشعبية في فلسطين.  

 

 

وفي الوقت ذاته، يتناول الكاتب الفجوات والخلافات التي نشأت في الميدان وفي الغرف المغلقة بين اللجنة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني وجامعة الدول العربية ولجنتها العسكرية، التي شكل السوري فوزي القاوقجي أحد وجوهها الرئيسية.

 

 

يعرض فصل “آذار” في الكتاب خلفيات وتداعيات قرار جامعة الدول العربية في آذار من العام 1947، بتخويل نفسها صلاحية اختيار ممثليها للشعب الفلسطيني، بسبب خلافاتٍ وقعت بين بعض أطرافها والحاج أمين الحسيني، وبذلك صادرت جامعة الدول العربية، حق الشعب الفلسطيني باختيار من يمثله، كما يشير روبنشتاين، واصفاً هذا المصطلح بأنّه الذي استخدم من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في السنوات اللاحقة.

 

 

ويتناول هذا الفصل أيضاً تداعيات قرار جامعة الدول العربية في الميدان، إذ تشكل جيش الإنقاذ ودخل فلسطين، وعمل بشكلٍ مستقلٍ عن جيش الجهاد المقدس الذي بدأ العمل في فلسطين قبل دخول جيش الإنقاذ إلى البلاد بعدة أشهر.  

 

 

يذهب بنا الفصل العاشر من الكتاب، والمعنون باسم “حصار” إلى ما بعد آذار 1947 بعامٍ تقريباً، عندما أخفقت المنظومة العسكرية الصهيونية في عدةِ جولاتٍ من القتال في القدس ومحيطها أمام جيش الجهاد المقدس، منها معركة بيت سوريك، التي شارك عبد القادر الحسيني في قيادتها، ومعركة الماصيون بالقرب من رام الله، والتي مُنيت خلالها كتيبة موريا المكونة من المستوطنين الصهاينة في القدس، بهزيمةٍ نكراء على يد رجال جيش الجهاد المقدس.  

 

 

ولعل الحدث الأبرز في سلسلة الانتصارات الفلسطينية في القدس وما حولها، كان في الـ11 من شهر آذار من العام 1948، حينما فجّرت فرقة التدمير العربية بقيادة فوزي القطب مقر الوكالة اليهودية في شارع جورج الخامس في القدس.

 

 

دفعت تلك الانتصارات والحصار العسكري الفلسطيني المفروض على شارع القدس– يافا، عبد القادر الحسيني للسفر إلى دمشق؛ لمقابلة اللجنة العسكرية في جامعة الدول العربية، وإطلاعها على الوضع الميداني، لعلها تسهم ببعض الدعم العسكري لجيش الجهاد المقدس، وفي تلك الزيارة نشأت العلاقة الودية بين عبد القادر الحسيني وبهجت أبو غربية، القائد العسكري والسياسي الفلسطيني الذي سيكون له شأنٌ لاحق في المشهد الوطني الفلسطيني. كان صبحي شقيق بهجت من مقاتلي جيش الجهاد المقدس القدامى، وهو من تعرف بعبد القادر قبل أخيه بعدة سنوات، استشهد صبحي لاحقاً، في حي المصرارة في القدس بتاريخ 7/6/1967، وهو يقاوم بصحبةِ عدد من شباب المدينة وجنود الجيش الأردني الباقين في القدس بدون أوامرَ عسكرية، موجات الدبابات الصهيونية المجتاحة للمدينة في نكستها ونكسة حزيران.

 

 

“من دمشق كانت بداية النهاية” كما يصفها داني روبنشتاين في كتابه، وبها عنون الفصل الحادي عشر من كتابه، إذ يتناول هذا الفصل تداعيات الخلاف الفلسطيني مع جامعة الدولة العربية، وحالة الاستقطاب السياسي الناتجة عنه على الوضع الميداني في فلسطين، إذ تشكلت اللجان القومية في عددٍ من المدن الفلسطينية، وبدأ الممثلون عنها يزورون دمشق طلباً للتسليح بشكل مستقل، ولم تتشكل قيادة عسكرية فلسطينية مركزية، بسبب رفض الجامعة العربية المتكرر للتعامل مع الحاج أمين الحسيني كممثلٍ للشعب الفلسطيني، وفي ذات الوقت لم ينجح عبد القادر الحسيني في تشكيل قيادة عسكرية فلسطينية موحدة خلال تلك الفترة، ما أسهم في خلق ما آلت إليه الأمور بعد استشهاده. 

 

 

تناول الكتاب في فصله الثاني عشر الذي حمل عنوان “على الجبال” أحداث شهر نيسان من العام 1948، والتي تتضمن التفاصيل السابقة والمرافقة لمعركة القسطل، إذ يحلل روبنشتاين بنية القوات العربية غير النظامية التي رابطت في باب الواد وخاضت معركة القسطل، وهي خليطٌ من مقاتلي جيش الجهاد المقدس والمتطوعين من قرى القدس وما حولها، إضافة لمتطوعين من العشائر الأردنية بقيادة هارون بن جازي وعدد من مقاتلي جيش الإنقاذ ومتطوعي جماعة الإخوان المسلمين، يقودهم فاضل رشيد، الضابط العراقي، وعدد من جنود قوة حدود شرق الأردن (قوات البادية الأردنية)، فاريّن من الخدمة العسكرية تحت الأوامر البريطانية، إلى جانب متطوعين مسلمين من البوسنة، وعدد من المقاتلين من ألمانيا وبولندا، والذين يصفهم روبنشتاين بـ(المرتزقة)، ولا يصف مقاتلي المنظمات الصهيونية القادمين من مختلف دول أوروبا بتلك الصفة، وفي الوقت ذاته، وكما ورد في مذكرات عارف العارف وبهجت أبو غربية، بحسب ما جاء في الكتاب، فقد امتنع عددٌ من الجنود الأردنيين والعراقيين المتواجدين في عدة مناطق في باب الواد، وما حولها من المشاركة في القتال قبل وخلال معركة القسطل، وترددت جملة: “ماكو أوامر“، الدارجة باللهجة العراقية، وأصبح لقب هؤلاء في أوساط المقاتلين الفلسطينيين والعرب جماعة الـ“الماكو أوامر“.  

 

 

كما يتناول هذا الفصل التفاصيل الدقيقة التي سبقت استشهاد عبد القادر الحسيني، حيث قاد عبد القادر هجومه لاستعادة القسطل، انطلاقاً من محجر في بلدة صوبا غرب القدس، وكان من ضمن من كانوا معه من رجالات جيش الجهاد المقدس؛ بهجت أبو غربية، إبراهيم أبو دية الغنيمات، حافظ بركات، علي الموسوس وعبد الله العمري، وشارك القائد العشائري الأردني، هارون بن جازي في الهجوم لاستعادة القسطل. ومن ضمن شهود العيان على اللحظات الأخيرة لعبد القادر الحسيني، عوض الترمسعاوي من قرية ترمسعيا في رام الله، والذي التقاه وهو يحاول تنفيذ عملية تفجير بيت مختار القرية، وطلب منه المباشرة في تنفيذ المهمة، والتي يترتب عليها بقاء عبد القادر وحيداً في موقعه الذي يرابط فيه داخل القرية، وحينما رفض عوض تنفيذ المهمة، خوفاً على عبد القادر، جاء الرد: “هذا أمر وإن لم تنفذه سأطلق عليك الرصاص“، جاءت تلك الرواية، ضمن مقابلة أجراها فيصل الحسيني، نجل عبد القادر مع عوض عام 1985.

 

 

أما عن قصة استشهاد عبد القادر الحسيني فيورد رواية يعقوب سلمان، أحد أفراد وحدة لواء “عتصيوني” ضمن قوات “الهاغانا” الصهيونية، إذ كانت الوحدة ترابط على شرفة في إحدى بيوت القسطل، وما أن شاهدوا عبد القادر برفقة شابين من بيت فجار حتى نادوا: “هلا يا جماعة“، ظناً منهم أنّهم من ضمن النجدات القادمة لـ”الهاغانا” من القدس، فرد عليهم بـ“ هالوا جايز“، ظناً منه أنّهم من ضمن الجنود البريطانيين الهاربين من الخدمة والملتحقين بجيش الجهاد المقدس، وبعد أن أوجس الطرفين في نفسهما خيفة، عاجل الصهيوني كارميول عبد القادر الحسيني برشاشه البرن ليرتقي شهيداً، وينجو شابيّ بيت فجار.  

 

 

جابر وإحسان خليل الحيان، هم فتيا بيت فجار اللذان رافقا الشهيد عبد القادر الحسيني، في لحظاته الأخيرة، ومن مقابلات روبنشتاين الشفوية وزيارته لبيت فجار في العام 2012، كتب الفصل الثالث عشر من كتابه، والذي يوثق قصة فتيا بيت فجار، حيث أسهم إخفاؤهما لمصير عبد القادر الحسيني، بتعالي نداءات الفزعة العربية الفلسطينية الأكبر في حرب عام 1948، كما يصفها روبنشتاين، حيث قدمت النجدات من المقاتلين الفلسطينيين من الخليل، القدس والرملة، وبلغ عدد المقاتلين المتطوعين ومقاتلي جيش الجهاد المقدس حوالي 1000 مقاتل، تمركزوا في صوبا، وبدأوا بإطلاق النار تجاه القسطل، وقاد بهجت أبو غربية الهجوم الذي انتهى باستعادة القسطل، ورفع العلم الفلسطيني فوق بيوتها.

 

 

ختم روبنشتاين كتابه بفصلٍ حمل عنوان “رايةٌ سوداء” والذي تحدث عن تفاصيل انتهاء معركة القسطل، وتشييع جثمان عبد القادر الحسيني، والذي تصاحب مع نجاح جيش الإنقاذ في السيطرة على مستوطنة “مشمار هعيمق” شمال فلسطين المحتلة. ويورد روبنشتاين معلومة ملفتة في هذا الفصل، حول مشاركة الشيخ عبد الحميد السائح، الذي أضحى من مؤسسي الهيئة الإسلامية العليا في القدس التي أبعد عنها في العام 1969، في إلقاء كلمة خلال تشييع جثمان الشهيد عبد القادر الحسيني في المسجد الأقصى المبارك.

 

 

في خاتمة الكتاب يورد روبنشتاين معلومة حول مصطفى عشو، منفذ عملية اغتيال الملك عبد الله الأول في تموز من العام 1951، إذ كان عشو من ضمن قوات الجهاد المقدس التي نفذت الهجوم على القافلة الصهيونية في الشيخ جراح، رداً على مجزرة دير ياسين، واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني.   

 

 

مصادر الكتاب ومراجعه

يتميز هذا الكتاب باعتماده المكثف على المصادر والمراجع العربية، بتجسيدٍ لمنهجية داني روبنشتاين القائمة على التأريخ لمعركة القسطل، عبر استعراض سيرة الشهيد عبد القادر الحسيني، وفقاً للرؤية والخطاب الفلسطيني، في محاولةٍ استعرابية، أو استشراقية لفهم تداعيات وتفاعلات القسطل وعبد القادر في العقل الجمعي الفلسطيني، والممارسة الفلسطينية بمختلف أشكالها.

 

 

اعتمد روبنشتاين على عددٍ من كتب المذكرات والسير التي أرّخت لمعارك القدس، مثل: كتاب في خضم النضال العربي الفلسطيني، من تأليف المناضل الفلسطيني الراحل بهجت أبو غربية، والصادر في طبعته عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت في العام 1983، وكتاب فلسطين الأم وابنها البار عبد القادر الحسيني، من تأليف عيسى خليل محسن، وإصدار دار الجليل للنشر والأبحاث والدراسات الفلسطينية في عمّان في العام 1986، والذي يعتمد بشكل رئيسي على أوراق قاسم الريماوي، أحد قادة جيش الجهاد المقدس، ومرافق الشهيد عبد القادر الحسيني.

 

 

واستفاد مؤلف الكتاب كذلك من العشرات من المقابلات الشفوية، سواءً التي أجراها بنفسه بحكم عمله الصحفي، أو تلك التي أجريت مع عددٍ من عايشوا معركة القدس أو رافقوا عبد القادر الحسيني، مثل المقابلة التي أجراها الإعلامي اللبناني سامي كليب مع محمد النجار، أحد قادة جيش الجهاد المقدس، ضمن برنامج زيارة خاصة، في 12/4/2004، ويشير روبنشتاين إلى مجموعة مقابلات أجراها مع الشيخ محمد علي الجعبري، رئيس بلدية الخليل السابقة، والسياسي الفلسطيني المقدسي موسى العلمي، إلى جانب عدد من اللقاءات الصحفية التي أجراها مع الراحل فيصل الحسيني، خلال عمله مع صحف “دافار” و”هآرتس”.

 

 

اعتمد روبنشتاين في كتابه على أرشيف الصحف العربية والفلسطينية، وبخاصةٍ تلك المتوفرة ضمن الأرشيف الوطني الصهيوني، مثل صحيفة فلسطين الصادرة من يافا لغاية العام 1948، واحتلال يافا، وشقيقتها الدفاع التي كانت تصدر في حيفا في ذلك التاريخ أيضاً.  

 

 

خاتمة

يعدّ كتاب “إما نحن وإما هم” كتاباً مهماً في الحديث عن السردية الوطنية الفلسطينية الممتدة، والتي تأسست عليها الحركة الوطنية الفلسطينية، وانطلقت منها معظم فصائل وحركات المقاومة الفلسطينية، وهي فكرة عدم قابلية فلسطين للتقسيم، والصراع الوجودي بين الفلسطيني والمحتل الصهيوني، ومن المهم عند قراءة الكتاب ملاحظة النفس الصهيوني لدى داني روبنشتاين، والذي يظهر جليّاً حينما يحول الصراع بين تيار مقاوم رافض للاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، وآخر براغماتي متساوق مع الاحتلال ومتصالح معه، إلى صراع عشائري، مستفيداً من بعض الروايات الصادرة من المصادر العربية، وإن نحّيْنا عنصر السردية والخطاب الموجه في الكتاب، نلاحظ أنّه يحتوي على معلومات تاريخية مهمة ودقيقة حول معركة القدس ودورها المحوري في القتال خلال حرب عام 1948.

 

المصدر: شبكة قسطل

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

"إسرائيل".. رؤية تحليلية

التالي

حتى لا تتيه البوصلة

مقالات متعلّقة

زياد ابحيص

متواصلون

السبت 30 كانون الثاني 2021 - 2:33 م

متواصلون يحاول الاحتلال توجيه تهمٍ لعدد من نشطاء فلسطين بتهمة "التواصل مع الخارج"، ليحاول عبثاً أن يكرس أن الفلسطينيين تحت احتلاله كتلة من البشر منبتة عن أي عمق أو تواصل...ورداً على ذلك انطلقت حملة #م… تتمة »

مازن الجعبري

الغائب والحاضر في أحداث الأقصى

الجمعة 15 كانون الثاني 2021 - 9:10 ص

 " إسرائيل " لن تتوقف عن تنفيذ وتحقيق أحلامها ومخططاتها في المسجد الأقصى، ولديها استراتيجية وسياسة ثابتة، ولكنها تُغيّر فقط في إجراءاتها تبعاً للمواقف السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، ونحن نعلم أ… تتمة »